رؤية مشوهة للقصة القصيرة في ندوة القاسمي عن: "ملامحُ واتّجاهاتُ الأدبِ الفلسطينيِّ في إسرائيل"

نبيل عودة قرأها 1,761
 

لست من القلقين على مكانتهم الأدبية. ولكن مقابل التهريج الثقافي "الأكاديمي" الذي يجري في الخفاء، واعتماد أشخاص بلا رؤية نقدية او ثقافية للحديث عن مواضيع إبداعية، مثلاً، الندوة التي عقدت في كلية القاسمي- باقة الغربيّة (10–05–2010) تحت عنوانِ: "ملامحُ واتّجاهاتُ الأدبِ الفلسطيني في إسرائيل".

وهي إحدى نشاطاتِ قسم اللّغةِ العربيّةِ، وأجد نفسي مضطراً لتسجيل هذه الملاحظات:

كالعادة هناك تجاهل كامل لأدباء لهم مساهمات واسعة إبداعية نقدية وفكرية والأهم انهم يشكلون اليوم العمود الفقري لثقافتنا، نشاطاً وإبداعاً وفكراً، وأيضاً في طليعة الناشطين بالنشر، وتجاهلهم لا يغير من الحقيقة الثقافية، انما يعمق بؤس الثرثرة تحت صيغة نقد وبحث يتبين منها ان بعض الأسماء لا تملك المعرفة الثقافية الأولية، ولا الفكر الفلسفي الذي لا يمكن تطوير رؤية نقدية بدون اعتماده قاعدة لفهم موضوع الإبداع أولاً.

هذه الحال، التي تضر بالندوة نفسها و"أبحاثها"، اذا كان يمكن ان نسمي بعض المداخلات السطحية أبحاثاً. وفي نفس الوقت تجعل الأمر يستحق وقفة ومراجعة وحساباً. وسأقوم بهذه المهمة التي لا أحبها لأنها مليئة بالاعتبارات الشخصية التي قد لا تفهم بمضمونها النقدي والفكري، انما بجانبها الشخصي.

ولكن ما العمل وواقعنا الثقافي من السوء لدرجة ان ندوة من هذا النوع تعقد بشكل عشوائي، تحت مظلة أكاديمية. ويبدو ان تعبير أكاديمي يحتاج الى إعادة تشكيل لمفهومه في ثقافتنا، من أجل إسقاط الوهم بأن تعبير "الأكاديمي" يعني الأرقى والأكثر عمقاً.

ما لفت انتباهي حديث د. بطرس دلّة عن القصّةِ القصيرةِ وتطوّرِها في الأدبِ المَحلّيّ، ويبدو للوهلة الأولى ان بطرس دلة لا يميز بين رياض بيدس القاص الشفاعمري صاحب "باط بوط" ويسميه خليل بيدس، وهو أديب فلسطيني من فترة الانتداب، انا شخصياً لا أعرف كثيراً عنه. والخطأ الأبشع انه ينسب ثلاثة كتب للكاتب حنا ابراهيم من البعنة في الشاغور، وهي "صوت من الشاغور"، و"نشيد للناس" و"ذكريات شاب لم يتغرب"، للشاعر حنا ابو حنا، وحنا ابو حنا براء من دم الصديق. والغريب ان التقرير الذي كتبته الشاعرة آمال رضوان عن الندوة، واستقيت منه معلوماتي، يقع بنفس الخطأ؟ ولكني لا ألومها..

 مخجل جداً ان لا يعرف الناقد عن أي أديب يتحدث، ويبدو انه لم يقرأ النصوص انما جمع أسماء المؤلفات معتمداً على التعميم النقدي، وهو الأسلوب الذي نبهت الناقد بطرس دلة اليه مرات عدة، ومنذ فترة طويلة، مشيراً الى ان نقده يشكل معياراً مشوهاً يجب الابتعاد عنه، وقد تسببت ملاحظتي الى قطيعة مؤسفة بيننا، لأن الصراحة مؤذية لمن لا يملك الأدوات المناسبة، والفكر الفلسفي النقدي المناسب والقدرة على فهم المقروء وتأويله. والأهم ان الملاحظات بين الزملاء هدفها التعاون للوصل الى الأفضل. ولكنها مشكلته...

