الناقد د. حبيب بولس يواصل رحلاته ودراساته النقدية في كتابه: الرحلــــــة الرابعـــــة

نبيل عودة قرأها 1,484
 

نبيل عودة

Nabeel%20Odeh.JPG 

يواصل الناقد والمحاضر الجامعي الدكتور حبيب بولس رحلاته النقدية ودراساته الأدبية عبر كتابه الجديد "الرحلة الرابعة" (384 صفحة من الحجم الكبير) والذي يشمل دراسات أدبية ونقد أدبي ومتابعات مسرحية وكتب وكتاب، وهو إصدار خاص طباعة دار النهضة في الناصرة (2010). وقد سبق هذه الرحلة، ثلاث رحلات نقدية تناولت الإبداع المحلي وغيره من الإبداعات العربية، وللكاتب مؤلَّف هام بعنوان "أنطولوجيا القصة الفلسطينية القصيرة" الذي يعتبر مرجعاً لتطور قصتنا القصيرة وكتابها. الى جانب عدد من المؤلفات يصل الى (18) كتاباً.

تابعت شخصياً كل كتابات الناقد حبيب بولس منذ سبعينات القرن الماضي، الى جانب كتابته الأدبية، خاصة في كتابه "قرويات" التي برز فيها ككاتب تسجيلي عن قريته كفرياسيف، ولكنه مليء بروح إبداعية درامية، مقدماً لوحة ثقافية، أشبه بالرواية الحية، لقرية تعتبر من طلائع قرانا العربية في التقدم التعليمي والثقافي والاجتماعي.

نصوص الدكتور الناقد بولس فيها مميز هام، وهو سلاسة اللغة والتعابير وابتعاده عن الاصطلاحات التي تحتاج الى تفسير او ترجمة من العربية الى عربية مفهومة.

أكاد أقول ان الناقد بولس، الذي كما أسلفت تابعت إنتاجه كله قبل جمعه في كتب، يشكل مدرسة نقدية جادة، تتناول الأعمال بفحص عميق وغير متسرع، ومع أني أختلف معه حول العديد من الاستنتاجات، ومن الفهم لبعض المسائل الثقافية، الا انني أتفق معه حول معظم المواقف الفكرية والنقدية ولا أستطيع الا الانحناء احتراماً لقدرته على الاستمرار، رغم ما يعتري ثقافتنا، خاصة ساحة النقد المحلي، من وهن وهرطقة واستخفاف بعقل القراء عبر نشر مضامين نقدية تفتقد لشروط النقد الأولية، تدفع الأدباء الشباب الى الوهم القاتل بأنهم بلغوا القمة من أول سطور خطوها.

HabeebBBCover01.JPG 

الكتاب يشمل دراسات هامة، كنت أود ان أدخل الى عمق المواضيع، ولكن هذا يحتاج مني ألى أكثر من قراءة ومراجعة ثقافية، وقد أثارت لديّ بعض مقالاته، دوافع لطرح مداخلات حولها، خاصة دراساته حول الأدب العربي في إسرائيل، التي اتبع فيها أسلوباً بعيداً عن الاستعراض، متناولاً المسائل الجوهرية المطروحة على الساحة الأدبية في حدود ال (48). وهي قضايا لها أهميتها وخطورتها التي بدأنا نلمسها على جلد ثقافتنا أكثر وأكثر، منها تواصل التهافت النقدي من أوساط فرضت نفسها بدون ان تملك الأدوات النقدية والقدرات الفكرية المناسبة.

الجميل في دراسته عن الأدب الفلسطيني في إسرائيل، طرحة سؤال عن الدوافع الفلسفية التي كمنت وراء شعرنا، ومكانة هذا الشعر من مجمل الحركة الشعرية العربية.

ويعالج القصة القصيرة ايضا محللاً نواقصها وإيجابياتها بموضوعية الباحث الذي يرصد كل التأثيرات، وقد وضع تصوره مثلاً حول عدم التوازن في الخطاب القصصي بين الخطابين التخيلي / الإبداعي / القصصي من جهة وبين الواقعي / الأيديولوجي / التاريخي من جهة أخرى. حقاً انا أظن ان هذه الصيغة تحتاج الى تفكير معاد، أقول ذلك من تجربتي القصصية اذ لا أرى ان التوازن هو التعبير السليم، بل معرفة أين نُعلي خطاب على خطاب آخر..، الفكرة في الطرح سليمة وهامة، ولكني أرى ان التوازن يخلق قصة دوغماتية.

وينهي دراسته بمراجعة هامة للجانر الروائي في ثقافتنا داخل حدود (48). وألومه على تقصير أساسي، عدم رصده الواقع النقدي في هذه الدراسة، ويبدو لي انه هرب من التورط في صراع مع ديكة غبية تظن ان النقد تسويق ذات الناقد على حساب المسؤولية الثقافية.

