في ذكرى اغتياله: مهدي عامل باق في الذاكرة الجماعية

شاكر فريد حسن قرأها 1,045
 

في الثامن عشر من أيار 1987 أسكتت الرصاصة الغادرة قلم المفكر اللبناني الدكتور حسن حمدان المعروف بإسم مهدي عامل. وكانت هذه الجريمة النكراء، التي أقدمت عليها القوى الظلامية الطائفية الرعديدة، استهدفت أفكار ومواقف مهدي الثورية والتقدمية المتنورة، وشكلت حلقة في مسلسل السوداوية والتخلف والغدر، كما كشفت التهديد الحقيقي والكارثة التي يتعرض لها مجتمعنا العربي على امتداد الوطن الكبير.

لقد شكل مهدي عامل علامة فارقة وتحولاً هاماً في تاريخنا الثقافي _ الفكري ودعامة أساسية من دعامات حركة التنوير العربية، ويعد من أدمغة الحزب الشيوعي اللبناني، ومن المجدّدين في الفكر العلمي في العالم العربي.

نهض مهدي عامل في بيروت عام 1936 وتعلم في مدرسة المقاصد الإسلامية ونال شهادة التوجيهي ثم انتقل للدراسة في جامعة ليون حيث درس الفلسفة ونال شهادة الدكتوراة. وبعدها سافر الى الجزائر وعمل مدرساً للفلسفة في دار المعلمين في مدينة قسنطينة الجزائرية، ثم عاد الى لبنان واشتغل بالتدريس في ثانوية صيدا الرسمية للبنات فمدرساً في معهد العلوم الاجتماعية التابع للجامعة اللبنانية. وفي العام 1960 انتسب للحزب الشيوعي اللبناني وانخرط في كفاحاته ونضالاته من أجل تحقيق التحولات الاجتماعية الجذرية والطموحات الوطنية وبناء المجتمع المدني الحضاري، حتى سقط شهيداً في شارع الجزائر ببيروت. وقد أثارت جريمة اغتياله في حينها، الشجب والإستنكار والإدانة ونشرت الصحف والمجلات الثقافية في لبنان والاقطار العربية، العديد من المقالات والدراسات التي أشادت بمهدي عامل، مفكراً وإنساناً ومناضلاً فذاً نذر روحه وقلمه لخدمة القضايا الوطنية والطبقية والإنسانية. فكتبت زوجته "ايفلين بران حمدان" تقول: "لن أقول عنك إلا هذه الباقة من الصور المتفجرة، الرائعة، المشعة، حسن الزميل المنتبه، الكريم المحترم للآخر، حسن الصدوق الودود الدافئ، المستمع دائماً لإصدقائه، حسن هذا المفكر الدقيق والمدقق هو أيضاً، حسن المتأمل الذي تتفحص نظرته ما وراء أبسط الأشياء، أمام المروحة الهوائية المزروعة في الخضرة مقابلة لمكتبه حتى لا نهاية الموت الذي يطارده، حسن الذي يجهز وجبات أهله بحب وقدسية، حسن الذي ينغم "كونشيرتو" لرافيل على رعشة زرعه الذي يرويه بتواضع وحرارة. حسن الذي ينفجر غضباً واستكاراً إذا ما مسّت كرامة الإنسان في أي مكان من العالم، حسن الذي يبرأ أبيات اليائس لنرفال، حسن الذي ينغمس في مناقشات نظرية بلا حدود تجعل كل كيانه يرتجف".

كان إسهام مهدي عامل في الحركة الكفاحية بمثابة الطاقة الدافقة لتفجر الينابيع الفكرية والأساس الراسخ للروح الثورية، ولحرارة اليقين بانتصار حلم الكادحين وفقراء الشعب والنزوع إلى الانغماس في معالجة القضايا والمسائل والموضوعات غير المطروحة في الفكر الإنساني التقدمي وفي البحوث الفلسفية، وقد مارس الكتابة الشعرية والأدبية والصحفية والفلسفية بوجهيها السياسي والإيديولوجي، وخاض مجالات متعددة ومتنوعة تناول فيها القضايا الحياتية اليومية ومعارك الكفاح الوطني التحرري للشعوب العربية إضافة الى الهموم السياسية ومواقف التيارات الفكرية ومذاهبها والبحث في قضايا الثورة ومعارك الحرية والسلم والمساهمة في الحوار والجدل الفكري حول المسائل والمعضلات النظرية والفلسفية.

كان مهدي عامل راسخاً في فكره، استشرف الآتي واستكشف الماضي واستنبط الحياة، وهو من المفكرين والمثقفين العرب الذين حاولوا بناء نظرية علمية متكاملة للثورة العربية. وقد عمل طوال حياته على فضح وتعرية حقيقة القوى الطائفية والأصولية والاستغلال الطبقي والتبعية للإمبريالية، طارحاً الطريقة المثلى لمقاومتها والتصدي لها والانتصار عليها، ورأى في الطائفية نظاماً سياسياً والطائفةَ في البنية الكوليونالية علاقة سياسية.

نشر مهدي عامل مجموعته الشعرية الأولى "تقاسيم على الزمان" عام 1974 والثانية" فضاء النون" عام 1985، ووضع أعمالاً في المجال الفكري _ السياسي وهي: "مقدمات نظرية في دراسة أثر الفكر الاشتراكي في حركة التحرر الوطني (بجزئيه)، أزمة الحضارة العربية أم أزمة الرجوازية العربية، النظرية في الممارسة السياسية، بحث في أسباب الحرب الأهلبة، مدخل الى نقض الفكر الطائفي، القضية الفلسطينية في أيديولوجية البرجوازية اللبنانية، في عملية الفكر الخلدوني، هل القلب للشرق والعقل للغرب، في الدولة الطائفية، نقد الفكر اليومي، مناقشات وأحاديث في قضايا حركة التحرر الوطني، في قضايا التربية والسياسة التعليمية".

قدّم مهدي عامل في علم الإجتماع والتربية انتاجاً فكرياً غزيراً، وكان هاجسه الدائم الذي يؤرقه ويقض مضاجعه، اقامة حكم وطني وديمقراطي، وانتاج ثقافة وطنية وتقدمية، وتحقيق المساواة التربوية _ الاجتماعية ضمن حقل التعليم. كذلك طرح موقفه الفلسفي السياسي من قضية التراث فرأى أن البرجوازية العربية نشأت تابعة ولم تشهد الانطلاقة السياسية التي تسمح بقيادة حركة ثورية في الفكر وفي المجتمع.

ذكرى مهدي عامل ستظل تسري في عروقنا ونبضنا وأعصابنا ودمائنا، وفي وعينا وفكرنا، نموذجاً للإنسان المتنور والمناضل السياسي من أجل الحرية والديمقراطية، وللمفكر الثوري الطلائعي الذي إستطاع أن يحلق في سماء الوطن كواحد من صناع الفكر الديمقراطي الثوري الذي تجاوز الحدود الجغرافية للبنان، وستبقى أفكاره، رغم رصاصات القتلة، شامخة وباقية وحية في وجدان الأمة، وزاداً لكل المناضلين والثوريين العرب في معاركهم الحضارية والكفاحية نحو الشمس والفرح الإنساني.

shaker.fh@hotmail.com