الآليّ يتنفس شعرًا - (ملف خاص عن تجربة شريف الشافعي)
الآليّ يتنفس شعرًا
(ملف خاص عن تجربة شريف الشافعي)
- الديوان: الأعمال الكاملة لإنسان آلي (1):
البحث عن نيرمانا بأصابع ذكية
- المؤلف: شريف الشافعي
- الناشر: إصدار خاص (ط1، القاهرة 2008)، دار تالة (ط2، دمشق 2009)، مؤسسة سندباد للنشر والإعلام (ط3، القاهرة 2010)
- عدد الصفحات: 235 صفحة
- القطع: الكبير
محتويات الملف
- د. جورج جحا: البحث بشعر شديد الحداثة عن حلم منقرض
- سليم بو فنداسة: انقلاب أبيض في شعر العرب
- د. حمزة رستناوي: الفضاء الشعري والفضاء الرقمي يلتقيان في تجربة الآلي
- د. عادل بدر: نقلة حيوية لقصيدة النثر: الجوهر المشعّ يفضح الحضارة الزائفة
- عبد المنعم الشنتوف: الروح تفيض شعرًا في زمن الإنسان الآليّ
- نبيل المقدم: حياة شعرية خارج كليشيهات الحياة
- محمد نبيل: قصائد مشتعلة في مواجهة جليد الرقمية
- الشعر لا يخضع للتخطيط ولا العمليات الحسابية (حوار: محمد الحمامصي)
- شرحْتُ للنباتات كيفية التمثيل الضوئي ليلاً (حوار: بسام الطعان)
- الغُرْبَةُ أَسْكَنَتْنِي قصيدتي.. وقصيدتي مَنَحَتْنِي ألفَ وطنٍ (حوار: خلود الفلاح)
- ماذا تنتظر القصيدة كي تصبح خبز المائدة؟ (شهادة للشاعر)
- مقاطع متفرقة من النص

1- د. جورج جحا: البحث بشعر شديد الحداثة عن حلم منقرض
=================================
عمل الشاعر المصري شريف الشافعي الأخير ربما يندر ان يكون له ما يماثله في العربية، فهو يفتقد أزمنة وحلما يبدو انه انقرض، ويستعمل في الوقت نفسه لغة شعرية هي مزيج من زمن الأحلام "الميكانيكية" ومن الزمن المنقرض نفسه.
انه عمل يحمل واقعا ونقيضه في الوقت نفسه.. فهو يستعمل لغة زمن عالم الانترنت ومصطلحاته، ويبحث من خلالها عما يبدو عالما دفعه الى ما يشبه النسيان اشتداد قوة العالم الأول، وما يظهر من سيطرته البعيدة المدى والاغوار على مخيلة أهل "القرية الكونية" وحتى على لغتها.
ولعلنا قبل الحديث عن محتوى مجموعة شريف الشافعي هذه نستطيع ان نسلط عليها ضوءا "بليغا" كاشفا الى حد بعيد من خلال الحديث عن عنوانها وما حمله غلافها.
الغلاف عمل فني معبر جدا قد يختصر كثيرا مما تحمله القصائد. بعد ذكر اسم الشاعر شريف الشافعي الى اليمين الأعلى للكتاب نقرأ الى اليسار كلاما هو وصف لسلسلة يبدو انها مقبلة. الكلام هو "الأعمال الكاملة لانسان آلي (1)"، وبعد ذلك كلمة "شعر". ومن ثم يأتي العنوان الرئيسي وهو "البحث عن نيرمانا بأصابع ذكية"، وبعده عنوان آخر يبدو ثانويا لكنه أكثر "بلاغة" حيث يقول "200 محاولة عنكبوتية لاصطياد كائن منقرض".
الذين قد يشطح بهم الخيال ازاء كلمة "عنكبوتية" متوهمين هذا التعبير تصويرا خياليا مرعبا ينقل واقعا او حالة نفسية سرعان ما يكتشفون ان ذلك المصطلح المعتمد عربيا في عالم الانترنت لترجمة كلمة "ويب" الانجليزية التي يقول معجم "المورد الأكبر" لمنير البعلبكي ود. رمزي البعلبكي ان من بين معانيها المتعددة "شبكة طرق أو أراضي أو علاقات عامة أو راديو وتلفزيون أو اتصالات دولية على الانترنت..الخ".
أما القسم الأكبر من صفحة الغلاف وهو من نتاج باترك طربيه فهو صورة ليد "بشرية" اصطناعية تبدو بشرية لكن أوردتها وشرايينها وأعصابها وشروشها.. تتألف من أسلاك معدنية عديدة وأصابعها السوداء ترفع بالابهام والسبابة والوسطى كرة ملونة متوهجة هي الكرة الارضية. وفي أسفل الغُلاف صورة مأخوذة عن صفحة البحث في "ياهو" وقد جاء الجواب عن البحث المتقدم كما يلي "نتائج البحث.. لم نجد أي نتائج لتعبير "نيرمانا".
ننتقل الى "الداخل" اي الى قصائد الكتاب فنجد اننا ما زلنا في عالم شبكة الانترنت فكل قصيدة تحمل عنوانا هو "البحث"، وقد اعطي رقما معينا ابتداء بالرقم 1 عوضا عن القصيدة الاولى وهكذا دواليك. ولم ينته الامر بعد فالطباعة والحروف هي ايضا من عمل الكمبيوتر.
ولا بد من ان يذكر هنا ان شعراء بعد منتصف ستينات القرن العشرين المنصرم -ومنهم بل لعله "وحيدهم" اللبناني عادل فاخوري- كتبوا ما سموه "القصيدة الالكترونية" وحاولوا فيها محاكاة أجواء منها أجواء عالم الفضاء الخارجي وعالم العلوم الفيزيائية.
وقبل ان نسأل ما المقصود باسم نيرمانا ويذهب بنا الخيال في اتجاهات شتى منها ان نتصور ان المقصود هو نيرفانا أو عالم التسامي أو عالم الحلم المنقرض فلا بد من ان نلاحظ ان الشاعر استعمل الاسمين واكثر منهما بكثير لمدلول واحد تحول الى مستحيل جديد يضاف الى الغول والعنقاء وغيرهما.
والشافعي في شعره ساخر بمرارة حينا وباستهزاء حينا اخر. لكننا ربما وجدنا بين هذا وذاك خيطا دائما من الالم والخيبة والبحث عن زمن ضائع وسط ما يبدو غرائبيا أو حتى موحيا بانه دون اي معنى محدد.
في البحث رقم 2 نقرأ "سألتها من انت../ قالت../ انا انا/ سألتني من انت../ قلت انا انت/.. التهمت الامواج نيرمانا فصاحت بي../ الزم شقتك/ واغلق محبس الماء بسرعة."
وفي قصيدة البحث رقم 3 وقبل ان يعدد الاسماء كما اسلفنا نقرأ " مثلما تحضرين بسهولة في ضميري/ الذي لا محل له من الاعراب/ على ظهر احد الافيال المسالمة/ تتسربين ايضا في مسام جلدي المتشقق/ تشربك ذراتي المترابطة/ المتعطشة الى التحلل/ في الجير الحي."
وبعد هذه المقدمة التي يحتشد فيها العلمي و"اللغوي" بصورة موانع تقف في وجه الحب والحلم نصل مع الشاعر الى أسماء "نيرمانا" المتعددة وقد كتبت بالعربية ثم باللاتينية كما طلبها على الانترنت.
يقول داخلا في عمق تحركات الشبكة "تمشطين شعرك المجعد أمامي/ في حين اضغط بهدوء على لوحة مفاتيح الكمبيوتر/ اكتب حروف اسمك في محرك "ياهو": نيرمانا.../ نيرما/ نيرمينا.../ نيتا.../ نيرمالا.../ نيرفانا.../ نيرفا.../ ورينا.../ نوريتا / ناريمانا.../ نيرمينا.../ نون.../ نونا.../ ن.../ تجيبني الشاشة بابتسامة كمقذوفات السفن/ لها جناحان وذيل/ الا انها غير قادرة على الطيران".
