دانية بقسماطي: قصائد تلعب فيها الرّيح!؟

قراءة د. جان توما قرأها 951

تلعب دانية بقسماطي في ديوانها الجديد في وجه الرّيح، تلملم كلماتها من وجع السنين وخزائن الذاكرة. تشتغل بالوشم على ذراع الهواء وتكشف أن النّحت ليس "برانياً" إنما "جوانياً". فالريح هو سفر الموجوع في رحلة الألم الى مرفأ الأمل، والنحت هو تآكل الأيام على روزنامة العمر الذي يكر ولا يهدأ.

وإلا فما هو مبرر الأفعال التالية:

أنحت، أجرح، أزرع (ص7)؟ هذه الذاتية هو بوصلة الديوان، وهي خارطة الدرب الشعري لدانية الذي تأمله أن يكون موسم حصاد دائم:

"زيتوناً، تيناً، توتاً، رماناً" (ص7).

تسأل دانية بقسماطي عن ذاك الكون المستجد، حيث نكهة الليل الحلوة والنهار الأجمل، حيث تقارع الحقيقة الحقيقة، حيث لا كذب ولا رياء ولا اضطراب، تقول:

"تلك قناديلنا   فضاءٌ منيرٌ رحبُ المدى/ ويد الفجر تطال السماء/ لا ظلام يصرعها  ولا ريح تروّضها.." (ص22). هذه العودة الى الطفولة ليست هرباً من الواقع، بل بحث عن تلك الأرض الجديدة والسماء الجديدة، حيث العين لا تقاوم المخرز، بل تواجه العين الانسانية الحقيقية التي تعطي بلا حدود هي، (عينا كل الأمهات  عينا أمي/ عينان تعانقان صباحك/ لتنقيا النهار من محطات الأوجاع" (ص25).

وتجنح الشاعرة بوضوح الى تلك الطفولة التي ترعاها المحبة الصادقة والعطاء بلا حدود، إن لم يعد الانسان طفلاً في شيخوخته لن يدخل ملكوت المحبة والعطاء والبذل والتضحية. ومن لا يلبس لبوس الأمومة في دواخله لن يدرك أهمية الانسكاب حباً ووفاءً وصدقاً، تقول: "ما أبهج تلك اللحظات التي تسمح للحلم أن يتقدّم نحو الطفولة!  تابع التقدّم، أيّها الحالم العابر في شيخوخة عابرة وطفولة تُقيم؟" (ص55), ولا عجب إن خصصت الشاعرة ثلاث قصائد متكاملة ومتسلسلة حول "طفولة تتقدّم نحو طفولتها" (ص51-68).

من هذه المحبة الأولى تريد أن تُقبل دانية بقسماطي الى الحياة، أن تقول كلمتها كإنسانة، فهي تعرف أن الحياة قلق وألم ومصاعب واضطراب ولها في أن" أرتعش، أدمع، أنتعش، أفرح، أشهق، أنحني، وأندس عصفورة تحت شال سيدة القناديل، (ص28). ومن تكون سيدة القناديل هذه؟ هي كل كلمة حق تُرمى في هذا العالم، فالبحث عن كل نور، أو حياة في النور، هو المبتغى لكل شاعر أو صاحب حسّ مرهف.

تقول: "شمس, أنا وشمسي   من قال الشمس عدوتي؟  الشّمس وأنا جارتان، سلام.." (ص31).

هذا الالتفات الى الشّمس والطبيعة لأنسنتهما، فتبحث عن ظلّها الخيال ليصير واقعياً، وترضى أو تقنع نفسها: "لعله، امتطى قدم الريح  جالساً الآن في فيء الصنوبرة العالية.." (ص70).

هذا العلو الذي تبحث عنه الشاعرة واضح في رغبتها في أن تسير فوق المتعارف عليه والتقليد الأعمى القاتل:

"ينخطف ظلّي  بروح تترصّع بروحها/ أعلى وأبعد/ من أعالي يواقيت السّماء" (ص80). من هنا نفهم هذا التعالي عن الدنايا حتى عند الشجر.

 والبرق  الريح:

"غابة سنديان قبّة من غيم... البراري رّيف من قرميد البلوط... بيديه يسقينا حساء الآلهة..." (ص102).

كل هذا الإنتماء إلى الأرض الأولى والسّماء الأولى يعبّر عن حالة الشاعرة التي تبرمج حياتها وسط معمعة الاسم الذي يحمله كل منا طيلة حياته، فيحاول المرء أن يفكّكه لربما يقف على أسرار فاتته، فيما يعلم أنه، في النهاية، الى زوال. تقول دانية:

"ها أنا الدّال... أرتقي والألف أدنو، أحنو، أتغلغل في حضن النون... أناي/ أنسكب في جرن يائي... ألقي تائي في فتحة يدها الممدودة/ يدان تمتزجان في صندوق  تفوضان أمر تنقيح الغد لليد العُليا... يد الرّحْمَن..." - (ص145).

بهذا الايمان الهادىء تسري "غبطةُ النّحْتِ على أقدامِ الرّياح" في ذاكرة القارىء لتسكن في خزانته، وليستنتج المرء أن المطارح الجميلة ما زالت هنا، و أن الكلمة الحلوة الموحية ما زالت تتراقص في محابر الكتّاب، وخيالات الشعراء لتلطيف برودة العصر الالكتروني وجمود التكنولوجيا المهيمنة.

تأتي الكلمة الجزلة عند دانية بقسماطي لتشعر بأن النبض في الشرايين ما زال وقعه طروباً وأنك ما زلت... حيّاً.

(غبطةُ النّحْتِ على أقدامِ الرّياح،

دار تالة للنشر والتوزيع / دمشق / الطبعة الأولى 2010)

نُشر هذا المقال أيضاً في صحيفة الإنشاء بتاريخ 1 تشرين الأول 2010