"المحرّك الحضاري" هو الحل!!
لا نلمّ بالقضايا العسكرية، ولكنّنا نفهم أنّ القوة العسكرية هي استمرار وغطاء للقوة السياسية. هذا في المفاهيم البسيطة!!
ورغم أنّ العالم العربي يتزوّد بأسلحة بمليارات الدولارات، إلاّ أّننا لم نلمس أنّ السياسة الشرق أوسطية تأثرت قيد أنملة من هذه الأسلحة. أو أنّها نجحت بتغيير المواقف السياسية، بحيث يميل الميزإن السياسي لصالح المواقف السياسية العربية، والنموذج الأفضل للمقياس، هو الموضوع الفلسطيني، بكل ارتباطاته بما يجري في منطقة الشرق الأوسط. صحيح أن مفاتن هيفاء تشغل العقل العربي أكثر من التخلف العلمي والتكنولوجي للدول العربية، بالمقارنة مع اسرائيل مسألة توريت السلطة في الأنظمة العربية، أضحت الشاغل الأهم في السياسة العربية. وموضوع النقاب وخطره في فرنسا يجعل عشرات الملايين يتوترون وينتفضون ويعلنون الغضب على فرنسا، ونجد أكبر دولة عربية مصر، تنشغل بشبه حرب دينية، بالأسلمة والتنصير، وتختلف حول امرأة، إذا أسلمت أو تراجعت، وكإن نصر الله سيأتي من إسلامها أو ارتدادها، لدرجة أن الأزهر غرق في هذا النزاع المؤلم والمؤسف بدعوة بعض "علمائه" إلى فرض المقاطعة على محلات المسيحيين في مصر.
ولا بدّ من العودة لموضوع السلاح في الشرق الأوسط.
كما أراه من وجهة نظري السياسي، فأنا، والحمد لله... لم تلامس يدي معدن أي قطعة سلاح....
إن صفقة السلاح للسعودية، بقيمة 30 مليار دولار( ومعلومات جديدة تتحدث عن صفقة 60 مليار دولار) لم تقلق إسرائيل، ولكن صفقة صواريخ "ياخونت" الروسية المضادة للسفن إلى سوريا، شغلت السياسين الإسرائيليين والإعلام الإسرائيلي، وآخر البدع إن عضو الكنيست اليميني زئيف الكين يهدّد روسيا بتجديد تسليح جيورجيا إذا زودت سوريا بصواريخ ياخونت.
يا خوف عكا...
ليس من الصعب أن نصل إلى استنتاجات حول هذا التناقض.
من الواضح أنّ الفرق هو في سلاح يشكّل انقلاباً في قدرة التمادي العسكرية لإسرائيل. وسلاحاً يشكّل تهديداً، لا يطول إسرائيل شيئاً منه، بل يخدم مشروعها المعادي لتنامي القوة العسكرية للدولة الإيرانية.
ألاحتجاجات على تسليح الجيوش العربية تخلق وهماً في الشارع العربي، بأن التوازن الاستراتيجي مع إسرائيل بات وشيكاً.
ألحقيقة أكثر بعداً بملايين الأميال.
أفهم أن القلق الإسرائيلي ليس من تغيير أي توازن عسكري أو سياسي، صواريخ "ياخونت" لن تغيّر من السيادة العسكرية المطلقة لإسرائيل في الشرق الأوسط، وكل ما قد ينتج عن "الياخونت" والمضادات للطائرات، أو الصواريخ المتعدّدة الأسماء والاستعمالات، هو التسبّب بخسائر مؤلمة أكثر، ولكنها في حسابات الجنرالات تظل خسائراً هامشية وغير حاسمة في الحروب التي تملأ خططها جوارير الحرب الإسرائيلية وعقول الجنرالات.
لا أظن أن هناك إنساناً عاقلاً واحداً، بغض النظر عن دينه أو قوميته أو جنسه أو لونه، يرى بالحرب طريقاً للخلاص.
حتى اليوم ثبت أن كلّ حرب، قادت إلى حرب اسوأ، وكل انتصار قاد إلى مآسي مؤلمة أكثر، وكل هزيمة قادت إلى بناء قوة أعظم. وما شاهدناه في شرقنا يثبت أن الانتصارات لم تعد متاحة لأي قوة عسكرية، مهما ملكت من أسباب التفوق. سيكون هناك مهزومين فقط... والبعض مهزومين أكثر ليعيدوا بناء قوتهم بمقاييس ومفاهيم أعم وأشمل، وبتنا نعرف أن لا حدود للقوة، ألاّ الإبادة المتبادلة.
ألقلق الإسرائيلي من تزود سوريا بصواريخ، أو تزود ايرإن بصواريخ أخرى، يشير فقط إلى أمر واحد لا يمكن تجاهله. إن اسرائيل تريد تخفيض خسائرها في الحرب القادمة...!!
أي أن كل فرص الوصول إلى حل سلمي هي ثرثرة.
كما افتتحت مداخلتي، بأني لا ألم بالقضايا العسكرية، إلا بما تشكّله من تعزيز للمكانة السياسية وفي حالتنا، للوقاحة الاحتلالية والشوفينية القومية المنفلتة بدون عقل، وقد باتت تقلق أوساطاً عقلانية واسعة جدا، ومن كل الاتجاهات السياسية، في المجتمع اليهودي نفسه.
لست واهماً بقدرة صواريخ معينة على قلب التوازن الاستراتيجي. القوة ليست بقدرة أي صاروخ على إصابة هدفه .
من هنا رؤيتي إن الصراع في الشرق الأوسط، يجب أن يتجّه نحو ساحات أبعد ما تكون، شكلياً على الأقل، عن مفاهيم القدرات العسكرية المباشرة لأي جانب في الصراع الشرق الأوسطي الذي تعددت رؤوسه وساحاته.
ما سيحسم الصراع الشرق أوسطي في أوضاعه السائدة اليوم، لن يكون الجانب العربي. ولا أقول الجانب الإسرائيلي مطلقاً. ولكن الحسم لن يكون بعيداً عن تلبية العديد من المصالح الاستراتيجية لإسرائيل، حتى لو لم يبرز ذلك في الاتفاقات الرسمية، أو في التحركات السياسية.
ألمحرك الأساسي لصراع القوى في الشرق الأوسط، هو"المحرك الحضاري". لا أنفي أهمية تأثيره على بناء قوة الدول العسكرية. ولكن ليس شرطاً أن نرى بالمحرك الحضاري، الجانب العسكري فقط.
وأقول بوضوح إنّ التخلف العربي أمام إسرائيل، في العلوم والأبحاث والاختراعات هو "المحرك الحضاري" الذي يبقي العالم العربي بعيداً عن التوازن الحضاري مع اسرائيل، وبالتالي عاجزاً عن إنجاز تطلعاته السياسية، بدون ضرورة للاعتماد على قوته العسكرية كعامل وحيد.