ما الذي يقوله شريف الشافعي هنا؟.. تراه يقول انه لم يعد هناك مجال للأحلام بجميع انواعها ومسمياتها.. ام تراه يقول عكس ذلك لكننا لم ننتبه الى الامر.. ولعل في هذا الغموض نفسه جواباً مقصوداً. لكنه في البحث الخامس مثلاً يصبح اكثر "ايضاحاُ" او هذا ما يتراءى للقارىء. كأننا في عالم يستند الى "زرع الاحلام" بطريقة اصطناعية.
يقول "لست بحاجة الى ارتياد الفضاء/ بعد ان امتلكتُ اكثر من ألف فضائية/ في حجرة نومي/ ربما هذه الفضائيات هي التي امتلكتني واسرت ادميتي بصورها المتلاحقة/ لا ازال بحاجة الى ارتياد نونا/ والغوص في انسجتها ببذلة الفضاء/ بعد فشل الطبق والديكودر/ في التعامل مع اشاراتها القريبة والقوية".
ولعل هناك بعد الموت "عودة" من نوع ما. ففي البحث رقم 181 يقول شريف الشافعي "عندما تكون الحقيقة غبية/ يتعلق الانسان بحبل الغباء/ كي لا يصدقها" /لذلك/ عندما وزعت نيرمانا أشلاءها/ على جميع دول العالم/ تعلقتُ بأسطورة ايزيس وأوزيريس/ ومازلتُ انتظر يوما/ الملم فيه أجزاء فاتنتي المبعثرة/ وأركّب جسدها من جديد".
ترى هل يقول شريف الشافعي كل ما نظن اننا فهمناه او بعضه.. أم انه بعيد عن كل ذلك وان القارىء نفسه وقع أسيراً أو ضحية بحث عن "نيرمانا" أُخرى في هذه القصائد؟
2- سليم بو فنداسة: انقلاب أبيض في شعر العرب
============================
يقترح الشاعر المصري شريف الشافعي (المغترب حاليًا بالسعودية) في منجزه الرهيب: البحث عن نيرمانا بأصابع ذكية/ 200 محاولة عنكبوتية لاصطياد كائن منقرض، (الجزء الأول من: الأعمال الكاملة لإنسان آلي)، تجربة شعرية فريدة وغير مسبوقة في العربية. الشافعي لم يقدم إسهامًا شعريًّا رفيعًا فحسب، ولكنه فتح الشعر على فضاء غير مأهول، ووضعنا في مناخ يصعب الإفلات منه، لأن نيرمانا، طفلة الضوء الافتراضية، صارت لعنة تصيب كل من قرأ الكتاب المقدس، لصديقنا الإنسان الآلي.
إنها الحركة الرابعة لهذا الشاعر، الذي صدم الأوساط الشعرية المصرية بثلاثة دواوين: "بينهما يصدأ الوقت"، "وحده يستمع إلى كونشرتو الكيمياء"، و"الألوان ترتعد بشراهة"، ويستعد لإطلاق "غازات ضاحكة"، الجزء الثاني من: الأعمال الكاملة لإنسان آلي.
تنفتح السيرة الشعرية للكائن الآلي الظريف على إهداء غريب: "إلى الهواء الفاسد الذي أجبرني على فتح النافذة"، وقطعًا سنفتح النوافذ، ونستسلم للهبوب الضوئية المتلاحقة في نفس ملحمي، لا يدفع بنا إلى الملل..، لأنه، ببساطة، لا يتوقف عن إدهاشنا من سطر إلى أخيه.
"أقودُ سيارتي منذ عشر سنوات
ببراعةٍ حسدتني عليها الطرق
المفاجأة التي عانقتني
أنني فشلتُ في اختبار القيادة،
الذي خضعتُ له خارج الوطن
الضابط أخبرني
أنني أطلتُ النظر إلى المرآة
صارحته بأنني معذور في الحقيقة
كانت نيرمانا جالسة في المقعد الخلفي!"
ثمة دائمًا امرأة تجلس في المقعد الخلفي، وتحاول إدارة اللعبة، لكن سيدة اللعبة هنا مختلفة تمامًا كما راويتها المختلف. وبالطبع سيكون "مشروع الحياة" الذي يقترحانه مختلفًا ومثيرًا.
"خلف نيرمالا الممتدة أمامي كستار
أرى الحياة والموتَ بوضوحٍ على المسرح
وهما يتبادلان المقاعد والأدوار
وأرى نفسي مقبلاً نحوي بخطواتٍ متسارعةٍ
هل نيرمالا شفافةٌ إلى هذا الحدِّ،
أم أنها لا وجود لها؟"
تغير نيرمانا اسمها، كما تغير عاداتها، فهي نيرمانا ونيرمالا ونيرفانا ونيرمزاد....، كي تستوعب نساء كل الجهات، وتستوعب كل الرموز وحالات الوجد، وترسل بإشاراتها المدوخة إلى العاشق في كل حين. إنها الحياة الشهية التي يعيشانها، البديل الضروري لحياة رتيبة لا تطاق، البديل الذي يخترعه الشاعر في مشروع يقوم على البساطة الخادعة، البساطة التي تفضح الأعماق وتجمع الكائنات والموجودات في مشهد، هو "يوم حساب" يصفي فيه الشاعر ديونه مع الحياة، عبر كوميديا سوداء تستعيد الوقائع في تلميح هجّاء. وقد أسند المهمة لـ"روبوت" أخذ عادات الإنسان دون أن يكونه تمامًا أو إنسان مسخ في هيئة آلة دون أن يتخلّص من عاداته السيئة. لكننا سنتعاطف مع الرّاوية الآلي، ونتقمص عاداته، التي تنتقل إلينا عبر إشارات مغناطيسية.
"الساكنون في ناطحة السحاب
أطول مني بكثير
(وفقًا لصور الأقمار الصناعية البلهاء)
رغم ذلك،
لا أحقد عليهم
ولا على مساكنهم المؤمنة ضد الزلازل والرياح
أنا أراهم جيّدًا على حقيقتهم
هم لا يرون إلا ملامحي الافتراضية،
التي تخدم مصالحهم
في الجانب الآخر من الكرة الأرضية
أنا متفرغ
لقراءة كفي وأوراق الشجر
هم ليس لديهم وقت لمثل هذه القراءات
كما أن كفوفهم غير منقوشة
وأوراق شجرهم ليست خضراء
أنا حلم حياتي محارة لؤلؤ واحدة
أواصل فيها غيبوبتي اللذيذة
بعيدًا عن ضوضاء البشر وغباواتهم
هم ميتون من التعب
لرغبتهم في حصد لؤلؤ الكون كله
بالطرق الشرعية، وغير الشرعية
أنا أحب نيرفانا
وبالطبع أعتقد بوجودها
هم يحبون ألا يُحبَّ أحدٌ أحدًا
والأهمُّ بالنسبة لهم من نفي وجود نيرفانا
نَفْيُ من لا ينفي وجودها!"
