الثورة حياة في كتاب "الثورجي" لنمر فريحه
هذه قصة رجل ثوري خاب أمله. وهب حياته منذ صباه المبكر للثورة. لم يمتهن الثورة أو يتكسب بها، كما قد يوحي عنوان رواية "الثورجي". بل كانت الثورة كل حياته. هكذا رآه الفلاح الذي سماه ثورجيا. شاب يشتغل بتنظيم التجمعات والتظاهرات في حين ينشغل أقرانه بزرع الارض.
لم تدعه إلى الثورة أبواق الناصرية أو وقع أقدام ومجنزرات الانقلابين الذين سرقوا أوطانهم باسم تحريرها من الاستعمار في منتصف القرن الماضي. بل لاقى أسباب الثورة في قريته – وهو لما يجاوز التاسعة او العاشرة - في الفرق بين ملابس معلمي المدرسة الجديدة الأنيقة والأسمال الخلقة التي كان يرتديها أبوه وبقية أهله، في الفقر المدقع الذي يخيم على الفلاحين وعوزهم الدائم، عرفه من تاريخ الموت جوعا الذي كان يغزو أهله في القرى فلا يجدون من يحرك ساكنا ليحول بينهم وبينه. وجد جوابه عن الـ لماذا الكبيرة التي لازمته في جملة قرأها، وهو صبي، في كتاب لجبران: الحياة بدون تمرد كالفصول بدون ربيع. واصل قراءة جبران فوجد أن جوهر كلامه هو الدعوة إلى التمرد. كلام بصم حياته، فما عاد يرى سببا لعيشه غير التمرد على الظلم الذي كان يواجهه أينما ذهب، والزيف والفساد اللذان يلفان البلاد.
آمن بطل الرواية الثوري" جميل" بأن في الامكان تغيير كل ذلك. وهكذا فالرواية حكاية لسلسلة خطى من التمرد والثورة أكسبته إسمه. هي سجل لحياته التي لا تبدو أكثرمن حلقات متعاقبة من العمل الثوري أو الوقوف بوجه الظلم والفساد أينما وجده: في المدرسة التي يدرس فيها أو في سرقة المساعدات التي كانت ستوزع على الفلاحين، أو في الأوجه المتعدّدة لفساد النظام السياسي في البلد، أو حتى في تخاذل قيادات الحزب الثوري الذي انتظم فيه، ودخولهم لعبة السياسة التي تمثل له قمة الفساد والزيف في المجتمع. حيثما أدار وجهه وجد ظلماً وفساداً وزيفاً. حتى القائمون على أمر الوطن، وجد أنهم لم يكونوا يأبهون إلا لأنفسهم ومصالحهم. المؤسسات التي أسست لتقدم المساعدة للفقراء صممت لتسلبهم ما يمتلكون، والنظام السياسي الذي بني لمنفعة الناس لم يكن يعمل إلا لمصلحة حفنة من المنتفعين التقليديين الذين سيطروا على مؤسساته مثلما سيطروا على اقتصاد البلد ومقدراته وسلبوه أي مستقبل يبشر ولو ببصيص أمل.
رأى "جميل" أن التغلب على كل هذه المظاهر وبناء النظام الذي يحلم به ممكن عن طريق نشر الوعي بين المظلومين لكي يتمردوا على من جعلوهم عبيداً لهم. توصل إلى أن عدم وعيهم هو الذي مكن الظالم من الظلم. كان يقضي جانباً كبيراً من وقته في القراءة. قرأ لكل من كتب عن الظلم الاجتماعي، فلاسفة ومفكرين قدماء ومحدثين، وكتب مقالات عن الثورة والثوار. ووقف بهذا الشكل أو ذاك أمام كل مظاهر الظلم. لم يثنه إخفاقه حين لم يحصل بتمرده على ما يريد، لم يأبه. خرج من السجن وعاد إلى ديدنه القديم. تواصل تمرده وتواصل الاخفاق في تحقيق أهدافه. وصل به ذلك إلى خيبة أمل ويأس كبيرين فأوشك أن ينتحر. عاد إلى قريته معتزلاً الناس والحياة بعد أن أحس بالفشل واليأس من أن تصلح الأمور. وهل هذا غير انتحار بطيء ليائس.
