نبذة من سيرة وابداع الشاعر الفلسطيني الراحل سميح صباغ (18 عاماً على رحيله)
ولد الشاعر سميح صباغ، لعائلة مستورة الحال، في 1947 – 06 – 19 في قرية البقيعة التي تقع في الجليل الأعلى من بلادنا فلسطين، ذو الطبيعة الساحرة.
يقول الشاعر حسين مهنا، أقرب أصدقاء سميح: "كان لقرية البقيعة الجليلية، وطنه الصغير هذا... نصيب وافر من العشق الصوفي الذي ألهمه بواكير قصائده متغنياً بعيون مائها وخضرة هضابها وعبق عبيرها... مؤمناً ايماناً مطلقاً بأن من اتسع قلبه لقريته اتسع لهذا العالم..".
على مقاعد الدراسة الثانوية تفتحت شهية سميح للأدب العربي وللشعر العربي، وقرر ان يكون معلماً للغة العربية التي أضحت معشوقته الأبدية، فالتحق بعد الثانوية بدار المعلمين العرب في حيفا. وكان سلك التعليم يعني أيضا في تلك الظروف التي سادت الواقع العربي في إسرائيل، انقاذ عائلته من العوز، وضمان اللقمة الشريفة والمستقبل الأفضل. والأهم انه كان يرى انه سوف يصبح معلماً مخلصاً لأطفال شعبه ووطنه...
في دار المعلمين، الى جانب دراسته التي تؤهله للتعليم، انكشفت امام سميح عوالم ثقافية جديدة، فغرق بقراءات واسعة شملت جبران ونعيمة وأبي شبكة والشابي والسياب ونيرودا وسلامة موسى وبريخت وناظم حكمت ولينين... فبرزت مواهب سميح الشعرية والفكرية، بسرعة مذهلة لا تجدها عند كبار الشعراء.
يا وطني يا حبي الآسر يا أغنيتيالاولى
أنا كبرت
فخلِّني أحمل عنك بعض ما حملت
ولكن سميح الذي ولد ليكون معلماً لم يكن مقبولاً على جهاز التربية والتعليم في دولة إسرائيل: "لأن قلبه محب للعدل، كاره للظلم ولسانه لا يتغنى الا بالحق الصراح"، كما يقول صديقة الشاعر حسين مهنا..
عمل سميح بالبناء مكرها، وبالدهان وبأعمال حرة.. وكان ينشر قصائده بأسماء مستعارة أشهرها اسم "شادي الريف". ولفت الأنظار الى جمالية قصائده ورقتها وحسن قوامها..
انتسب الى الحزب الشيوعي، الذي كان في تلك الفترة بيتاً حقيقياً لأبرز المثقفين والأدباء العرب في إسرائيل، وعمل في صحيفة الحزب "الاتحاد" وقست عليه الحياة أكثر حين أصيب بمرض في كبده. ارسله الحزب للعلاج في ألمانيا الدمقراطية، حيث أجريت له عملية جراحية خطيرة، عاد بعدها أوسع أملاً وأكثر تفاؤلاً.
تزوج عام 1974 من فتاة أحلامه التي كتب لها أجمل قصائده: "سلمى جبران" (أم شادي) تزوجته رغم علمها بخطورة مرض سميح. وكان جني هذا الزواج ثلاث ثمرات طيبات: شادي وفداء وحازم.
تظلين في البال
زنبقة المرج،تفاحة الوعر
رمانة في الجليل
تظلين في كرم دوال،
على سطح حيدر
ونرجسة في الحقول
عاد، بعد علاجه في المانيا، الى عمله في صحيفة "الاتحاد" ثم في تحرير مجلة "الجديد" الثقافية... ولكن المرض لم يمهله طويلاً.. وتوفي في 1992 – 07 – 10.
صدر للشاعر:
· ديوان داخل الحصار (1971)
· وطني حملني جراحه (1974)
· دمي يطاردكم (1977)
· عهود مودة صدر بعد وفاته (1993)
· الأعمال الشعرية الكاملة (1993)
شاعر منسي؟!
في هذه الأيام، حلت الذكرى السنوية ال (18) لوفاة الشاعر سميح صباغ الذي رحل قبل أوانه، مخلفاً وراءه تراثاً شعرياً أصيلاً في مضمونه، ورائعاً في أصالته الفنية، وساحراًُ في صياغاته ورؤيته الشعرية، وبليغاً في لغته وحلمه الإنساني.