اهتمامي بمداخلة بطرس دلة، مصدرها اني كاتب قصة قصيرة وناقد له رأي نقدي مبني على المعرفة، والأهم اني في الأشهر الأخيرة طورت أفكاراً قصصية جديدة بأسلوب كتابة جديد أثار ردوداً عربية واسعة جداً من أدباء ونقاد وقراء مثقفين. وقد نشرت أكثر من 55 قصة قصيرة خلال نصف سنة تقريباً (هذا رابط يضم معظم قصصي الجديدة مع مقالات نقدية حول القصة القصيرة والقصيرة جداً:  (http://www.ahewar.org/m.asp?i=1310)، وبقيت عندي عشر قصص لم تنشر وستنشر تباعاً، والحبل على الجرار، ولدي أفكار قصصية جاهزة للتنفيذ، وفقط من لا يقرأ ثقافتنا المحلية، وإبداعات كتابنا المحليين، لا يعرف ما هو حال قصتنا المحلية الا ما يوهم به نفسه، وما يعتمده من إصدارات قديمة نسبياً، ولا أعني عدم أهميتها ودور كتابها في قصتنا القصيرة، ولكني لم أجد ان الناقد لاحق المعيار لباب الدار، ربما لأن الساحة القصصية خلت لحميدان تقريبا (نبيل عودة واسمان آخران على الأكثر، هما راوية بربارة وميسون أسدي).

الندوة حديثة وتتحدث عن الاتجاهات أيضا، وليس عن التاريخ فقط. واعرف ان تجاهل كاتب مثلي له اعتبارات عدة، أولها الجهل بإبداع الكاتب، وثانيها الموقف الشخصي الحاقد وهو موقف يلغي شرعية الناقد او الباحث وتجعل مداخلته أقرب الى الثرثرة والمثاقفة..

كما قلت لا يضر بالكاتب او الكتاب الذين يتجهاهلونهم ويتجاهلون إنجازاتهم، خاصة حين تشكل الرافد الثقافي الأساسي. وبالتالي الحديث لن تغطية الصفة الأكاديمية وتسقط علاقتة بالنقد والبحث والثقافة عامة.

وانا بدون استعلاء وبدون حياء، وهذا درس تعلمته على جلدي، على رأس مبدعي القصة القصيرة اليوم، ليس بالكمية فقط، وانما بالنوعية الجديدة أيضا!!

وهناك بالطبع أسماء أدبية آخرى أبدعت قصصاً قصيرة فنية منهم الأديب عفيف صلاح سالم الذي أصدر وحرر في الناصرة مجلة "الآداب" الثقافية، والكاتب جورج غريب، والكاتب ممدوح صفدي، والكاتب أحمد حسين، وحتى الشاعر حسين مهنا بدأ كاتباً قصصياً بارعاً وخان القصة لحساب الشعر، ومن الكتاب الجدد الكاتبة ميسون أسدي التي تستحق الانتباه، والكاتبة راوية بربارة التي ابدعت لُغويا في نصوصها، وقد ذكرت في الندوة بشكل عابر لم يعطها حقها، والكاتب سيد ماجد مجدلاوي برز بلون قصصي جميل وجديد، غاص في قصصه الى عمق المواضيع السياسية الكبرى بشفافية ولغة تصويرية ساخرة جداً. وهي أسماء تشكل اليوم المعيار القصصي لقصتنا القصيرة الحديثة. ولا قيمة لأي مداخلة تتجاهل هذه الأسماء في تقييم حركة القصة القصيرة المحلية.

كاتب هذا النص كما اسلفت، له تجارب جديدة في فكرة القصة ولغتها وتكنيكها. والموضوع ليس أرقاما، بل مضامين واتجاهات، وتجاهله هو تجاهل ليس لكل التطور في القصة المحلية فقط، انما للمستوى الذي وصلته القصة الفلسطينية في اسرائيل ،واقول هذا ليس لأني نرجسي، بل لأن التجاهل يثير الدافع لكلام آخر، من الأفضل ان أكون نرجسيا بدل طرحه في مقالي بالطريقة التي أحسنها وأبرع بها.

 الناقد الدكتور بطرس دلة يثبت أمرا اساسيا، انه بعيد عن فهم القصة وتطورها، ودخيل بعقلية هاو، على كل التيار الثقافي المحلي.