ولأن الثورة كانت حياة هذا الصبي، فالشاب، فالرجل، فإنها هي التي ترسم وقع الرواية. ألأحداث الأخرى التي تمر به في حياته كسني دراسته الطويلة في العاصمة، أو صلته ببقية أفراد أسرته، أو علاقاته الانسانية، بل وحتى علاقاته بالمرأة، لا تشكل إلا جزءاً بسيطاً من الرواية. تمضي الرواية بها كلها على عجل، وكأن المؤلف يريد أن يقول لنا إنها لم تكن محط اهتمام "جميل" الأول. لم تفض أي من علاقتيه بالمرأة إلى دوام أو ثبات. في كلتا المرتين تركته المرأة التي أرادته في بداية الامر. لم تجد أي منهما فيه من يمكن أن تبني معه علاقة ذات معنى بين رجل وامرأة. التفاصيل تجدها حين تحكي لنا الرواية عن حراكه السياسي، نمو وعيه السياسي الاجتماعي في صباه وأول شبابه، اجتماعاته، نقاشاته، قراءاته، كتاباته، قتاله، وفي آخر الأمر اعتزاله. ولأن الرواية تحكي حياة رجل بمراحلها المختلفة فقد فضل المؤلف ان يجعل السرد فيها متوالياً متسلسلاً مرحلة بعد أخرى وأن لا يستخدم أساليب السرد الاخرى المتاحة من الانتقال بين الاحداث زمانا أو مكانا، أو العودة بالذاكرة أو بالأحداث إلى الوراء. فالقارئ لن يجد شيئا من هذا في رواية الثورجي. وربما جاء هذا لتعزيز إيقاع حكاية المحطات الثورية في حياة هذا الرجل.
لا بد من التعريج على لغة الرواية. فسردها جاء بعربية فصحى ولكنها قريبة سلسة لا تصنع فيها ولا تقعر. بل جاء بها أغلب الحوار بين أشخاصها. ربما لرغبة المؤلف أن لا يختص النقاش بلبنان دون غيره من بلاد العرب، وأن لا يقرأها غير اللبناني قراءة الغريب على ما يجري فيها من أحداث. لقد أحسست، وأنا العراقي، حين كنت أقرأ الرواية، وكأن المؤلف يتحدث عن العراق وكل من ثار فيه على الظلم والفساد وعاش خيبة الأمل نفسها، منذ عمرت بلاد الرافدين. فالهم واحد والوجع واحد، بل، والاخفاقات واحدة. غير أن هذا لا يعني أن الرواية خلت من اللبننة. فالقارئ يجد في ثناياها بعضاً من الحوار باللهجة اللبنانية الحلوة: حديث الفلاحين في القرية، وكلام أم جميل الغاضبة من زجر زوجها، وقطعة الزجل التي ارتجلها أحد الفلاحين. بل جاءت بها تعليقات صغيرة، وطريفة، هنا وهناك وجد المؤلف أن إيرادها باللهجة المحكية أكبر وقعاً في التعبير عما يريد من نظيراتها بالفصحى. كما في طلب "جميل" ورفاقه من البغي أن "تعمل لهم سعر"، أو أنهم "ما قبضوا"، أو الجملة التي "نقرت" في ذهنه، أو حتى عبارات مثل "يسلم هالتم" و"مبتزبط": عبارات تعطي الرواية نكهتها اللبنانية المميزة.
الدكتور نمر فريحة، مؤلف هذه الرواية، تربوي وروائي في آن واحد. وهي عمله الثاني. أحسب أنه قص لنا فيها بؤس جيل ممن شبوا متفائلين وانتهوا بخيبة أمل مثلما لاقى بطل روايته. ولكنه لم ينهها بيأس تموت معه الأماني، بل أبقى بصيصاً من الضوء في آخر النفق. فـ"جميل" في عزلته في القرية أعطى أوراقه لأخيه ليسلمها إلى أبنائه. المؤلف يريد بهذا أن يقول لنا "لا تيأسوا. نعم، قد يطول الطريق، ولكنه سيصل، إن لم يكن بكم ، فبأحفادكم إلى ما نشدتم".
من يدري ما سيكون عليه عمل الدكتور فريحة التالي الذي لا نريد أن يطيل علينا انتظاره؟ هل سيحمل لنا فسحة أوسع من الامل؟ لعله يكون كذلك.
الدكتور مرتضى جواد باقر
أستاذ اللسانيات في جامعة ظفار
*نقلاً عن جريدة النهار