سميح صباغ لم يلفت أنظار نقاد أدبنا المحلي، فهو من "قبيلة قليلة عددها"، ولا يمتُّ بصلة القرابة أو الصداقة أو الجيرة أو المصالح السياسية – الأدبية لأي من نقادنا في زمن حياته القصيرة والثرية بالابداع الشعري.
وما عدا مراجعة أو اثنتين، نُسي سميح، واندثرت ذكراه إلا من قلوب القليل القليل من محبيه شاعراً وإنساناً، وأخص بالذكر الشاعر المبدع حسين مهنا، ابن قرية الشعراء البقيعة، قرية سميح أيضا... الذي نشر مقالة رائعة في ذكرى وفاة شاعر البقيعة وشاعر الوطن، وشاعر الهمّ الإنساني، "شادي الريف" سميح صباغ.
مقالة حسين مهنا لفتت انتباهي الى قصور ثقافتنا وغيابها، وحالة "اللهو الثقافي" التي أصبحت الصوت والصورة في واقع ثقافي لا نحسد عليه.
كنت قد كتبت مراجعة ثقافية عن ديوان سميح صباغ الكامل الذي صدر بعد وفاته، نشرته وقتها بصحيفة "العين" النصراوية، وفي كتابي "الانطلاقة" الصادر عام 2002 عن دائرة الثقافة العربية في الناصرة، وأجزم أن ديوان سميح لم يلق أي التفاتة ثقافية أخرى.
بأسى شديد أقول ان تجاهل الشاعر سميح صباغ، هو معيار سلبي يعكس حالتنا الثقافية، حالة تردي المقاييس الثقافية، وغياب الذائقة الأدبية. أرى اليوم ثرثرة كثيرة، وتمجيد مخجل لمن لا يعرف من الشعر الا شكله، ولمن يفتقد للقدرة على جعل الشعر زاداً ثقافياً، ورؤية جمالية إبداعية آسرة للقلوب..
..
كلما مرت على الدرب صبية،
في قميص أزرق
ذكرتني.. آه – ثوب المدرسة..
يوم كنا نلتقي
ذكرتني.. قعدة الظهر بظل الشجر..
وانتظاري.. ومشاويري.. اليك.
سميح صباغ مات قبل أوانه.. حقاً لم يكتب في سنواته الأخيرة الشعر.. ربما حالته الصحية الصعبة انتصرت على الشاعر وأصمتته. وهو الذي عاش حياته متحدياً رافضاً الذل، فكان منذ بداياته على وعي سياسي ووطني أصيل، كانت فترة نشوئه هي فترة سيطرة الحكم العسكري على جهاز التعليم، وعلى كل تفاصيل حياتنا.
أبــى الفقــر الا ان يجــرعني كأسي
مـــرارة ذلٍّ من مراشفهـــا الكــدر
وما كان فقـري عن خلاعــة عابـــث
ولكن جــور الدهــر يسلبنييســري
وضـويقت حتى في شعـوري ولم أخـن
وأمضيت أيامي على لهب الجمـــــر
ويقول في نهايتها:
وماانـا بالنّـذل المقـود بعيشـــه
وان لجموا شعري أو اضطهدوا فكـري
غـداً أخلـع الحجبالمقيتـة والخنـا
وأحمـل قرآنـي أطـوف في الجهـر
ففي غد عمري الغض ثـورة أمـــة
يقودلهـا شعـري، وينبئهـا فجـري!
كان حلم سميح ان يكون معلماً للغة العربية، وان يزرع حب اللغة واستعمالها الصحيح في نفوس طلابه.. لذا لم يكن بامكانه المجاهرة باسمه، فاختار لنفسه اسم "شادي الريف".. وما أجمل ما شدى.. ولكن الحكم العسكري بأزلامه القذرين، عرفوا من هو طالب دار المعلمين العرب المتخفي وراء اسم "شادي الريف".. وكانت الصفعة الاولى رفض قبوله في سلك التعليم...
أحس اني أخون
قضية الإنسان، فيبلادي
أحس انني أملك أن أكون
مطرقة في قبضة الحداد
ومنجلاً في قبضة الحصاد
الضربه الثانية أصابته بمرض صعب في كبده، عانى من مرضه طويلاً، وقد يكون مرضه المؤلم والصعب، والعلاجات الطويلة التي أخضع لها، السبب وراء توقفه في السنوات الخيرة عن كتابة الشعر..
ومع ذلك لا يقاس الشعر بالكم، ولا يقاس الأدب بوزن الورق، ولا يقيم الأديب "بعدد أفراد قبيلته".
