إيلي مارون خليل و"مسافات ملتبسة"

صدرت مؤخرًا، عن دار الفكر اللبناني، رواية "مسافات ملتبسة" لإيلي مارون خليل بقياس وسط (21×14) في 207 صفحات بغلاف أوّل تزيّنه صورة بريشة ن. ضوميط لامرأة ملتبسة ملامح الوجه. وكأن الغلاف يوحي بأن بطلة الرواية ليست امرأة محدّدة، وقد تكون نموذجًا لأي امرأة تشبهها في شخصيّتها.
ألرواية مؤلفة من ستة فصول: الفصل الأول بعنوان "قال الراوي" عبارة عن صفحة وربع الصفحة مع بياض واسع المساحة. الفصول الثلاثة: الثاني والثالث والرابع تحمل أسماء شخصيات الرواية الأساسية: ماريّا (95 ص)، خالد (71 ص) ورمزي (7 صفحات). الفصل الخامس يحمل عنوان الفصل الأول "قال الراوي" (3 صفحات) والفصل السادس والأخير هو بعنوان "وبناء عليه" وهو عبارة عن أربع كلمات "وبناءً عليه، ما إن..." وسط صفحة بيضاء مذيّلة بمكان كتابة الرواية وزمانها: زوق مكايل 15 تموز/23 آب/2005.
إن توزيع الصفحات بين الفصول ملفت للقارئ المتأمل، فالفصل الأول تمهيد لسبب نشر الرواية. الفصول الثلاثة اللاحقة تشكل صلب الرواية. في الأول تروي ماريا حكاية حالها مع زوجها خالد وحبيبها رمزي مرورًا بمعارف وأصحاب. في الثاني يروي خالد حكاية حاله مع زوجته ماريا وحبيبها رمزي وردّات فعله النفسية والعاطفية وتصرفاته إزاء علاقة الحبيبين ويعرض شريط ذكريات غرامياته. في الثالث يجد القارئ نفسه أمام رمزي المتأمل في ذاته، والمفكر في قضايا لطالما شغلت كبار الفلاسفة، والناظر إلى الحب نظرة صوفية، والناقد الجريء الصريح.
وفي الفصل الخامس يروي ايلي مارون خليل كيف وصلت الرواية من الراوي صديق الأديب الذي ارتأى أن ينشرها بعد أن قرّب أساليب الأبطال في حكاية حالهم ليصير أسلوب الرواية واحدًا "من دون التلاعب بالمضمون مع تبديل في الأسماء" ص 199. والفصل السادس هو التزام بنشر الرواية فبناءً على كل ما تقدم نشرت الرواية.
مختصر الرواية أن خالدًا متزوج من ماريّا، وله دار نشر يعمل فيها رمزي الأديب الشاعر المشرف على نشر الكتب التي تستحق النشر، ويأبى أن تصدر عن هذه الدار كتب ومجلات تهدف إلى الكسب المادي فقط، لذلك يضطر خالد إلى إصدارها من دور نشر أخرى تابعة له وملحقة بداره الأساسية.
ويتخلل كل هذا سرد لما يعتمل في نفسية كل من ماريا وخالد ورمزي حول علاقة حب قوية عميقة نشأت بين ماريا ورمزي، ويتنبه خالد لذلك فتساوره شكوك وريب حولها، فيلجأ إلى محاولات كثيرة لفضح العلاقة لكنه يفشل، فيلجأ أخيرًا إلى إخفاء مخطوطة رمزي "كَسْرَة حنان" لأنّ خالدًا ظنّها موجّهة من رمزي إلى ماريا، علّه بذلك يطفئ لهيب الحب بينهما. لكن عمله هذا لم يؤد إلى نتيجة إذ وجدت ماريا ميتة في حديقتها "وبين يديها "كسرة حنان" التي أعيدت إلى مكتب رمزي بطريقة سحرية" ص 197.
إن هذه الرواية تجسيد لحالة حب بريء قوي عميق صامد يقوم بين امرأة هي ماريا ورجل هو رمزي على الرغم من أن كلاً منهما متزوج وله عائلة، وملتزم بعائلته. إنها تجسيد لحب لا تزعزعه الشكوك والتصرفات الرعناء. إنه حب يتخطى الروابط العائلية، وروابط الزواج.
