وليد وفؤاد
على هامش اجتماع العمل الذي عقدته الهيئة الاستشارية لدار نون 4، كانت سهرتنا اللطيفة.
في الاجتماع، طرح المشاركون أفكارهم وآراءهم بإيجاز ودقة كعادة من يعرف ما يريد ولا يتكلم من أجل الكلام.
تقويم للمرحلة السابقة، وأفكار واقتراحات للمستقبل، من شأنها أن تحسّن أداء هذه الدار التنويرية العلمانية الجادة، وأمل في أن تسهم دار نون 4 مع الدور العلمانية والعقلانية الأخرى في تعميق الوعي وفتح العقول على أمداء واسعة من حرية التفكير والإبداع والإيمان بالتعدد.
أما السهرة اللطيفة، التي ضمت، إلى جانب أعضاء الهيئة الاستشارية، العاملين في الدار وعدداً من أصدقائها، فكانت واحة بوح استظل الساهرون في ظلالها ساعات ستحفظها الذاكرة زمناً طويلاً.
كان وليد إخلاصي وفؤاد مرعي نجمَيْ سهرتنا.
وليد، المبدع الكبير، رجل المسرح والقصة والرواية، كان في تلك السهرة يودّع الساعات الأخيرة من عامه الخامس والسبعين، ويتهيّأ لاستقبال عامه الجديد مشرقاً باسماً محدّثاً خفيف الظل، وفؤاد، الناقد والمفكّر والمعلّم، الذي قدّم علمه لأجيال من الدارسين والباحثين، يجلس بكل مهابته التي تجعلها ابتسامته مهابة أليفة محببة.
وليد إخلاصي الشامخ فوق ذروة الخامسة والسبعين، يعلو عشرات الكتب الإبداعية المتميزة، التي أحبَّتها أجيال القراء وتأثّرت بها، الأديب الذي اخترق كل التصنيفات التقليدية وتجاوزها، فهو الواقعي والسريالي والرومانسي، وهو الصوفي والرمزي، وهو المومئ والموحي والمباشر والمصرّح. إنه عالَمُ أدب قائم بذاته.

شربنا نخبه وهو يتجاوز الخامسة والسبعين، وما يزال في أوج عطائه وتألقه، ورجونا له العمر والعطاء والسعادة.
قلّما تجد شخصاً في الخامسة والسبعين يتمتع بحيوية وليد إخلاصي وبإشراقه وإقباله على الحياة وتصميمه على استمرار العطاء والإبداع، هؤلاء بين الأدباء والمبدعين والمفكرين يعدّون على الأصابع في كل قرن، لذلك نحفظ أسماءهم. فنحن لا ننسى من تخطَّوْا عتبة العقد العاشر من العمر وهم يكتبون، ويحدّثون بما هو نافع وممتع، من أمثال أحمد لطفي السيد وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ وميخائيل نعيمة ومحمد مهدي الجواهري والشاعر القروي، ونرجو العمر المديد لأديبنا الكبير حنا مينه وهو يسير في عامه السابع والثمانين وما يزال قلمه ينطق ويصور.
وليد إخلاصي، وأنت قمة من هذه القمم، كل عام وأنت بخير!.
وحين ينطلق لسان أساتذة من الباحثين والنقاد والمبدعين لذكر ما قدمه للعلم والنقد رجل معطاء هو فؤاد مرعي، تجد نفسك أمام موقف موضوعي وفيّ وصادق تجاه كبير لا يجوز نسيان دوره أو الإقلال منه. هذا ما أحسسته وأنا أستمع إلى ما قاله سعد الدين كليب عن أستاذه الذي أثّر في مسيرته الأدبية تأثيراً لا يزول.

وفؤاد مرعي الذي انتفع بعلمه مئات الدارسين، هو رائد من أهم رواد النقد الجمالي في بلادنا، وباحث في أسسه ونظرياته، ومفكر له آراؤه في كثير من القضايا النظرية والتاريخية والاجتماعية، ومترجم لعدد من الكتب والبحوث المعلِّمة. وهو إلى ذلك كله، الرجل اللطيف الدمث، الجامع بين مهابة العالِمِ وتواضعه.
هذا الرجل الذي أخذ مكانته في نفوس طلابه وعارفيه، لم يأخذ حقه من الاهتمام في مجتمع هو أحوج ما يكون إلى تكريم علمائه ومفكريه.
أليس أمراً طبيعياً أن يكون وليد وفؤاد نجمَيْ سهرتنا، وكل سهرة تلتئم في ظلال الأدب والفكر؟.