يهجم الإنسان الآلي على الحياة، فيحولها إلى شعر. شعر موضوعته الحياة العادية، بلا زخرف أو تعقيد. والمذهل أن الشعرية تحققها الوقائع والمشاهد وليس اللغة، وهنا تكمن عبقرية الشافعي وفرادته: إنه يحول كل ما يصادفه إلى شعر، معتمدًا على لغة بسيطة، رغم ثقافته التكنولوجية والعلمية، التي يستثمرها بعفوية غريبة، لم تتحقق لشعراء عصرنا.. ربما لأنهم يعتمدون على البلاغات الجاهزة، أكثر من اعتمادهم على مادة الحياة، بمعنى أنه لا يعتمد على الكتب في مختبره، ولكنه يعتمد على الحياة، التي يحولها بكيميائه إلى معزوفات مسكرة. وفي السياق، لا يبخل الشاعر أبدًا بطيباته، التي ابتكرها في بدعه الشعرية السابقة (وهي ليست ضلالة على أية حال)، حيث تتحول الفانتازيا إلى لوحة أليفة، حين يدعونا مثلاً إلى حضور حفلة لمرضى الزهايمر، نختمها بأكل أصابعهم التي تقدم في أطباق شهية. أو يعرض علينا مشهدًا يقوم فيه قتلة ظرفاء بتذويب أطفال في حمض، قبل أن يعتذروا عن ذلك بلباقة. ولابد من التأكيد هنا أن غرائبية الشافعي ليست غريبة، إنها الغرابة المقنعة، التي تشبه غرابة غارسيا ماركيز. وهي محاولة للسخرية من حياة أخرى مفروضة، لا تحتمل غرابتها.. الشعر يقدم هنا فرصة لتفكيك العالم، دون أن يتخلى عن جماليته أو وظيفة الأمتع، التي خلق لأجلها.. وهنا تكمن خطورة الشاعر، التي جلبت له المحبة والعداوات.
"في اعترافات نحلةٍ في قسم الشرطةِ
ورد أنها تغش عسلها بالجلوكوز
في اعترافاتِ زهرةٍ في القسم نفسه
ورد أنها تغش رحيقها بالماء
في اعترافاتي أنا،
في منزلي ودون أي ضغوط،
ورد أني أغش الجميع،
حيث أحتضنهم بذراعين مستعارتين
بينما ذراعاي الحقيقيتان تطاردان نونا
أملاً في احتضانها".
تنتهي اللعبة، دون أن يتمكن الرجل الآلي من مراده، ولا حاجة له إلى عزاء، لأنه رجل الخسارات غير المبالي، ولأنه راهن على ما تعددت أسماؤه، فخدع الخسارات كلها.
"سألتني نيرمانا عن رأس مالي
قلت لها: أنتِ
سألتُها عن رأس مالها
قالت: مالي ليس له رأس".
وبعد،
تبدو الكلمات خجولة، في مقاربة تجربة شعرية هكذا. سننتظر غازات الشاعر الضاحكة، لأنه يدربنا على انتظاره، يدربنا على انتظار الشعر. ما أكثر الشعراء في زماننا، ما أقل الشعر!
3- د. حمزة رستناوي: الفضاء الشعري والفضاء الرقمي يلتقيان في تجربة الآلي
===========================================
يتحوّى الشعر فضاءً افتراضياً اصطلحنا على توصيفه بالمِخْيال الشعري، فضاء تنجزه القصيدة، يتشاكل مع الفضاء الواقعي عبر نسيجه اللغوي، ويتشاكل معه أيضا لكونه يمثل انزياحاً عن "الكتابة الافتراضية في الدرجة صفر".
فالكتابة الشعرية هي فضاء افتراضي، وكذلك الفضاء الرقمي، حيث إن شبكة الإنترنت تشكل فضاء افتراضيا حديث الظهور في التاريخ البشري.
ما هي العلاقة بين الفضاء الافتراضي الشعري والفضاء الافتراضي الرقمي؟
فكلاهما يمثل فعلاً تواصلياً، مُتَحَكّما به من قبل المستخدمين ضمن سياق بنية سابقة، قوامه- أي الفعل التواصلي- الكشف والمغامرة والملاحة navigation عبر فضاء من البيانات، وطرائق التشكّل الإلكترونية أو "الشعرية".
كلاهما يعبر عن فضاء افتراضي يتماهى ويتشابه مع حياتنا اليومية، من زاوية تركز ليس على التقارب، بل على التماهي والاكتشاف والمغامرة أو التوظيف المنفي.. الخ.
وفي الحقيقة لا يقتصر توصيف الفضاء الافتراضي Virtual Reality على الفضاء الرقمي والفضاء الشعري، بل هناك فضاءات متعددة، نجدها في الحكايات وأفلام الكرتون وأفلام الخيال العلمي وقصص الخوارق والمعجزات وأساطير الشعوب.. الخ.
يقدم الشاعر المصري شريف الشافعي في مجموعته "البحث عن نيرمانا بأصابع ذكية" (الجزء الأول من مشروع: الأعمال الكاملة لإنسان آلي، دار تالة، دمشق، ط2، يوليو 2009)، يقدم فرصة لدراسة العلاقة بين الفضاء الافتراضي الرقمي والفضاء الشعري، حيث إن الفضاء الشعري في المجموعة يتحرك ويبحر في فضاء رقمي افتراضي، فنحن أمام فضاء افتراضي مركب.
إن الفضاء الرقمي، وهو فضاء حديث نسبياً في الثقافة العربية، هو فضاء وافد إلينا من الغرب بكل حمولاته ومصطلحاته و"عوالمه غير الشعرية"، بما استقر ـ لدينا ـ من تعريف للشعرية كمفهوم يتسم بحساسية للتعامل مع المفردة واللغة ضمن مجالها الحيوي الخاص. وهنا تبرز قضية جديرة بالوقوف عندها في مجموعة الشافعي، ألا وهي الحضور الرقمي ـ الوافد ـ بصيغته الفجة أحيانا في اللغة الشعرية، بل في الحصن الحصين للغة العربية أي "الشعر".
"تمشطينَ شَعْرَكِ المجعّدَ بعصبيّةٍ أمامي
في حين أضغطُ بهدوءٍ على لوحة مفاتيح الكمبيوتر
أكتب حروفَ اسمكِ في مُحَرِّكِ (Yahoo)
نيرمانا Nirmana
نيرما Nirma
نيرميتا Nirmitta
نيتا Nitta
ميتا Mitta
تيتا Titta
نيرمالا Nirmala
نيرفانا Nirvana
نيرفا Nirva
نورينا Noreena
نوريتا Noritta
ناريمانا Narimana
نيرمينا Nermina
نون Noon
نونا Nona
ن N"
يستحضر الشاعر هنا تقنية اللعب اللغوي في بناء القصيدة، فهو يكتب القصيدة متأثراً ومستخدماً هذه التقنية على صعيد المفردة أو على صعيد اللوحة المشهدية المكونة من المفردة، ويظل اللعب فضاء لممارسة الحرية، ويستعير لغة رياضية وهندسية على غرار المعادلات الرياضية:
"أنا + نيرما = أنا
(مع أن نيرما ≠ صفر بالتأكيد)
أنا – نيرما = صفر
(مع أن "أنا" ≠ نيرما بالتأكيد)
أنا × نيرما = أنا ÷ نيرما
(مع أن نيرما ≠ ±1 بالتأكيد)"
أو يستحضر لغة تستخدم تقنية اللعب بالكلمات المتقاطعة:
"في الكلماتِ المتقاطعةِ
جميعُ الأسئلةِ الْمُسْتعصِية على الأفهامِ
أجبْتُ عنها هكذا:
|
ن |
ي |
ر |
م |
ا |
|
ي |
م | |||
|
ر |
ر | |||
|
م |
ي | |||
|
ا |
م |
ر |
ي |
ن |
المدهشُ،
أن إجاباتي كلّها جاءتْ صحيحةً"
لاحظ كذلك هذا المقطع:
"لذلك أخطأ إصبعي في نَقْرِهِ لوحةَ المفاتيحِ
كتبتُ "Normal" بدلاً من "Nirmala"
هنا ابتسم مُحَرِّكُ (Yahoo) بحنانٍ مفرطٍ"
هنا نجد محاولة لأنسنة محرك البحث ياهو؟
"الفرقُ بين نيرفانا و"Miss Universe 2007"
أن الأخيرةَ جغرافيا مستقرّةٌ في التاريخ
في حين أن نيرفانا
تاريخٌ يرفضُ الاستقرارَ فوق أيّةِ جغرافيا"
إن النصوص الشعرية في هذه المجموعة تضرب عرض الحائط بالذائقة التقليدية للشعرية العربية. نلاحظ حضورًا للغة الإنكليزية، نلاحظ اشتغالاً على الفكرة وليس على الجملة الشعرية. إن نصوص هذه المجموعة كتبت على غرار قصص الخيال العلمي، يشغلها هاجس البحث والكشف عن عوالم ومجاهيل، في فضاء افتراضي رقمي.