ألف غريب.. يتنزة في وطني
في كل صباح،ومساء
يشرب كاسات البيرا
في القدس وغزة
في عكا، في نهاريا
حيث يشاء
يروق لي أن أعطي نموذجا شعريا كاملا لشاعرنا الراحل عنا والباقي في روح ثقافتنا، قصيدة نشرها في (1967 – 07 – 06) ووقعها باسم "شادي الريف" ومنشورة في ديوانه الكامل (ص 84 – 85)، اذ كان ما يزال يحلم بحمل رسالة التعليم، الرسالة التي حرم منها.. وحرمت شعبنا من عاشق للغة العربية، يعرف أسرارها ويعرف كيف يغرز حبها في نفوس الطلاب.. أقرأوا معي هذه القصيدة الرائعة:
اني بغير كرامتي لن أشبعا
نغــمٌ يضـجُّ بجانبــيّ ملوّعـــا
يحكـي شكاياتـي فيقطــر أدمعــا
أرنـو الى المـاضي الكئيـب مفجـّعا
فيكـاد قلبـي انيشــقّ الأضلعــا
وتهــزّنـي أصــداؤه فيــذيبنـي
نغماً على لهب الحـروف موقـّعــا
سنتـان منعمري وليس بهيـّــن
عهد الشباب يمرّ أقـتم مـوجعـــا
حبسـوا القصيـد ولم يـزل في مهده
رياّن يدفــق بالمشــاعر طيّـعــا
*****
يـا لقمـة حبست نشيــدي حقبــة
أيظـــلُّلحنـي خلفهـــا متقنّعا؟!
قـدرٌ يعـذّبنـي ويدمي خــاطري..
فينــزُّ من دميَ النشيــدُ ملوّعــا
دربـان في قلبي الجريـح تصارعـا
فوقعت بينهما أخـاف المصرعــا..!
قيد الطغــاةبأضلعــي متربــعٌ
ونـداء حرفـي لم يـزل متوجّـعـا
يــالقمـة وقـع الفـؤاد بقيــدها
انـيبغيـر كرامتي لن أشـبـعــا
سأخـطُّ دربــاً لي، جديـداً نيّـراً
فـي موكـب العمـال زاهٍمطلعــا
ولسوف أحكي للطغـاة مصيـرهــم
بقصـائدي والشعب يصنع مصـرعا
لو لم يكتب سميح صباغ الا هذه القصيدة، لاستحق أن نسميه شاعراً كبيراً. ولكنه كتب عشرات القصائد التي لا تقل شاعرية وجمالاً عنها.
أقول بدون وجل أو تردد، اني أفتقد اليوم في شعرنا المحلي، الى قصائد بمثل هذا المستوى الشعري. أفتقد اليوم هذه المصداقية الأدبية والإنسانية التي خرجت هذه القصيدة من رحمها، أفتقد للموقف الإنساني المستقيم الذي لم يتردّد في دفع أغلى ثمن يملكه الإنسان، ثمن لقمة العيش في سبيل المصداقية الشخصية والأدبية.
ان تجاهل هذا الشاعر الأصيل الرائع والمبدع والجريء سياسياً وثقافياً، في فترة سوداء وبالغة الصعوبة من تاريخنا السياسي والثقافي.. هو أمر مخجل لنا ثقافياً، ومخجل أكثر حين نقرأ عن مهرجانات التبجيل والتتويج لشعراء بلا لغة وبلا ثقافة وبلا أبسط رؤية أدبية وفكرية، ولندوات شعرية بلا شعر، ولنصوص بلا معنى.
لن تهربوا من غضبي ومنجحيم نقمتي
دمي على أبوابكم
يسمُّ نومكم ويحكي قصة الرحيل
والشقاءوالتشرد
لا تهربوا من نار أحزاني وشوك كلمتي
سكّينكم لمّا تزل غائصة فيجسدي
وكفّكم لمّا يزل ستارة شائكة
فوق عيوني وفمي
لن تهربوا
ماشٍ اناإليكم أتبعكم
مجامر جسمي وأنهار أغان ودم...
حقا لدينا شعراء مبدعين.. ولكنهم يعدون على أصابع اليد الواحدة.. وتبقى أصابع أخرى بلا استعمال... رغم ان ما ينشر عندنا يكاد يضاهي بكميته ما ينشر في العالم العربي.
18 عاماً مرت.. وما زال التوهج الشعري في قصائد سميح صباغ متقداً، وأختصر كل الكلام في هذا الموقف المؤلم لأقرباء وأحباء شادي الريف – سميح صباغ، وللغيورين على ثقافتنا، وأقول: انت حي بشعرك أيها الشاعر!!
نبيل عودة –nabiloudeh@gmail.com