دراسته الهامة الثانية هي نص مبدع عن الناقد والمفكر العربي كبير، الدكتور حسين مروة الذي اغتالته الظلامية الدينية (1978) وهو شيخ تجاوز السبعين، بسبب فكره النير ورؤيته الماركسية. يستعرض بولس في هذه الدراسة، الى جانب حياة ونشاط الدكتور حسين مروة، إبداعه لنظرية نقدية تطبيقية اعتمد فيها على رؤيته الماركسية. وقد شدني هذا الفصل بشكل خاص لمعرفتي الشخصية بالمفكر الكبير حسين مروة الذي كان يعد أطروحته لنيل شهادة الدكتوراة في موسكو عن كتابه "النزعات المادية في الفلسفة العربية الاسلامية" الذي أسس عمليا للبحوث العربية التراثية المعاصرة، كما يشير الناقد بولس. وقد أسرنا حسين مروة بشخصيته الإنسانية الأبوية وقدرته على شرح أكثر المسائل تعقيداً ببساطة تأسر المستمع. وبقيت سنتين مستمعاً لطروحاته النيرة وفكره العميق حول العديد من مسائل السياسة والمجتمع والثقافة العربية، وما زلت اذكر حتى اليوم رؤيته الثاقبة وتخوفه المبكر من ظاهرة الفكر الظلامي، الذي وقع في النهاية، هو نفسه، ضحية له.

ومن منور ماركسي موسوعي ينقلنا الى منور موسوعي لبناني آخر هو رئيف الخوري، وهي دراسة كبيرة قرأت قسما منها قبل سنوات وها هو يقدمها لنا كاملة في رحلته الرابعة.

تشمل هذه الدراسة التي تبلغ لوحدها حجم كتاب مستقل، ست نقاط أساسية، سيرة رئيف خوري ثقافته ومؤلفاته، موقفه الثوري من التراث، موقفه من القضية الفلسطينية، إبداعه الأدبي وآراؤه الفلسفية.

يشير الناقد الى تأثر رئيف خوري بالثورة الفرنسية، وبالفكر الماركسي. وكان رئيف خوري قد عمل في التعليم في فلسطين بين العامين 1936 – 1938 في القدس، أثرت هذه الفترة على تكوين نظرته القومية وفيما بعد الاشتراكية، وجعلته يرى عن كثب ما يحاك من مؤامرات على الشعب الفلسطيني، فكان من أوائل المفكرين العرب الذين تنبهوا للمؤامرة وحذروا منها، بل وشارك نضاليا في تنظيم العديد من المظاهرات والإضرابات التي سبقت ثورة 1936. ومن نظمه في تلك الفترة:

"مشينا الى الباغي نقاتله معاً حتى يخلط الدم بالدم/ وحتى تفك عنك يميننا وتخرجكم من قبضة المتحكم/ فلا يقل الباغي نسينا بلاءكم الا اننا عن أهلنا غير نوّم/ فيا ظلم لا دمنا اذا دمت ويا نير لا كنا اذا لم تحطم/ ويا قلم التاريخ سطر جهادنا بنار وظلي يا عصافير تكلمي".

في القسم الثاني من الكتاب، نقرا نقدا عن "ديوان الكوكاني" لشاهد عبد الحق، ونقدين لروايتين "العطيلي " لنبيل ابو حمد المغترب في لندن، ورواية " امرأة الرسالة " لرجاء بكرية.

في القسم الثالث نقرا ثلاث محاضرات في شعر محمود درويش.

في القسم الرابع متابعات مسرحية، وعمليا يمكن القول ان الناقد حبيب بولس يتبوأ بذلك مكاناً بلا منازع كمتابع للحياة المسرحية العربية داخل اإسرائيل. وهناك ثماني عشرة دارسة عن مسرحيات قدمت خلال السنوات الماضية وهو رصد هام للحياة المسرحية والفنية.

وينهي الدكتور بولس كتابه في قسم رابع تناول فيه كتاباً للمحاضر اليهودي العراقي الأصل الدكتور ساسون سوميخ "ايام متخيلة" وكتاب سميح غنادي "المهد العربي".

لن استعرض أقسام الكتاب فهي تحتاج الى مداخلات أخرى، آمل ان أقوم فيها في المستقبل القريب، لما تحملة من طروحات فكرية ورؤية نقدية تحتمل الحوار، والأهم ضرورة ان تصل لكل من يعدُّ نفسه مثقفاً وأديباً مبدعاً، لما تحمله من أهمية في رؤيتها التجديدية النقدية.

نبيل عودة – nabiloudeh@gmail.com