الكبــار
يفترض القارئ، كما يفترض العاملون في حقل البحث الثقافي، أن يكون لكل كاتب أو مفكر مشروع، يكرّس له كل ما يكتبه.
وإذا عدنا إلى أعمال كبار المفكرين والأدباء وجدنا أن هذه الفرضية صحيحة، بل تشبه القانون. فما الذي سيخلّفه المفكر الكبير أو الكاتب المتميز إن لم يكن صاحب مشروع؟ إنه سيترك وراءه، وإن كثر إنتاجه، ركاماً لا روابط بين مكوّناته، أو نتفاً مبعثرة لا علاقة لبعضها ببعض. قد يكون بعضها جميلاً، وعلى سوية فنية عالية، وقد يُمتع قارئه زمناً، وقد يعطيه فكرة صحيحة مفيدة، أو يقدم له معرفة يحتاجها، لكنه لا يعدو ذلك إلى ما هو أهم، أي إلى رفد الثقافة الإنسانية أو القومية برؤية جديدة خاصة، ولا يسهم إسهاماً جدياً في تقدم شعبه.
ولا أستثني حقول الإبداع الفني والأدبي، فكبار المبدعين، ككبار المفكرين، هم أصحاب مشاريع فنية أو ثقافية، لها مضامينها وأهدافها. ومن يتتبع ذلك في شعرنا العربي الحديث مثلاً يتلمس في إبداع كل شاعر كبير مشروعاً جعل صاحبه كبيراً وخالداً، بدءاً من شعراء الإحياء الذين كان هدفهم تخليص الشعر العربي مما أثقلته به مراحل الظلام التي خيّمت على مجتمعاتنا العربية، ودفعه إلى مواكبة الحياة الجديدة (شوقي)، إلى شعراء التجديد الذين كانت غايتهم أن يُعبِّر الشعر عن تطلع الشعب إلى التحرر والخلاص من التخلّف، وأن يشارك في تحديث المجتمع، إلى كبار شعراء النصف الثاني من القرن العشرين الذين دمجوا الشعر بالحياة الاجتماعية والسياسية وارتقوا به فنياً، وكان لكل كبير منهم مشروعه الفني الاجتماعي الواضح.
وإذا أخذنا ثلاثة أظن أنهم أهم قمم شعرية عربية في العقود الأخيرة، فسيصعب علينا تلمّس مشروع كل منهم، هذا المشروع الذي وضعته موهبة صاحبه الفذة، وثقافته الرفيعة، وإخلاصه لثقافة شعبه ومصالحه، وحرصه على التقدم، أقول وضعته على درجة عالية من الرقي الفني والغنى المضموني والقدرة على التأثير والفاعلية، فجعلته بذلك كله خالداً.
والثلاثة الذين أعنيهم هم نزار قباني، ومحمود درويش، وأدونيس. فلكل منهم مشروعه، وثلاثة المشاريع يكمل بعضها بعضاً، ويستند بعضهاً إلى بعض، ويقوم بينها ما يجمعها، وهو الغرض التحرّري النهضوي، وما يميز كلاً منها من غيره، ليكون مشروعاً خاصاً بصاحبه، يلتفُّ حوله مريدون وتلاميذ ويشكّل قمة شامخة من قممنا الخالدة.
وبعيداً عن التفاصيل، فإن مشروع نزار قباني التحرري النهضوي يقوم على ركيزتين لم يسبقه إليهما أحد في العصر الحديث، هما تحرير الشعر من اللغة البرجعاجية، لغة الخطابة والقواميس والجزالة، أو لغة الآهات الرومانسية الساذجة، وتخليص المجتمع من عفن التخلف، وتحطيم القيود التي كبّلته فيما عرف بعهود الانحدار، والتمزق، أي عهود السلاجقة والمماليك والعثمانيين. وفي هذا السياق تناول نزار قضيتي المرأة والحب، وارتقى بهذا التناول إلى مستوى شعري فريد، لم يقترب منه أحد من معاصريه، فغدا قمة شامخة خالدة.
أمّا مشروع محمود درويش، الذي جعله رائداً وخالداً، فهو مشروع الشعر المقاوم. فقبل درويش كان (شعر المقاومة) ساذجاً، تتراجع فيه الشاعرية وجماليات التعبير أمام الشعارات الوطنية والقومية والجمل الثورية ولغة الضجيج. وكانت النظرة إلى المقاومة أحادية الجانب، فهي تعني أن تقاوم عدوّك الخارجي، الغازي أو المستوطن، بمختلف الوسائل، غاضّاً النظر عن الجوانب الأخرى، أي عن هشاشة المجتمع وتخلّفه وماضويته. أما محمود درويش فقد وضع المقاومة في إطارها الشامل مقاومة العدو الذي يغتصب الأرض ويقهر الشعب، ومقاومة التخلف الذي يقيد العقل والإبداع، ويشدّ المجتمع إلى الوراء. حقّق محمود درويش علاقة صحيحة بين الشكل والمضمون، بين السمّو الشعري لغة وصورة وبناء، والمضمون المقاوم بالمعنى الشامل، فحقق فرادته.
ومشروع أدونيس مشروع حداثي رائد. وأدونيس يختلف عن نظيريه المذكورين، بأنه مفكر وشاعر، وهو قمة شامخة في المجالين. أدونيس مشروع حداثة ونهضة، على مستوى كلي شامل. والشمول لا يأتي من الدخول في تفاصيل الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية، بل يأتي من تناول العام تناولاً حداثياً جاداً، تناول مسائل الديمقراطية والعلاقة بين الحاكم والمحكوم ونزع القيود عن الإبداع، سواء أكانت قيود سلطة أم قيود مجتمع. كما يأتي من نظرته إلى التراث نظرة رجل يعيش في عصر التغيرات العاصفة والشاملة، ويستوعب هذا العصر ويتفاعل معه، فإذا به يقرأ الثابت في ضوء المتحول، خلافاً للسائد الذي يقرأ المتحول في ضوء الثابت. ووفق هاتين النزعتين في القراءة تتحدد هوية القارئ.
فقارئ المتحول في ضوء الثابت سيغرق في الماضوية والرجعية، وسيكرس التخلف ويبتعد عن مشكلات الواقع وروح العصر. أما قارئ الثابت في ضوء المتحول، فهو المؤهَّل لأن يسهم في تحرير المجتمع وتقدمه وهو القادر على التناغم مع إيقاعات العصر.
ولعل أهم مقاييس الموقف الرجعي أو التقدمي هو هذه النظرة إلى الماضي. فالرجعي باختصار هو من يبحث في الماضي عن حلول للمشكلات الواقعية الراهنة.
لدى كل من هؤلاء الثلاثة الكبار، يتكامل المشروع شكلاً ومضموناً، فالشعر ليس صوغاً جميلاً لأفكار عادية مكرورة مستهلكة، وليس معنى عميقاً يُعرض عرضاً بسيطاً ساذجاً مباشراً.
ولدى كل منهم يتفاعل الفن مع الموقف الأخلاقي والقومي والإنساني، فيتجلى الموقف فناً راقياً عالي الذوق والصنع.
لم يكن الإبداع في الشعر، والفن عامة، منفصلاً عن الرؤية التقدمية، ولم يكن الشاعر العظيم إلا صاحب مشروع حداثي، جزئي أو كلي.
الإبداع الفني هو ابن الحياة، والشاعر الكبير رائدٌ في تجديد هذه الحياة وتجميلها.