المكارتية ترفع رأسها في إسرائيل
تشهد الجامعات في إسرائيل موجة من المكارتية (ضد مجموعة من المحاضرين المنددين بسياسات الاحتلال والقمع والتمييز العنصري. وقامت مجموعة تسمي نفسها "إم ترتسو" (اذا شئتم) بتوجيه رسالة الى رئيسة جامعة بن غوريون في النقب تطالبها بفصل "المحاضرين اليساريين" او تقوم الجمعية بإقناع المتبرعين بعدم التبرع للجامعة.
رئيسة الجامعة ردت على هذه الرسالة باعتقادها أن على الجامعة أن تتجاهل الرسالة وكاتبيها.
وكانت إسرائيل شهدت حملة ضد المحاضرين الذين انتقدوا تصرفات السلطة وعنصريتها، بل ودعى بعضهم جامعات الدول الأجنبية الى مقاطعة أكاديمية لإسرائيل كوسيلة ضغط واحتجاج أكاديمية – سياسية على تصرفات تعتبر تجاوزاً لحقوق الإنسان والقانون الدولي.
رئيس جامعة بن غوريون الأسبق شلومو غازيت، كتب مقالاً في هآرتس يهاجم فيه المواقف المكارتية المتنامية في إسرائيل، والمكارتية كما وردت في الويكبيديا تهدف معاقبة نشطاء يتخذون مواقف سياسية لا تتلائم مع رغبة السلطة أو متهمين بقلة الوطنية في دولة دمقراطية بالاعتماد على إشاعات وشهادات مشكوك بمصداقيتها وعلى أدلة غير كافية. وقد جاء تعبير "مكارتية" من أواسط القرن العشرين في الولايات المتحدة، حين قام السناتور مكارتي بحملات صليبية ضد قوى عقلانية أمريكية ومفكرين وكتاب وفنانين رأى بنشاطهم نشاطاً معادياً للدولة الأمريكية ويصب في خدمة الشيوعية، العدو الأكبر للولايات المتحدة وقتها، وقد سببت المكارتية مآسيَ كبيرة للكثير من الأبرياء الأمريكيين، وخلقت جواً شبيهاً بالثورة الثقافية الصينية التي حرقت ملايين الكتب واعتقلت الآلاف بحجج مضحكة واهية وطردت آلاف الموظفين والمربين من أعمالهم… والمكارتية تكاد تكون نسخة طبق الأصل للفكر الأصولي ولكن باتجاه "علماني" أكثر.
واليوم نشهد بداية مكارتية إسرائيلية لا تقل عنفاً وانغلاقاً عن أية ظاهرة متعصبة، ودائماً كان المثقفون والأكاديميون ورجال الفكر والصحافة والفن والأدب من الضحايا الأوائل. وهي أيضاً ظاهرة مدمرة للتفكير الحر، وللتعددية الفكرية، وحرية البحث الأكاديمي، والإبداع ، ومدمرة لجذور النظام الدمقراطي.
من المؤسف أن جهاز السلطة يكاد يكون شبه غائب عما يجري من تطاول مكارتي على الجامعات وعلى المحاضرين وذوي الضمائر والتفكير الحر. ولا أتحدث هنا عن الأقلية العربية التي تعاني الأمرّين من الظواهر المكارتية والعنصرية.
الهجوم على أصحاب الفكر الدمقراطي، والرافضين لنهج التمييز العنصري والاحتلال لشعب آخر ليس جديداً، ولكنه بدأ يأخذ منحى تنظيمياً مبرمجاً، وهذا خطره، وقد تعرض العديد من الأكاديميين خاصة الى تهجمات ومحاولات اعتداء وصلت حدّ وضع عبوات ناسفة لبعضهم، وفقط بالصدفة لم تقع ضحايا حتى اليوم.
ومن الذين تعرضوا لهذه الحملات استاذ التاريخ في جامعة حيفا، د. ايلان بابه (صاحب كتاب التطهير العرقي في فلسطين) ففضل مغادرة البلاد والبقاء في لندن.
من المسؤول عن إيقاف هذه الموجة المجنونة من المكارتية اليمينية المتطرفة؟.
اليوم تطول أيديهم الجامعات والمحاضرين، ويتهموا باليسارية، والخيانة الوطنية ومعاداة الصهيونية، وغداً ستطول المكارتية أحزاب اليسار والوسط، وستكون الأقلية العربية، على رأس ضحايا المكارتية اذا لم يقطع رأسها وهي في المهد.
اليوم توجد مجموعة واحدة منظمة، ولكن الفكر المكارتي يتمتع بتربة خصبة في المجتمع الإسرائيلي.
العقلية المكارتية تغلغلت داخل السلطة أيضاً، وزراء بعقلية مكارتية يحاولون فرض قوانين عنصرية، اليوم معادية للعرب، وغداً معادية لكل يهودي يرفض سياسة الحرب والاحتلال واستمرار اغتصاب حقوق الآخرين.
الدفاع عن حرية الجامعات واستقلالها، هو خط دفاع مصيري، والجماهير العربية في إسرائيل ستكون أكثر المتضررين من اتساع المكارتية.