حتى يظل السلاح طاهراً...!!

نبيل عودة قرأها 1,316

حتى يظل السلاح طاهراً...!! 

تشكل شهادة رئيس أركان الجيش الإسرائيلي جابي اشكنازي أمام لجنة تركيل، التي تحقق في الهجوم الإسرائيلي على قافلة سفن الحرية إشارة بالغة الخطورة لأسلوب التفكير العسكري الإسرائيلي في التعامل مع المدنيين. وهي تؤكد من مصدر إسرائيلي مسؤول وغير قابل للتأويل او للتفسيرات المتشاطرة، التي تحاول تفسير التجاوزات القانونية الدولية بتعابير خاوية عن طهارة السلاح والقيم الإنسانية.. الخ!!.

شهادة الجنرال اشكنازي تفسر المنهج العسكري الإسرائيلي في التعامل مع السكان في المناطق التي تتعرض لهجمات الجيش الإسرائيلي، هذا ما جرى في لبنان، وأخيرا في غزة، ولن أعود للتاريخ الأقدم، فمدرسة بحر البقر ماثلة في ذهننا وقانا اللبنانية لا يمكن ان تنسى.

عملياً، ومما ذهب اليه تقرير القاضي غولدستون حول جرائم حرب ضد المدنيين، جاءت أقوال قائد الأركان أمام لجنة تركيل، لتنقض كل النهج الإعلامي الإسرائيلي الذي حاول نفي الحقائق التي طرحها تقرير غولدستون، وغيره من تقارير هيئات حقوق الإنسان الإسرائيلية والدولية، رغم ان الجيش اضطر الى الاعتراف بتجاوزين من عشرات التجاوزات التي بات من الصعب تجاهلها بسبب تراكم الشهادات الدولية والإسرائيلية حولها.

ماذا قال اشكنازي؟

قال اشكنازي ان درسه المركزي من الجزء العملياتي (العسكري) لقضية الاسطول هو انه اذا تعين على الجيش الإسرائيلي ان يتصدى لسيناريو مشابه في المستقبل – لن يكون مفر من استخدام القناصة لمنع، على حد قوله، مسّ بالجنود.

هذا تصريح واضح وبالغ الخطورة، بأن المدنيين لا يشكلون في التفكير العسكري الإسرائيلي الا أهدافا عسكرية. حتى لو كانوا مجردين من السلاح كما كان الحال بقافلة السفن التركية. هذا ليس تفكير قائد ما لأركان، بل تفكير منهج عسكري متجذر التفكير والممارسات خلال كل حروب إسرائيل، اي لم تكن غزة الا نموذجاً، افتضح الأمر هنا لأسباب مختلفة، أهمها قدرة وسائل الأعلام على نقل صورة الواقع بالوقت الصحيح، وتعمق الوعي الإنساني والحساسية الإنسانية لموضوع حقوق الإنسان.

ويبدو أيضا ان عصر العولمة الذي اختصر المسافات بين القارات والشعوب، ساهم بدوره في الانتباه لما يجري وراء الباب الإسرائيلي، الذي كان يتمتع بحصانة تمنع الدخول عبره وكشف الحقائق المذهلة التي لم يصدقها احد في السابق، او تجاهلوا تصديقها. واليوم مع تحول الإعلام الى سلطة رهيبة في عالمنا لم يعد من الممكن اللتظاهر باننا لم نسمع ولم ونر. وهذا حول التجاوزات الخطيرة الى مسألة لا يمكن إخفاؤها بحجج السلاح الطاهر.

 التفسير الوحيد لكلام اشكنازي ان الجيش لن يتردد في التعرض للمدنيين بنيران قناصة او نيران اخرى.

صحيفة رصينة مثل "هآرتس" انتبهت لأقوال قائد الأركان وعقبت بقولها: "هذه بالضبط كانت ايضا عقيدة "رصاص مصبوب": حد أدنى من الخسائر للجيش الإسرائيلي، تقريباً بكل ثمن، بل وأحياناً في ظل المسّ بالمدنيين وتجاهل قوانين الحرب. لقاء ذلك دفعت إسرائيل ولا تزال تدفع ثمناً دولياً باهظاً، والآن يتبين ان رئيس الأركان يهدّد بمواصلة ذات العقيدة".

وأضافت هآرتس: "لا يدور الحديث فقط عن صورة إسرائيل، يدور الحديث ايضا عن صورتها الأخلاقية وصورة جيشها: استخدام القناصة ضد المدنيين يجب ان يكون محدوداً فقط بأوضاع متطرفة يكون الجنود فيها عرضة لخطرٍ ما على الحياة. السيطرة على سفينة، مسافروها غير مسلحين بالسلاح الناري، يمكن ويجب أن يتم على نحو مغاير".

بالنسبة لبعض الإسرائيليين حُصر الموضوع بشكل التعامل مع سفن تأتي لكسر الحصار على غزة مستقبلاً. ايضا هنا توجد إشكالية أخلاقية، واستعداد رسمي للتصرف بما يتعارض والقوانين الدولية. وماذا مع تصرفات الجيش مع الشعب الفلسطيني المحاصر ليس في غزة فقط بل في كل أنحاء الضفة الغربية عبر مئات الحواجز وإغلاق الطرق ومصادرة الأرض وحرق الحقول والتعامل المذِلّ والقمعي؟؟.

الأمر المميز هنا انه لا يمكن إيجاد اعتراف أكثر وضوحاً حول العقيدة العسكرية التي توجه حروبات إسرائيل، أكثر من شهادة اشكنازي.

السؤال الكبير هو في التعامل الحربي مع مواطنين عزل كما كان الحال في عملية "الرصاص المصبوب" في غزة. كل يوم نسمع عن توتر جديد. عملية جديدة ضد حماس في غزة متوقعة، أمس سمعنا ان تدخل دول مختلفة من العالم لمنع ضربة عسكرية ضد لبنان. نسمع عن استعدادات لضرب حزب الله في نهاية الصيف، وتهديد لضرب سوريا، نسمع جاهزية كاملة لضرب ايران.. دولة لا تفكر الا في الحرب. وفي حربها لا قيمة للمدنيين.. وكل الحديث عن حسابات لتقليل الإصابات بين المدنيين، هو إدانة بأن المدنيين لا يشكلون مانعاً عسكرياً. افهم ان دولة ترد على تهديد مباشر على أمنها، اما ان تمنع غيرها من بناء قوته الموازية لها او القادرة على تشكيل عائق عسكري لا يجوز الاستهتار به، فهذا لا يعطيها الحق بأن تحرك الجيوش للتدمير والقتل.

المطلوب تغيير السياسة التي لا تفكر الا بالتفوق العسكري والحروب القادمة..

عندها لن نكون بحاجة الى لجان تحقيق، والى ارتكاب جرائم حرب ضد المدنيين.

المطلوب الاعتراف بحق المساواة والتحرر لكل شعوب المنطقة وعلى رأسهم الشعب الفلسطيني.

عندها سيظل السلاح طاهراً في المخازن!!.

نبيل عودة – nabiloudeh@gmail.com

www.almsaa.net