عنوان المجموعة الشعرية: "البحث عن نيرمانا بأصابع ذكية"، فهناك بحث: المغامرة، نيرمانا: كائن افتراضي، بأصابع ذكية: إحالة إلى الثورة العلمية والتقنية والخيال العلمي.
وهناك عنوان ثانوي للمجموعة الشعرية: "200 محاولة عنكبوتية لاصطياد كائن منقرض"، محاولة: المغامرة، عنكبوتية: تحيل للشبكة العنكبوتية "الإنترنت" وإلى فضائها الافتراضي الرقمي، لاصطياد: فكرة المغامرة، كائن منقرض: تكسير حاجز الزمن وإحالة لفضاء الخيال العلمي.
أما عنوان السلسلة الشعرية التي جاءت المجموعة كإحدى إصداراتها فهو: "الأعمال الكاملة لإنسان آلي"، الأعمال الكاملة: عمل موسوعي يتحوّى مصالح افتراضية لإنجاز كبير، إنسان آلي: يحيلنا للفضاء الافتراضي المستقبلي والخيال العلمي. فالمجموعة الشعرية تقوم على مغامرة البحث والكشف والتعرف على الكائن الافتراضي "نيرمانا".
لكن: من هي نيرمانا؟
يمكن تلمس الإجابة في متن النصوص الشعرية المعروضة:
- فهي كائن غير متفق على تسميته وتوصيفه، فهي : نيتا - ميتا- تيتا- نيرمالا- نيرفانا- نيرفا- نورينا- نوريتا- ناريمانا.
- وهي كائن محايث/ متعالٍ عن الإنسان، يتقاطع مع الأنثى الكونية والمحبوبة الصوفية:
"سَأَلْتُها: "مَنْ أنتِ؟"
قالتْ: "أنا أنا"
سَأَلَتْنِي: "مَنْ أنتَ؟"
قلتُ: "أنا أنتِ"
و"نيرمانا" جرس الإنذار المتكفل بتنبيه وحراسة الشاعر:
"التهمَت الأمواجُ نيرمانا، فصاحتْ بي:
"الْزَمْ شقَّتَكَ،
وأغْلقْ محبسَ الماءِ بسرعةٍ"
ونيرمانا من آيات الله المسبحة، لكن لا تفقهون تسبيحها:
"وحدي،
أواصلُ السجودَ للإلهِ المعبودِ في غُرْفَتِي
خاشعًا متضرّعًا
متمنّيًا أن تكونَ كلماتُ نيرمانا،
التي تردّدُها كثيرًا ولا أَفْهَمُها،
تعني "سبحانَ الله"
ونيرمانا هي السراب، الوهم، الهاجس المرضي:
"الأشعّةُ المقطعيّةُ على المخِّ
كشفتْ بوضوحٍ
عدم وجود خلايا مصابةٍ بـ"متلازمةِ نيرما"
وكذلك:
"جهازُ كشفِ الكذبِ
أطْلَقَ إشارةَ تنبيهٍ،
عندما سُئِلْتُ عن نيرما، فقلتُ: "إنها السرابُ"
فنيرمانا قابلة للتجلي بكل الأشياء، وهي لا شيء، فهل هي الحقيقة الصوفية للوجود؟ أم هي النور الإلهي؟ أم هي المونادات؟ هي النفس؟ الروح؟ البوذا؟ عشتار؟
لكن ما يميزها أنها كائن افتراضي، يتحرك في فضاء رقمي وشعري. هي الحقيقة الكبرى، ولكنها في نفس الوقت شيء عادي مبتذل، يعيش معنا، يومي؟! يظهر هذا في استخدام تقنية المفارقة في بناء نصوص المجموعة مثال:
"قبلَ أن أتشاجرَ معها
بسبب مزاحِها السخيفِ جدًّا
قالتْ بصوتٍ لَمْ أسمعْ مثله من قبل:
"سَامِحْنِي.. أنا فعلاً كَلْبَةٌ!"
إن مجموعة الشافعي "البحث عن نيرمانا بأصابع ذكية" عمل شعري مترابط، يتضمن مائتي قصيدة صغيرة أو على حد ما ورد على الغلاف "200 محاولة شعرية لاصطياد كائن منقرض". هو مغامرة شعرية ضمن فضاء متشابه على امتداد المغامرة، لذلك يمكن النظر إليه ككتاب ومنجز شعري، وليس ككتاب يضم قصائد شعرية. لكن ما يلاحظ، من وجهة نظر كاتب هذه السطور، أن نصوص الشافعي لا تقدم نفسها على ذات السوية، فهي متفاوتة من ناحية حضور التقنيات الشعرية، وتوظيفها الجمالي:
"أقودُ سيارتي منذ عشر سنواتٍ
ببراعةٍ حَسَدَتْنِي عليها الطُّرقُ/
المفاجأةُ التي عانَقَتْنِي
أنني فشلْتُ في اختبار القيادةِ،
الذي خَضعْتُ له خارج الوطنِ/
الضابطُ أخبرني
أنني أطلْتُ النظرَ إلى المرآة/
صَارحْتُهُ بأنني معذورٌ في الحقيقةِ
كانت نيرمانا جالسةً في المقعدِ الخلفيِّ!/
رغم عدم حصولي على الرُّخْصَةِ
شَعرْتُ بسعادةٍ لا تُوصَفُ
لأنني تَمَرَّنْتُ على قيادة ذاتي
في المشاوير الاستثنائيّةِ"
نجد توظيفًا للبناء القصصي، نجد هنا مفارقة شعرية جميلة، الفضاء الشعري كنقيض للفضاء الحياتي، حيث تتحكم بنا القوانين الهندسية، السخرية من الذات، والتأويل الشعري للفشل.
فهذه المجموعة تعرض لقصائد جميلة، توظف اليومي وتعتني بالتفاصيل، في إطار لوحة شعرية تعيد تجميع التفاصيل للوصول إلى إدهاش شعري جميل.
