في ذكرى عاشقة الليل الشاعرة العراقية نازك الملائكة

شاكر فريد حسن قرأها 9
 

قبل أربعة أعوام رحلت عن عالمنا الشاعرة العراقية نازك الملائكة، "عاشقة الليل" ورسولة "الشعر الحر"، وصاحبة "الكوليرا" و"شظايا ورماد"، وملهمة العصر الذهبي لمدرسة الشعر العراقي المعاصر، بعد معاناة طويلة من الاكتئاب وأمراض الشيخوخة والزهايمر.

 NazekAlMalaika001.jpg

تعد نازك الملائكة من أهم وأبرز كبار شعراء وأدباء العراق في العصر الحديث، أبصرت النور في بغداد سنة 1923، والدها هو الأديب والباحث صادق الملائكة، وأمها هي الشاعرة سلمى عبد الرازق.

سكنت نازك الملائكة هواجس الشعر منذ الصغر، وطوّرت موهبتها وصقلتها بالثقافة القديمة والحديثة. وهي من أوائل الشعراء الذين تمرّدوا على بنية القصيدة العمودية الخليلية مع بدر شاكر السياب وعلي محمود طه وبلند الحيدري. وقد ابتكرت غنائية جديدة تعتمد التفعيلة وتداخل البحور الشعرية بقصيدتها الشهيرة ذائعة الصيت "الكوليرا"، وخاضت المعارك الأدبية الشرسة والعنيفة مع المحافظين الذين رفضوا مثل هذه القصيدة، التي سرعان ما انتشرت في أرجاء الوطن العربي كافة.

ونازك الملائكة شاعرة رومانطيقية تميزت بالحساسية المفرطة والألم الحاد، حفلت قصائدها بالشكوى والهموم الذاتية، وبالأحزان والأشجان والكآبة والحيرة والتشاؤم والأسئلة الوجودية. وكامرأة شرقية حلمت بتحقيق الذات وتغيير المجتمع، لكن عقبات ومصاعب وعوائق كثيرة حالت دون تحقيق حلمها وطموحها فاصيبت بخيبة أمل كبيرة، ولفّها الحزن والاكتئاب الشديدان فانكفأت على ذاتها وانقطعت عن الكتابة، وعاشت أواخر حياتها في عزلة شبه تامة، مجترّة همومها وأحزانها. وفي سنة 1970 تركت وطنها العراق وذهبت الى الكويت وبقيت فيها حتى الاجتياح العراقي في العام 1990، ثم هاجرت الى القاهرة وهناك عانت مشاكل صحية كثيرة، وظلت تصارع الموت الى ان توقف قلبها عن النبض والخفقان إثر هبوط حاد في الدورة الدموية فماتت وهي حزينة القلب، مثل صديقها الملاح التائه علي محمود طه، وشيع جثمانها بمشاركة عدد من الأدباء والشعراء والمثقفين المصريين والعراقيين وغيرهم من كتاب الوطن العربي الكبير، ودفنت في القاهرة، بعيداً عن العراق، بلد النخيل والحضارة والعراقة، الذي طالما تغنت به.

خاضت نازك الملائكة ميادين البحث والنقد الأدبي، الموضوعي الخالص، وفي هذا الجانر صدر لها كتاب (قضايا الشعر المعاصر) الذي عالجت من خلاله مفهوم الشعر الحر في تجلياته الفنية والايقاعية المختلفة، وكتاب آخر عن شاعر العروبة والبطولة والانسانية ـ على حد قولها ـ الشاعر المصري المعذب "علي محمود طه" وهو بعنوان (الصومعة والشرفة الحمراء). اما في حقل الشعر فقد تركت عدداً من الأعمال الإبداعية الناجزة، وهي:

1.   عاشقة الليل

2.   شظايا ورماد

3.   قرارة الموجة

4.   شجرة القمر

5.   مأساة الحياة وأغنية للانسان

6.   الصلاة والثورة

7.   يغير الوانه البحر.

نازك الملائكة شاعرة قومية مجددة ونهضوية يقرؤها المثقفون والنخبويون، ساهمت مساهمة كبيرة وواضحة في تجديد الشكل الصياغي للقصيدة العربية، وقصائدها رومانسية عميقة الفكر والمعنى، مشحونة بالترميز ومنتشية بالصور الفنية المبتكرة، وهي تزخر بالعواطف المصقولة والحرقة الروحية والذهنية، وحين نقرأ هذه القصائد تتمثل أمامنا نموذجاً للمرأة المتحررة، والتّوق الإنساني للمارسة الإبداعية الحرة، والذوبان في حدود العام والخاص.

وصفوة القول، نازك الملائكة جمعت في أشعارها عمق الشعور والإحساس والقلق الوجودي وقوة الخيال، وقد زادتها الصناعة البيانية زهواً وسطوعاً في رحلة العصور، وستبقى عاشقة الليل تلهم الوجدان العربي بقصائدها الحزينة الباكية، التي تحاكي الطبيعة والحياة والوجود والعدم والذات والزهور، فلها الرحمة والخلود.