ثقافتنا على مفترق طرق

شاكر فريد حسن قرأها 1,069

ثقافتنا على مفترق طرق 

الواقع العربي مليء بالظواهر السلبية في مضمار الحياة الأدبية والثقافية، وهنالك أوساخ فكرية وفيروسات وأمراض خبيثة تفتك بالجسد الثقافي العربي، وفي صلب هذه الأوساخ والقاذورات النزعة والثقافة الاستهلاكية، ومما يقذف الى الأسواق وأكشاك بيع الصحف والكتب من مطبوعات وإصدارات تزخر بالأفكار السلفية الظلامية والشعوذات والخرافات والأساطير، التي لا يقبلها العقل الواعي، ونتاجات تتميز بالركاكة والسطحية والهشاشة واللاصدق والتملق.

اننا في العقدين الأخيرين نلحظ تراجع الثقافة الإبداعية الحقيقية وانتشار الفن الساقط الهابط، وازدهار الثقافة النفطية الطفيلية، "ثقافة الكابريهات" و"الواوا" و"الصدور العارية" التي غدت ماركة مسجلة في أيامنا هذه. ناهيك عن غياب المثقف الخلاصي العضوي المقاتل من أجل الحلم، والنزق الجميل، في الثقافة العربية المعاصرة، نتيجة التهميش الاجتماعي والانكسار السياسي والإحباط النفسي والتكفير الأصولي الظلامي. والسؤال: لماذا تراجعت وانحسرت الثقافة الحقيقية الأصيلة المعبرة عن نبض الجماهير وهمومها وقضاياها، الثقافة التي تحمل في ثناياها وطياتها كل العناصر الإبداعية الروحية والجمالية الرائعة؟!.

باعتقادي، ان السبب الحقيقي وراء هذا التراجع والنكوص هو المناخ الفكري المسيطر السائد في العالم الآن، مناخ العولمة، التي تغلغلت الى وعي الناس، وولوج الثقافة الاستهلاكية الى صميم المجتمعات العربية. زد على ذلك قهر الأنظمة الدكتاتورية المتسلطة، والمؤامرة المتواصلة لتفريغ الثقافة من محتواها الديمقراطي وروحها الإنسانية والوطنية والثورية المعارضة والسابحة ضد التيار، وكذلك تلاشي الحلم الثوري الإنساني بعيد انهيار المنظومة الاشتراكية العالمية، وفقدان الكلمة شرفها وقدسيتها وأصالتها في هذا العصر المتعهر، وفي زمن الانكسار والمصالحة، الذي أصبح فيه الأدب جثة هامدة بلا روح، علاوة على غياب الكتابة الناقدة الجادة والمسؤولة، وسقوط عدد كبير من المثقفين العرب وأهل الفكر والأدب في براثن "التدجين" وفخ "شراء الذمم" واستقبالهم ضيوف شرف معززين ومكرمين في بلاط الملوك والسلاطين والأمراء والحكام العرب.

فقد بتنا نتوق للماضي الجميل، وفي حنين جارف لمرحلة الستينات من القرن الفائت، التي كانت بمثابة فردوس ثقافي وفني وفكري وسياسي ينبغي الحلم بالرجوع والإياب اليه.

وحقاً اننا في عصر الرداءة والرمادة، الذي يمتلئ بالغبار الفكري الملوث وبالقهر النفسي الخانق، وثقافتنا العربية على مفترق طرق، ولذلك هناك حاجة ماسة لثقافة جديدة بديلة ومغايرة للثقافة السائدة، وضرورة ترسيخ قيم ثقافية عميقة لمواجهة ثقافة الهزيمة الاسستسلام، وثقافة الاستهلاك والكابريهات السطحية والمبتذلة، التي تربي على البلادة الفكرية وتشوه الحس الجمالي للناس.

shaker.fh@hotmail.com