"فكّرْتُ أنا في وَضْعِ صورتِي على عُمْلَةٍ ماليّةٍ
أو حتى طابعِ بريدٍ
كي أرْتبطَ بقيمَةٍ ما
في حالةِ اختناقِ أنفاسِي
في مصنعِ التّبْغِ الذي أمْتَلِكُهُ"
وتقترب هنا من التوصيف الهيجلي للفن: "إن الفن يقدم لنا الأشياء ذاتها التي نراها في الطبيعة، لكن مستنبطة من الداخل، وهو لا يعرض الأشياء الطبيعية كما هي في الطبيعة، ولكن بعد أن يكون أضفى عليها طابعا مثاليا idealization، وبفضل هذه المثالية يضفي الفن قيمة على بعض الموضوعات التي تبدو تافهة أو غير ذات قيمة في ذاتها، ويجعلنا ندرك أبعادا جديدة في بعض الموضوعات". و بالمقابل عند هذه المحاولة:
"غير معتَرَفٍ بالفلز الْمُشِعِّ "نيرمانيوم"
في الجدولِ الدوريِّ الحديثِ للعناصرِ الكيميائيّةِ
هو من اكتشافي أنا
ولا أحدَ يصدّقُ وجودَهُ غيري
ربما لأنني الوحيدُ
الذي رحتُ ضحيّة تفاعلاتِهِ الانشطاريّةِ
ربما لأنني الكيميائيُّ الوحيدُ في هذا الوجودِ
أو ربما لأنني الوحيدُ
الذي لا أفقَهُ شيئًا في الكيمياءِ"
هنا يعتمد النص على تقنية الهذاء، والمفارقة فيه خافتة غير محفزة. لاحظ: النيرمانيوم هو فلز مشع من اكتشاف "كاتب النص"، "رغم أنه لا يفقه شيئا في الكيمياء". فالشاعر أحياناً يترك لنفسه ولقلمه العنان ليكتب دون تدخل من آليات الوعي إلا في حدود ضيقة، وهذا ما أدخل بعض قصائد المجموعة في سردية مفرطة قريبة، بل هي ذاتها اللغة اليومية من دون الاتكاء على تقنيات الإدهاش والمفارقة والانزياح، هذه التقنيات الأساسية التي لا يمكن للشاعر الاستغناء عنها. على سبيل المثال:
"مَشَيْتُ حافيًا فوق الأحجارِ والمساميرِ،
من منتصفِ الليلِ إلى الصّباحِ
ليس بمحضِ إرادتي،
ولا رغبةً في تقليدِ نيرمانا،
كما توهّمَ البعضُ
وكما توهَّمْتُ أنا/
الحقيقةُ السخيفةُ
أنني التزمْتُ – مُجْبَرًا - بقوانينِ السوقِ
حيث فُرِضَتْ على محلاتِ الأحذيةِ،
والمحلاتِ كلها،
مواعيدُ صارمةٌ
لفتحِ وإغلاق أبوابها".
4-د. عادل بدر: نقلة حيوية لقصيدة النثر: الجوهر المشعّ يفضح الحضارة الزائفة
======================================
في إخراج متميز، صدر في القاهرة ديوان "البحث عن نيرمانا بأصابع ذكية" للشاعر شريف الشافعي، وهو الجزء الأول من مشروع كبير اختار له الشاعر عنوان "الأعمال الكاملة لإنسان آلي"، حيث يتحدث "الروبوت" على صفحاته بلسان الأرقام، "الصِّفْر" و"الواحد" على وجه الخصوص، لغة الآلة، لغة المبدع، المتمرد على قوانين قطيع الروبوتات/البشر، الطامح إلى قلب المفاهيم، وإحداث ثورة، على مستوى الاكتشاف والمنطق والكتابة على أقل تقدير.
يشتمل الديوان على 200 محاولة عنكبوتية لاصطياد كائن منقرض، وهو عمل له السبق في هذا المجال، وهو نقلة حيوية لقصيدة النثر العربية بكل المقاييس، يمثل محاولات خلاص لإنسان مستلب أمام الشبكة العنكبوتية، وهذا الإنسان الآلي يبحث عن ذاته المنقرضة، وعن نيرمانا ذات الأسماء المتعددة، فإذ به يفضح بالجوهر الشعري غير البديعي الحضارة الزائفة، ويمزق خيوط الإنترنت.
صدر الديوان في طبعة خاصة، في 235 صفحة من القطع الكبير، وبإخراج ميكانيكي الطابع، يتسع لأصابع "الروبوت" الذكية، ولعلامات ورموز شبكة الإنترنت العنكبوتية، وهذا ما يبدو متسقًا مع مضمون التجربة، التي كتبها "الإنسان الآلي"، المبدع، المتمرد على سائر القيود، والقوانين الهندسية والرياضية. وقد جاء هذا النص/الديوان بعد "بينهما يصدأ الوقت" الصادر عام 1994 في إطار سلسلة كتاب إيقاعات الإبداعى، و"وحده يستمع إلى كونشرتو الكيمياء" الصادر عام 1996 عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، و"الألوان ترتعد بشراهة" الصادر عام 1999 عن مركز الحضارة العربية في صيغته الكاملة (1035 صفحة)، وعن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة فى شكل مختارات، في السنة ذاتها.
بالالتفات إلى العنوان، الذي هو تيمة هذا الخطاب، أي نقطة بدايته، نجده قد نُظم بطريقة تجعله متمركزًا حول بؤرة واحدة، ذلك "الإنسان" الباحث عن نيرمانا أو نيرما أو تيتا أو نيرمالا أو نيرفانا أو غيرها من مراحل السمو، التي يسعى إليها هذا المستلب، وهذا العنوان قد يكون ملخصًا لموضوع الخطاب في الأعمال الشعرية لإنسان آلي، وفي رؤية أخرى أحد التعبيرات الممكنة عن موضوع الخطاب، وهو وسيلة خاصة وقوية للتغريض، فهو يثير توقعات قوية حول ما يمكن أن يكونه موضوع الخطاب.
والغلاف يثير تساؤلات كثيرة، ويختصر ما ينم عنه النص الشعري، فالتركيز يبدو أكبر على الصورة المعبرة، هذه الأصابع الذكية تأخذ القسم الأكبر من صفحة الغلاف، وهو من نتاج الفنان اللبناني باتريك طربيه، فصورة اليد بشرية/اصطناعية، تبدو بشرية لكن أوردتها وشرايينها وأعصابها تتألف من أسلاك معدنية عديدة، وأصابعها السوداء ترفع بالإبهام والسبابة والوسطى كرة ملونة متوهجة هي الكرة الأرضية. وفي أسفل الغُلاف صورة مأخوذة عن صفحة البحث في "ياهو"، وقد جاء الجواب عن البحث المتقدم كما يلي "نتائج البحث: لم نجد أي نتائج (لتعبير) نيرمانا".
ومنذ الإهداء "إلى الهواء الفاسد، الذي أجبرني على فتح النافذة"، ندخل هذا العالم المليء بالطقوس، والتفاصيل البسيطة، مما يحرك سردية هذا النص.
وهنا أطرح سؤالاً: ما مدى انسجام هذا النص؟
بدءًا ليس هناك نص منسجم في ذاته، ونص غير منسجم في ذاته، باستقلال عن القاريء/ المتلقي، بل إن المتلقي هو الذي يحكم على نص بأنه منسجم، وعلى آخر بأنه غير منسجم، ويستمد الخطاب هذا الانسجام من فهم وتأويل المتلقي، وكل نص قابل للفهم والتأويل هو نص منسجم، والعكس صحيح.
وبملاحظة أعمال الإنسان الآلي للشافعي، تستوقفنا عدة نقاط:
طغيان السرد على هذه النصوص، وهي ظاهرة تستحق التأمل، فهناك جمل سردية تأخذ شاعريتها من التشكيل الجديد لها، أو من طريقة استخدامها في السياق "المغنطيس الأحمق، الذي يصر على أنني برادة حديد، لن يفوز أبدًا بنخالتي الذهبية" (ص 71).
حشد التفاصيل دون حذلقة، فهو يدخل النص من زاوية السرد السينمائي المتدفق "تتسربين بسهولة في مسامٍّ جلدي المتشقق، تتشربك ذراتي المترابطة، المتعطشة إلى التحلل في الجير الحيّ" (ص 7). واللجوء إلى هذه اللغة يمزج الذات بالآخر (نيرمانا وغيرها من الأسماء)، وهذا الاهتمام بالتفاصيل اليومية، هو نوع من التخلص من اللغة النبوية الفخمة، فالشاعرية تنبع من السياق "خطيئة نيرمانا الكبرى، أنها ترى خطيئتي بوضوح، وخطيئتي الكبرى، أنني لا أرى لديها أية خطيئة" (ص 103).