 وكان مضحكاً حديثه عن هذا الفن القصصي، نتيجة عدم فهمه لضرورة هذا الإبداع وعلاقته بالعصر والوعي. وان القصة نوع من الأبيستيمولوجيا الثقافية تقود الى إدراك الإنسان الواعي لعصره عبر نشاط خلاق يؤدي الى إبداع صورة او رؤية تطرح وعي الإنسان، ان الثقافة بمفهومها الأوسع هي شكل من أشكال الوعي الإجتماعي، يقود الى كشف الواقع ودوره في حياة الإنسان. وترسيخ المفاهيم الجمالية والأخلاقية، وكل تفسيراتك ايها الدكتور الناقد، أكل عليها الدهر وشرب وباتت تقليعة قديمة ميتة. وقد أعود للموضوع الذي عالجته انا شخصياً بنوع من التمرد وقتها على صفحات "الاتحاد" قبل عقدين من السنين، بسبب تجاهل إبداع بعض الأدباء في وقته وكنت أحد البارزين بينهم. وطرحت وقتها رؤية أكثر شمولية من طرحك اليوم، وكأننا ما زلنا نعيش مرحلة القصة الوعظية، او قصة المقاييس الجاهزة... او النقد المبني على العلاقات الشخصية، وعلى جعل الناقد عنواناً عبر جعل كل عمل شعري او نثري قمة القمم في الإبداع العالمي.. حتى بتُّ أشتهي ان أسمع عن عمل ينقده بطرس دلة ويكتفي بأنه إبداع من أفضل الإبداعات العربية مسقطاً عنه عالميته.

نحن في مرحلة القصة الفنية، رغم ان معظم ما ينشر يفتقد للكثير من الفنية، وبما ان نقدنا صار بطرس دلة، فلا أمل بنقد منهجي يشير الى إشكاليات الوصول الى فنية أفضل في القصص التي تنشر. وأفهم استحالة تغيير ما نحن به بسبب صمت نقادنا الآخرين النسبي من بعضهم والمطلق من بعضهم الآخر.

 يؤسفني غياب أسماء أدبية هامة عن الإبداع القصصي. واريد ان أقول للسيد بطرس انك اعتمدت بعض المراجع القصصية التي سبقت كثيراً المرحلة الفنية في قصتنا المحلية، مما يجعل استنتاجاتك تعتمد على مراجع فات وقتها، وأقرب الى قرار مسبق غير مدروس ويفتقر لرؤية فلسفية نقدية. مع احترامي للتجارب التي بدونها لما حدثت قفزة في قصتنا. اما حديثك عن القصة القصيرة جداً والتكثيف وكتابتها البطيئة فهذا كلام مضحك. راجع مقالي عن الموضوع:

(http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=20690)

كيف يمكن ان لا يرى من يدعي الإلمام النقدي بواقع قصتنا القصيرة، كاتبا مثل نبيل عودة؟ مع إنجاز يكاد يكون الوحيد على الساحة الثقافية، في الأشهر الستة الأخيرة على الأقل؟؟ وكيف يمكن ان لا يكون على اطلاع حول مقالين نقديين، الأول حول القصة القصيرة والثاني حول القصة القصيرة جداً، أثار المقالان ردوداً واسعة جداً بعد نشرهما.

 حتى إن موقعاً عبرياً انتبه لنوعية قصص نبيل عودة الجديدة وترجم إحداها وعلمت انه يترجم قصصاً أخرى من القصص الجديدة، وأعني موقع "زاوية أخرى" العبري، ويمكن الدخول اليه عبر غوغل.

هل يمكن ان ناقداً خبيراً بملامح واتجاهات القصة المحلية والأدب المحلي (الفلسطيني) لم يُر، لم يُقرأ ولم يُسمع عن نبيل عودة الذي انتج ونشر عشرات القصص القصيرة في الأشهر الأخيرة فقط مجدداً في الأسلوب والفكرة القصصية وتطبيقها، وله باع طويل سابقاً لفت انتباه نقاد قصتنا منذ فترة طويلة، خاصة قصص الانتفاضة الأولى؟ وأعني الناقد الفلسطيني (سوريا) محمد توفيق الصواف بكتابة: "الانتفاضة في أدب الوطن المحتل" اليكم الرابط:

http://awu-dam.net/index.php?mode=books_cont&catId=1&id=672

 وهو كتاب نقدي تحليلي هام ومثير تناول مجموعة قصص لأدباء عرب من اسرائيل، وكان نبيل عودة أبرزهم في تقييم مؤلف الكتاب للفكرة القصصية وللغة القصة وأسلوبها.

اذن حتى في القديم نسبياً لنبيل مكانة لمن يرى ويسمع وينطق ويدعي المعرفة النقدية!!

نبيل عودة ـ كاتب ناقد واعلامي فلسطيني / الناصرة

nabiloudeh@gmail.com