مهرجان "قوة الموسيقى" يجمع ثقافات الموسيقى المتوسطية

إيطاليا-خاص قرأها 750

ريسيتالات ومحترفات ومحاضرات تغزوها "قوة" الزجل اللبناني

ڤيلادجيو- مانكوزو

إيطاليا


   الطريق من مطار لاميتْسيا إلى"ضيعة مانكوزو" (من مقاطعة كاتانزارو عاصمة كالابريا في أقصى جنوب إيطاليا) تخطّطها مئاتُ المنعطفات اللولبيّة التي تجعل التصعيد إليها (من مستوى سطح البحر إلى 1400 متر) أقرب إلى الدوار الدرويشي منها، إلى الارتقاء حتى قمـةالجبل.
   هذه الضيعة تحمل اسم المهندس أوجينيو مانكوزو الذي اختارها في منتصف ثلاثينات القرن الماضي وراح يبني فيها بيوتاً خشبية جميلة توسَّعت حتى غدت اليوم بلدة نموذجية. حين دُعي پاولو سكارنيكيا (أستاذ تاريخ الموسيقى في كونسرڤاتوار مونوپولي، جنوب إيطاليا، وفي جامعة ناپولي) إلى زيارة "ضيعة مانكوزو"، اختارَها فوراً لتأسيس احتفالية "قوّة الموسيقى" (منذ 2002) لِما فيها من هدوءٍ وسُكونٍ وجمال طبيعةٍ نادر، بعيداً عن تلوُّث البيئة وضجيج المدينة. وشاء هدفاً لهذه الاحتفالية: لقاء ثقافات الموسيقى المتوسطية. واختار مكاناً لها الحديقة الوطنية العامة لمنطقة جبال سيلا، وبنى فيها مسرحاً يتّسع لنحو 800 متفرج. ومنذ 2002 بدأت الاحتفالات في نهاية تموز من كل صيف، هادفة إلى نشر الموسيقى المتوسطية، وأهمية التلاقي، تركيزاً على فن الإصغاء واكتشاف أسرار الثقافة الموسيقية واختبار ثقافة الآخر. في هذا المكان الهادئ، يعتكف المتفرجون، وينعكفون على الإصغاء وتبادل الأعمال الموسيقية التقليدية المتوسطية في معناها الواسع، عبر كونشرتوات وريسيتالات مسائية، وجلسات نهارية وطاولات مستديرة ومحترفات ومحاضرات، تركيزاً على التراث لا الأعلام، وعلى مواضيع المحاضرات لا على الحاضرين الذين قد لا يكونون من المعروفين لكنهم ذوو اختصاص في حقل تراثهم.  

بين ما شهد المكان حتى العام الماضي: أعمال غنائية وفولكلورية وموسيقية من تركيا والبرتغال (التي واجهتها على الأطلسي لكن روحها متوسطية) واليونان ومصر وإسبانيا وسلوڤانيا وألبانيا وتونس والعرق، وصقلية وسردينيا وسواها.

 الاحتفالية (2002) ركّزت على غناء المرأة المتوسطية، لأنها ناقلة اللغة الأُم والذاكرة والتقاليد والعادات والتراث، ثم تتالت الاحتفالات السنوية، منها حول الغناء غير الطقسي للديانات السماوية الثلاث، ومنها حول الشعر الشعبي، ومنها حول المياه التي يعارض الإيطاليون خصخصتها ويحرصون على إبقائها قطاعاً عاماً، وكان موضوع العام الماضي (2009) حول "الجديد الإبداعيّ" حين جيء بفنانين من الصُّمّ أخذوا يؤدون أعمالهم فيما عمد مترجمون مختصون، في لغة الصُّم، إلى نقل مضمون الأعمال بالحركات المعروفة، كما تمكن الصُّم من متابعة البرنامج العادي عن طريق المترجمين أنفسهم. وهكذا تجاور الصُّمُّ والأصحّاء أربعة أيام الاحتفالية كأنما الإعاقة لم تعُد إعاقة، بل امّحت الحدود بين الأصم والسليم، وبات التواصل أبعد من حدود اللغة التي يعتبر الكثيرون نطقها من تحصيل الحاصل.
هذه السنة تبنّى مهرجان "قوة الموسيقى" قرار الاتحاد الأوروبي بجعل 2010 سنة محاربة الفقر والحرمان الاجتماعي، عن طريق تلاقي ثقافات المتوسط الموسيقية.
امتد المهرجان ثلاثة أيام  بافتتاح حول الإشارات الأساسية للوقوف ضد تنامي التلوُّث البيئي والعمل على تنامي رفاه السكان بالسعي إلى التخفيف من فحش المجتمع الاستهلاكي، وانتهى نهار الافتتاح بمواكب موسيقية وغنائية عامة في شوارع البلدة، وفي اليوم الثاني محاضرة صباحية عن الاقتصاد الأخضر دفاعاً عن البيئة، وأمسية مسائية مع الزجل اللبناني والشاعرين أنطوان سعادة والياس خليل في سياق نشر ثقافة الشعر المحكي والمرتجل، ومداخلة عن الموسيقى ودورها في الشعر (مع ترجمة فورية إلى الإيطالية)، والختام نهار الأحد بمحاضرة عن العلاج بالموسيقى للشباب وأبناء العمر الثالث، بمشاركة عدد من العميان الذين سيُصغون إلى فن الحكواتي في السرد، تركيزاً على قدرة الكلمة واختراقها البصر المفقود بحسب قدرة الراوي الحكواتي على براعة السرد.