هذه النصوص، يُقرأ كل منها على أنه لقطة سينمائية؛ بحيث تعطي كلاً لرؤية الإنسان الآلي، فسرد الحالة هنا مركز النص، ففي النص الأول يبدو البحث عن الدهشة، فرغم البراعة في قيادة السيارة، نجد الدهشة في فشله في اختبار القيادة خارج الوطن "المفاجأة التي عانقتني، أنني فشلت في اختبار القيادة، الذي خضعت له خارج الوطن" ( ص 5). وهنا ننبه إلى (النص/اللقطة)، وهو نص مشهدي دائري، يستخدم لغة أقرب إلى السيناريو السينمائي بالأفعال المضارعة "في الدورة الأوليمبية المقبلة، ربما أحصل على ميدالية ذهبية، في لعبة الحب/ أمر غير طيب حقًّا، أن أقف مبتسمًا على منصة التتويج الثلاثية، بين فهدين آخرين، أعرف أنهما تمكّنا من احتضانها بعدي" (ص 130)، وهو سيناريو دخل الذات الشعرية.
سرد العالم الجواني، الباحث عن بلاغات جديدة "رغم عدم حصولي على الرخصة، شعرتُ بسعادة لا توصف، لأنني تمرّنت على قيادة ذاتي، في المشاوير الاستثنائية" (ص 5). فالنص يتخلص من البلاغة التقليدية، فالإنسان الآلي لم يعد يناسبه ذلك الأسلوب البديعي المزخرف، فما يناسبه تكسير هذه البلاغة، وهذا يناسب التجربة.
صوفية بعض النصوص؛ من أجل الابتعاد عن حركة الحياة الطبيعية، وكأنها شهادة مرور إلى الآخر، عن طريق الغيبيات "سألتها: من أنتِ؟ قالت: أنا أنا/ سألتني: من أنتَ؟ قلتُ: "أنا أنتِ" (ص 6)، وهذا يذكرنا بقول الحلاج "أنا من أهوى ومن أهوى أنا، نحن روحان حللنا بدنا".
(النص/التوقيعة) الذي يميل إلى الإدهاش البصري أو اللغوي "وهل حقًّا كلامي عديم اللون والطعم والرائحة" (ص 107)، "سألتها عن رأس مالها، قالت: مالي ليس له رأس" (ص 170).
النص الذي يحمل الحكمة والخلاصة للتجربة البشرية فيما يسمى (اللافتة الشعرية)، وهو سطر شعري يحمل عصارة تجربة: "قلتُ له بحماس: أعطِ كل واحد من الشعب (بالمجان) هذا الرغيف الشهيّ الطريّ، القابل للتجدد دائمًا" (ص 160)، وقد يحمل فكرة فلسفية شعرية "نون أغرتني بالتعاون معها، لإنشاء نونا محدودة المسئولية، قلتُ لها: أنا أكبر من أن أكون ألفًا زائدة، في نهاية اسمك التجاريّ" ( ص 161).
5- عبد المنعم الشنتوف: الروح تفيض شعرًا في زمن الإنسان الآليّ
=====================================
يعد الاقتراب من تجربة الشاعر المصري شريف الشافعي قريناً للسفر بأفقه الشعري المفتوح على موضوعة المغامرة وما تستتبعه من احتفاء بسمات الاحتمال والكشف والدهشة. ولأن الشعر في أحد تعريفاته الجميلة إبداع باللغة والخيال لعوالم ممكنة تتسم بتعاليها عن الواقع اليومي بإكراهاته وتمثيلاته السائدة، فإن الرهان الأساس لهذا التحقق النصي الأخير يتمثل في التعاطي الشعري مع اليومي بتفاصيله ومعجمه الخاص بما يستلزمه ذلك من خلق مسافة بينه وبين الذات. على امتداد قصائد هذا الديوان، يلفي القارئ نفسه أمام حالة اغتراب عميق تفسح المجال أمام تضاد شبه مطلق بين الواقع اليومي الذي يرمز إليه بشكل باذخ الإنسان الآلي وعالم ممكن حرص الشاعر على تأثيث فضاءاته بشهوة شعرية حارقة وجعل من نيرمانا أيقونة له.
يعتبر الشاعر شريف الشافعي أحد الأصوات الشعرية المهمة في المشهد الشعري المصري المعاصر. ويعتبر الجزء الأول من مشروعه (الأعمال الكاملة لإنسان آلي) والموسوم: (البحث عن نيرمانا بأصابع ذكية) التحقق الرابع في منجزه الشعري بعد "بينهما يصدأ الوقت" الصادر عام 1994 في إطار سلسلة إيقاعات الإبداعي، و"وحده يستمع إلى كونشرتو الكيمياء" الصادر عام 1996 عن الهيئة العامة لقصور الثقافة و"الألوان ترتعد بشراهة" الصادر عام 1999 عن مركز الحضارة العربية في صيغته الكاملة (1035ص) وعن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة في شكل مختارات في السنة ذاتها.
هل يمكن النظر إلى إيثار الشاعر إهداء نصوصه إلى الهواء الفاسد الذي أجبره على فتح النافذة بمثابة عتبة للقراءة والفهم أو قرينة نصية يمكنها أن تتضافر مع قرائن أخرى لاستشراف تأويل ينسجم باتساقه وتناغمه؟ تفصح ثنائية الانغلاق والانفتاح عن حضورها من حيث هي توطئة لتقديم الإنسان الآلي ونيرمانا إلى القراء المفترضين. ذلك أن الأول يتحرك ويتنفس ويمارس طقوس عيشه اليومي الموسوم بالرتابة والتكلس داخل فضاءات مغلقة تخضع لسطوة الكوابح والحدود والمتاريس المادية والرمزية، فيما تحطم الثانية كل الأسوار وتهزأ بالمتعاليات وتشرع جسدها لريح الحرية العاتية. وإذا كان الإنسان الآلي تجسيدا للثبات والجمود والممارسات الفاقدة للحياة، فإن نيرمانا رمز للحركة والتحول المطرد والزوغان والانفلات من أي حصر أو تحديد:
"أمام إصرارِ نيرميتا الشديدِ
على لعبِ مباراة بنغ بونغ بالكرة الأرضيّةِ
اضطررْتُ إلى الموافقةِ
كان سهلاً عليها جدًّا
أن تُمَرِّرَ الكرةَ بالمضربِ من فوق الشبكةِ
من ملعبِها إلى ملعبها
لأنها لا تؤمنُ إطلاقًا بالحدودِ
بين نصفِ الطاولةِ الكونيّةِ، ونصفِها الآخَرِ
ولأنها قصدتْ باللعبِ.. مجرّد اللعب/
بالنسبةِ لي
رغم أنني قصدتُ باللعب.. مجرّد اللعب،
كنتُ أجدُ صعوبةً في تمرير الكرةِ من فوق الشبكة
خشيةَ اتهامي بمعاداةِ الحدودِ السياسيّةِ بين الدول
ومناصرة النزعاتِ الكونيّةِ
ذات الثمارِ الملوّنةِ والأوراقِ الخضراءِ
والظّلالِ السوداءِ المخيفة"
يبدو واضحا في هذا السياق أن هذا النص يقدم نيرمانا أو نيرميتا باعتبارها تجلياً للحرية في تمثيلاتها القصوى. وليس أدل على ذلك من هذه الصورة الشعرية المدهشة المتمثلة في لعب البنغ بونغ بالكرة الأرضية؛ إذ أنها تدفع بالرغبة في خلخلة نسق القيم والأعراف والرؤى إلى التخوم القصوى. ولأن هذه الحرية المنشودة تشبه ريحا عاتية تعلو على الفضاءات المغلقة ونواميسها الجاهزة، فإنها تصبح والحالة هاته عصية على أي تحديد. وبهذا الصنيع، يلاحظ القارئ تعدد أسماء هذه الأيقونة؛ فهي نيرمانا كما يشي بذلك العنوان الملتبس والخادع للديوان، لكنها في الآن نفسه نيرميتا ونيرما ونيتا وميتا وتيتا ونيرمالا ونيرفانا ونيرفا ونورينا ونوريتا وناريمانا ونيرمينا ونون ونونا. تبدو الأيقونة باعتبارها كائنا افتراضيا وأثيريا يحيل إلى الحلم وما يستلزمه من فوضى وصخب ومغامرة ورغبات وصبوات مكبوتة:
"يَعرفُ الهاتفُ أنها هِيَ
فيخجل من حرارتهِ المرفوعةِ مؤقَّتًا
وينبض بحياةٍ
لا تتحمَّلُها أسلاكُ أعصابي
نيرفانا
"صباح الخير" من شَفَتَيْها كافيةٌ جدًّا لأتساءلَ:
"كيف سأتحمَّلُ رائحةَ البشرِ أمثالي
بعد أن غمرني عِطْرُ الملائكةِ؟!
