"يوم أقلعت عن التدخين" - تعقيباً على مقال "عماد ندّاف"
ذكَّرني مقالُ عماد ندّاف "يوم أقلعت عن التدخين" بنفسي عندما كنت أدّخن، وبكَم كنت أنانياً لا أكترث لاحتجاجات زوجتي التي تمقت التدخين، ثم استسلامها، كوني شخصاً ميؤوساً منه. عندما يمرّ الآن مدخّن قربي أقول لنفسي بشيء من الحسرة "لا شك أن رائحتي كانت مقرفة كرائحة هذا الذي مرّ من أمامي توا!" كم كانت صبورة زوجتي كي تتحملني طيلة كل تلك السنوات!. ومكمن الحسرة هو أني لم أترك التدخين قبل التاريخ الذي تركته فيه. قال لي الطبيب مرة وبعد سنوات طويلة من رجوع العقل إلى صباه "إن الضرر الذي وقع على رئتيك لا يمكن إصلاحه". وهذا سبب آخر لحسرتي.
تركت التدخين لمدة ستة أشهر ثم عدت إليه "كالعصفور بين يديه". وبعد سنوات تركته مرة أخرى ولكن الترك هذه المرة امتد لخمس سنوات ونصف! تصوروا، خمسٌ ونصف!! كنت في سفرة عمل مع أحد الزملاء، و كان مدخّناً. يقال إن تأثير النيكوتين يبقى في الدم لمدة سبع سنوات قبل أن يزول، أي أني لم أكن قد اجتزت مرحلة النقاهة بعد. وهنا كان النيكوتين هو الشيطان الذي يوسوس في صدور الناس، وخاصة الصدور التي أضعفتها السجائر. فأخذت واحدة منها محدثاً نفسي "ما ضرَّ لو جعلت كاسي سجائرها (ليس مراشفها كما تقول أم كلثوم)؟ إنها سيجارة واحدة! ومالو؟". ولكن هي هذه! هي الواحدة اللعينة التي تحطم الإرادة وتلفّك مرة أخرى بسلاسل عبوديتها. كنت أحس بلذة عارمة وأنا أمصّ السيجارة مصّاً كطفل على شفا الموت جوعاً وهو يرضع من أمه. وبعد دقائق استلّيت واحدة أخرى من علبة زميلي حتى بدون استئذان. وفي اليوم التالي كانت علبة السجائر في جيبي. ومن يومها صرت أدخّن ثلاث علبٍ يومياً وبشراهة منقطعة النظير. ولكن مع كل مصّة دخان كان تأنيب الضمير يهوي بمطرقته على عقلي ووجداني وباللعنة على الساعة التي ضعفتُ فيها أمام هذا السم.
ويستمر الصراع بين عقلي وإرادتي سبع سنوات أخرى لكي أقطَع سلاسل العبودية تلك للمرة الأخيرة وإلى الأبد. كانت ذكرى زواجنا العشرين. واحترت أية هدية أشتري لها! "ماذا أهدي في العيد إليك يا ملاكي" (رحمة الله عليك يا ناظم الغزالي). "أسِواراً؟". كانت هديتي في العام الماضي. "أم عقيقاً؟" فأنا لست من هواته. وكلما فكرت في شيء ما أتذكر بأنه كان هديتي للسنة الفلانية. وهنا لمعت في ذهني (لم يصل الأثر التدميري للتدخين حتى ذلك الحين إلى نشاطي الذهني) هديةٌ رائعة.
أخذت العائلة إلى العشاء في إحدى الفنادق الراقية للاحتفال بالمناسبة. في طريق عودتنا إلى البيت سمعت ابنتي ذات الخمسة عشر تسأل أمها همساً إن هي لاحظت أني لم أدخن.
في اليوم التالي أعتذرت لزوجتي لعدم تقديم أية هدية لها. فأجابت بأن الهدية وصلت. فكان فرحي عظيماً كونها تلقفتها "وهيّ طايْرة". وهذا ما زاد في تصميمي على الابتعاد عن التدخين. كنت في نهار اليوم نفسه وفي مكان عملي قد قمت بحركة مسرحية حيث أمسكت بعلبة السجائر ومزقتها بعصبية مع محتوياتها إرباً، متمتماً مع نفسي "لا تدخين بعد اليوم". ومن ذلك اليوم لم أقم بتلك التجربة الخائبة تلك مع أي زميل مدخن، إذ أن سيجارة واحدة هي الكفيلة بتدمير كل ما ناضلت من أجله.
بعد فترة قصيرة كنت مسافراً إلى أحد البلدان حاملاً معي قلقاً لم أذق مثله في حياتي بسسب أني كنت ربما سأفقد إبني البكر أو أن يصيبه أذى جسيم. كان القلق إلى الحد الذي كنت أخشى أن أصاب بالجلطة إذ بالكاد كانت ساقاي تحملانني. كم كانت السيجارة في تلك اللحظات بلسماً لنفسي المرهقة ولمعنويتي المنهارة. ولكن لم أدر من أين جاءتني تلك القوة الهائلة في مقاومة الإغراء.
يهاجمني كابوس من فترة لأخرى حيث أحلم بأني أدخن. فأحدث نفسي انطلاقاً من تأنيب الضمير والندم الكبير "يا إلهي، ما الذي ورّطني في أن أدخن مرة أخرى؟ وهل سأمتلك تلك الإرادة الحديدية كي أترك مثل المرة الأخيرة؟"
من طرائف أيام التدخين أني كنت في طيارة بين لندن وشيكاغو وكان في الطائرات أيامها مقاعد خاصة بالمدخنين. جاءني رجل في الخمسينات من عمره يبدو من أناقته أنه رجل أعمال واستأذن أن يجلس في المقعد الخالي بجانبي ليدخن. وكأي مواطن أمريكي عادي (أقصد غير سياسي)، كان بسيطاً واجتماعياً. فسألني من أين أنا. أختصر سرد المحادثة بيننا بالقول بأنه كان يتصور الكويت ولاية في أمريكا (لست أمزح ولا أبالغ) والعراق في أوروبا ولم يعرف أين تقع إيران. وربما تظاهر في النهاية محرجاً بالمعرفة بعد محاولات عديدة لكي أُفهِمَه الجغرافيا عندما ربطت إيران بالشاه.
وأخيراً، ليعذرني المدخنون إن كنت صريحاً فأقول بأني أنظر الآن إلى من أراه ينفث الدخان في الهواء نظرة دونية. أما منظر من يدخن في الأماكن المغلقة فإنه يشعرني بالخجل لأني كنت مثله لا أراعي مشاعر الناس الذين قد يكون بينهم مصابٌ بالربو!.