يرى إيلي مارون خليل في علاقة ماريا ورمزي حالة ربما تكون موجودة في بيوت كثيرة: رجل متزوج من امرأة لكنه يحب غيرها، وهذه حال خالد ورمزي. أو امرأة متزوجة من رجل لكنها تحب غيره، وهذه حال ماريا.
ويبيّن إيلي مارون خليل، كخبير نفساني، ما يعتلج في نفس خالد الغيور الشرقي الذي يسمح لنفسه بارتباطات عاطفية جسدية مع نساء كثيرات (حتى أنها قد تصل إلى خادمة منزله "هبة")، ولا يسمح لزوجته بأن تعبّر حتى عن شعورها الصادق الحقيقي نحو من تحب (لا نجد في الرواية أية إشارة إلى علاقة جسدية بين ماريا ورمزي).
وخلال هذه الرواية يعرض إيلي مارون خليل آراء له في كثير من القضايا منها: الفن والأدب ووسائل الإعلام ونشر الكتب والمساكنة المقبولة من بعض الناس، والمرفوضة من بعضهم الآخر، وسواها من الأمور التي تقض مضجع الأدباء المرهفي الشعور كإيلي مارون خليل.
كل هذا في أسلوب شيّق ممتع يمسكك من البداية إلى النهاية، ويجذبك للمتابعة في حال حاولت الإفلات منه. فهو آسر لك، كقارئ، لأنك تتابع لتتعرف إلى جوانب من شخصيتك الداخلية التي يبرع إيلي في الدخول إلى خفاياها وتعريتها، فلعلك الزوج الغيور اللعوب كخالد، أو المحب الشاعر الأديب الصادق المرهف الأحاسيس كرمزي، أو المرأة الزوجة/الحبيبة القادرة على مسك زمام عدة أمور في آن واحد، أو الخادمة "هبة" الملعونة التي تعرف أسرار البيوت وأصحابها، أو الأب أو الأم اللذين يعانيان مشكلة جديدة طرأت على مجتمعنا اللبناني الملتزم بقيمه الأخلاقية الموروثة، وهي مشكلة قبول أبناء الجيل الجديد بالمساكنة.
أما إذا فكرت ببنية الرواية فإنها متماسكة تبدأ بـ"وبناءً عليه، ما إن... حتى... وها هو!" ص 12 ايحاءً بعرض وصول أحداث الرواية في ملف، وتنتهي بـ"وبناءً عليه، ما إن..." ص 201 ايحاءً بتنفيذ النشر بعد القراءة والتعديل.
وقبل الختام، وبعد قراءة الرواية، والغوص في تفاصيلها، تعود إلى العنوان الذي يلتبس عليك في البداية عندما تستلم الرواية وقبل البدء بقراءتها لتسأل نفسك: ماذا يمكن أن يكون مضمون الرواية إذا كان عنوانها "مسافات ملتبسة" ؟
إذا صحّ التخمين تكون المسافات الملتبسة هي العلاقات البشرية المتداخلة بين الأفراد الذين يعيشون في مجتمع تربطهم فيه روابط متينة كروابط العمل والزواج والحب، فلا تستطيع أنت القارئ والمراقب لهذه العلاقات أن تفهم، وبالتالي يلتبس عليك الأمر، كيف يمكن أن تستمر العلاقة الزوجية بين زوجين كل منهما مرتبط بعلاقة حب مع حبيب غير الزوج؟ أو كيف يمكن أن تستمر علاقة عمل ناجح في مؤسسة مزدهرة في حين أن المتعاملين من رئيس ومرؤوس يقوم بينهما حذر حول العلاقة العاطفية التي تربط الموظف رمزي بزوجة رب العمل (ماريا زوجة خالد)؟
وخلاصة القول، وما قلناه قطرة في بحر الرواية، إن هذه الرواية، إن لم يكتب ايلي غيرها بعدها، أطال الله بعمره ووهبه صحة وعافية وافرتين ليكتب غيرها، في رأيي المتواضع، رائعته.