"تصبح على خيْرٍ" من عينَيْها صالحةٌ جدًّا
لزرع الفيروس اللذيذِ في عقلي الإلكترونيِّ الْمُنْهَكِ
وَمَحْوِ خلايايَ السليمةِ والتالفة"
تفصح نيرمانا أو نيرفانا عن حضورها على امتداد قصائد الديوان باعتبارها مطهرا يلوذ به الشاعر لكي يتخلص من أغلال اليومي بعاداته المستقرة وإفرازاته وروائحه الفاسدة. ولأنها كذلك؛ فإنها تعلو على ما هو فيزيقي لتعانق طهرانية ملائكية. يبدو الشاعر حريصا على القبض على سمات الغرابة التي يستشعرها حيال الواقع اليومي ووطأته الكاتمة للأنفاس. وهو إذ يأتي بهذا الصنيع، فلكي يخلص إلى مغايرة جذرية تسعفه بد ورها في استشراف حضور مختلف و مفرط في وسمه الافتراضي. ولأن الشاعر يمعن بضراوة في لهاثه خلف نيرمانا المنفلتة وأقنعتها المتعددة، فإن الكشوفات تتوالى بكثافة دالة. يتعمق وعي الشاعر حينها بقبح الواقع اليومي وأعطابه القاتلة وتتضاعف جرعات الجسارة في النقد والفضح. تتقدم السخرية الجارحة باعتبارها سبيلا إلى القطيعة مع اليومي والتوحد بنيرمانا وأقنعتها. تأسيسا على ذلك، يكون الوعي الساخر بقبح العالم ورتابة وجاهزية اليومي سبيلا رئيسا للتعالي عنه. ولعل في هذه الصورة ذات المفارقة الساخرة الحادة التي يؤثر فيها الشاعر تأجيل قلي السمك إلى المساء كي لا يحرق الزيت المتطاير فراشة هائمة في قفصه الصدري ما يمثل ذلك. غير أن ذروة هذا الوعي الساخر تتمثل في هذه الأبيات التي يكشف فيها الشاعر عبثية وجوده الآلي:
"أقودُ سيارتي منذ عشر سنواتٍ
ببراعةٍ حَسَدَتْنِي عليها الطُّرقُ
المفاجأةُ التي عانَقَتْنِي
أنني فشلْتُ في اختبار القيادةِ،
الذي خَضعْتُ له خارج الوطن"
يخوض الشاعر على امتداد قصائد الديوان حواراً جريئاً وحميماً مع نيرمانا وأقنعتها المتعددة. وفي هذا السياق، يتلقى منها فيضا من الوصايا أو الإشراقات تعمق من حالة الاغتراب حيال الواقع واليومي وتضاعف من جرعات الطهرانية. تزداد قوة وكثافة التوق إلى العيش داخل العالم الممكن بما يستلزمه ذلك من حرص على شعرنة الوجود. سوف يكتشف القارئ مع اطراد إنصاته العميق للنصوص أن نيرمانا ووجوهها المتعددة ليست تمثيلا للمرأة/ الأنثى كما سعى الشاعر إلى الإيهام بذلك بذكاء شعري لافت، وإنما تعبيرا عن القصيدة باعتبارها عالما ممكنا و حلما لذيذا ينتهي بكابوس العودة المكرهة إلى الواقع اليومي. ولأن اعتياد الظلام ينتهي كما يبوح الشاعر بقليل من الرؤية فيما الألفة بأشعة نورينا تستشرف النهاية المؤكدة والمتمثلة في عدم القدرة على الإبصار، فإن السعي المحموم إلى مصاحبة القصيدة ينتهي بحكم العادة بعجز مزمن عن النظر إلى الواقع اليومي وتفاصيله. في هذا السياق،إذن، تنوب الأصابع الذكية بوساطة النقر على لوحة المفاتيح أو الكتابة بالحبر عن العين في الإمساك اللحظي والعابر بنيرمانا وأخواتها. ويمكننا أن نرى في ذلك إشارة شعرية قوية إلى أن الحلم بالإقامة الدائمة داخل كون القصيدة أو نيرمانا ينتهي دائما بالفشل الذريع. ذلك أن قوة الافتراض تبقى موسومة بالهشاشة والانتهاء أمام سطوة الواقع اليومي وإكراهاته:
"الجلبابُ الأخيرُ
الذي نَزَعْتُهُ عن حبيبتي الْمُسَمّاةِ "نتيجة الحائطِ"
أصابَنِي بِأُمِّ الْهزائمِ
حيثُ ذَكّرنِي بـ365 يومًا من الفشلِ
حاوَلْتُ خلالها اصطيادَ نيرمانا العارية"
لقد احتفى شريف الشافعي في مغامرته الإبداعية بشعرية الاحتمال بما يستلزمه ذلك من تجذير لسمات الانفتاح والالتباس والتعدد. وحيث إن هذا الرهان الشعري كان موصولا بمطلق أو كائن في طور الانقراض هو نيرمانا تعددت صور الارتقاء إليه، فإن القيمة الجمالية التي سعى إلى إضافتها لا تعدو كونها قدرة القصيدة على أن تجلو الصدأ عن وجودنا اليومي. لم يكن من قبيل الصدفة والحالة هذه أن نتلمس الحضور الكثيف على امتداد النصوص لنيرفانا باعتبارها قناعا آخر لنيرمانا ومطهرا تلوذ به الذات الإنسانية حين تضيق ذرعا بوطأة اليومي وتفاهاته.
الحاجة إلى أن يتنفس الإنسان الشعر في زمن الإنسان الآلي هو لعمري الدرس البليغ لنيرمانا والأصابع الذكية..
6- نبيل المقدم: حياة شعرية خارج كليشيهات الحياة
============================
يقتحم الشاعر المصري شريف الشافعي في "البحث عن نيرمانا بأصابع ذكية" (الجزء الأول من مشروعه الكبير: "الأعمال الكاملة لإنسان آلي"، القاهرة، 2008)، منطقة إبداعية بكرًا، يتجسد فيها "الروبوت" متحدثًا عن ذاته بلغة رائقة شفيفة، خالية من مكسبات الطعم والألوان الصناعية، ناقلاً صورة أمينة لمكابدات وإحباطات الإنسان المعاصر، أينما كان، في نقاط النصر الزائف على هذه الأرض، أو نقاط الهزيمة، ففي الحالتين: الإنسان مكبل بقيود الحياة الرقمية الجامدة، مفتقد جذوته المشتعلة، منسلخ من هويته وإرادته الحرة وقدرته على اتخاذ قرار بحرية، منصهر في مشتركات جمعية أذابت خصوصيته وفردانيته. يقول الروبوت المتمرد على القطيع، الرافض لقوانين البرمجة البشرية، الثائر على مستجدات عصره الاقتصادية والسياسية والعسكرية والاجتماعية والعلمية، التي قادت الإنسانية إلى هذا النفق المظلم، الذي خضع كل شيء فيه للحساب والمعادلات الرياضية، حتى معدلات المواليد والوفيات:
"الأهمّ لماكينة ميتة
من الكهرباءِ وبرنامج التشغيلِ،
أن تصبحَ قادرةً على الْحَشْرَجِةِ وقتما تشاءُ"
امتدت تجربة الشافعي على مائتين وخمس وثلاثين صفحة من القطع الكبير، مبينًا في ذيل الكتاب أن الجزء الثاني سيحمل عنوان "غازات ضاحكة"، وقد انقسم "البحث عن نيرمانا" إلى "200 محاولة عنكبوتية لاصطياد كائن منقرض"، كما يشير عنوان الكتاب الفرعي. وهذه المحاولات هي ـ من جهة ـ تحسس مادي لفيزياء نيرمانا بالاستعانة بشبكة خيوط العنكبوت، ومن جهة أخرى هي استشفاف روحاني لنيرفانا الافتراضية بمعاونة خطوط شبكة الإنترنت العنكبوتية، رمز تقنيات العصر التي يمتلكها الروبوت الفقير إنسانيًّا. أما الإهداء، فهو: "إلى الهواء الفاسد، الذي أجبرني على فتح النافذة"، بوصف تلك النافذة طاقة سحرية يطل منها الروبوت الطموح، بل يقفز، ليفتتح رحلته الدائرية خلف نيرمانا، أو ذاته السرابية المنقرضة، التي يدرك مسبقًا أنه لن يجدها، لكن هذه الرحلة هي البديل الوحيد لحياة زائفة، محنطة، منتهية إكلينيكيًّا في غرفة كونية معقّمة، كان لابد أن تلوثها نيرمانا بفيروس التمرد اللذيذ:
"يَعرفُ الهاتفُ أنها هِيَ
فيخجل من حرارتهِ المرفوعةِ مؤقَّتًا
وينبض بحياةٍ
لا تتحمَّلُها أسلاكُ أعصابي
نيرفانا
"صباح الخير" من شَفَتَيْها كافيةٌ جدًّا لأتساءلَ:
"كيف سأتحمَّلُ رائحةَ البشرِ أمثالي
بعد أن غمرني عِطْرُ الملائكةِ؟!"
"تصبح على خيْرٍ" من عينَيْها صالحةٌ جدًّا
لزرع الفيروس اللذيذِ في عقلي الإلكترونيِّ الْمُنْهَكِ
وَمَحْوِ خلايايَ السليمةِ والتالفةِ
لماذا لَمْ تظهرْ نيرفانا
في الصورةِ الديجيتال التي الْتَقَطتُها لها؟
وهل حقًّا أنا عندي هاتفٌ؟!"
وقد اتسق إخراج الكتاب بصبغته الميكانيكية الرياضية، مع مضمونه الواقعي والافتراضي في آنٍ، ولغته التلغرافية المحددة، الأقرب إلى الصيغة الرقمية (لغة الصفر والواحد)، المشبّعة بوقود الروح ودفء الحياة، فجاءت التجربة المتوهجة ـ بروحها وجسدها ـ انفلاتًا حقيقيًّا من أسر الكليشيهات الشعرية السائدة في المشهد الشعري المصري والعربي، الأمر الذي حدا بعض المحللين والنقاد إلى وصف "الأعمال الكاملة لإنسان آلي" بأنها "انقلاب أبيض في شعر العرب"، ونقطة التقاء حميمة بين منجزات قصيدة النثر الحديثة وإرهاصات الإبداعات الإلكترونية الوليدة. هي تجربة ضد الإجراءات، ضد البرمجيات، خارج شروط الريموت كونترول في يد القوة المهيمنة، أية قوة، ضد سيادة النظام، أي نظام، ويفصح الروبوت عن هذا المعنى في كثير من المقاطع، التي لا تخلو بالضرورة من مخاطبة نيرمانا أو إحدى مشتقاتها (نيرما، نيرميتا، نيرمالا، نيرمزاد، نيرفانا، نورينا، نوريتا، نيرمينا، نيتا، ميتا، تيتا، نيرفا، نونا، نون، ن):
"تتمنّى ساعةُ القلبِ
لو تُخْطِئُ التوقيتَ مرةً واحدةً
فتدقّ دقّتينِ مثلاً
في تمامِ الواحدة!
هذا ليس معناهُ أنني أرغبُ في امرأتينِ
- حاشا -
الله يشهدُ أنني مصابٌ بالتُّخمَةِ من النّسَاءِ
كلّ ما في الأمر،
أنني أودُّ طَمْأَنَةَ نيرمانا
أن كواكبَ المجرّةِ، وإلكتروناتِ الذّرّةِ
من الممكنِ ألا تنتظمَ في دورانِها"
تجدر الإشارة إلى أن "البحث عن نيرمانا بأصابع ذكية" قد صدر في طبعة خاصة، إيمانًا من الشاعر بأن مثل هذا المحتوى والسمت الإخراجي يخصان الإنسان الآلي في الأساس، وكان ضروريًّا أن تخرج التجربة بالصورة التي يرضى عنها الروبوت المبدع، بعيدًا عن شروط الناشرين وقيودهم! والشافعي من مواليد مدينة منوف بدلتا مصر في عام 1972، وله ثلاثة دواوين شعرية سابقة، هي: "بينهما يَصْدَأُ الوقتُ"، 1994، سلسلة "كتاب إيقاعات الإبداعي"، و"وَحْدَهُ يستمعُ إلى كونشرتو الكيمياء"، 1996، الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، بالإضافة إلى "الألوانُ ترتعدُ بشراهَةٍ"، 1999، الذي صدر في أكثر من ألف صفحة عن "مركز الحضارة العربية" بالقاهرة، وصدر له أيضًا كتاب بحثيٌّ بعنوان "نجيب محفوظ: المكان الشعبيّ في رواياته بين الواقع والإبداع" عن الدار المصرية اللبنانية عام 2006.
7- محمد نبيل: قصائد مشتعلة في مواجهة جليد الرقمية
================================
أقدم الشاعر المصري شريف الشافعي على خطوة جديدة في مسيرته الشعرية، حيث صدر له في القاهرة الجزء الأول من مشروعه الكبير "الأعمال الكاملة لإنسان آلي"، بعنوان: "البحث عن نيرمانا بأصابع ذكية"، ونوّه الشاعر في نهاية الكتاب (230 صفحة من القطع الكبير) إلى أن الجزء الثاني من "الأعمال الكاملة لإنسان آلي" سيصدر بعنوان "غازات ضاحكة".
يشتمل غلاف الجزء الأول من "الأعمال الكاملة لإنسان آلي" على الكثير من العناصر الدالة، المرشدة إلى أجواء هذه الكتابة الطازجة المغايرة، التي اختطها "روبوت" الألفية الثالثة، فاضحًا بها سوءات عصره الغارق في التسليع والميكنة والتقنية، وباحثًا بها عن ذاته الإنسانية المفقودة، النابضة بحرارة ـ رغم كل شيء ـ تحت جليد الحياة الرقمية، بل إن تلك الذات ـ على ضعفها وتلاشيها ـ لا تزال تحلم بإمكانية استردادها لفردانيتها وخصوصيتها، وتمردها على آليات السوق وأيديولوجيا التنميط وتوحيد حركة الروبوتات (البشر) وفقًا لقوانين صارمة، وبرمجيات لا يديرها إلا الريموت كونترول في يد القوة المهيمنة. إن الماكينة الفذة حقًّا في هذا العصر هي التي تؤمن ـ كما ورد في أحد مقاطع الكتاب ـ بأن "الأهَمَّ من الكهرباءِ وبرنامج التشغيلِ، أن تصبحَ قادرةً على الْحَشْرَجِةِ وقتما تشاءُ"، ولعل الشاعر ذاته قد انطلق في رحلته الإبداعية الاستكشافية متزوّدًا بمثل هذا الإيمان، ليغرد وحده خارج السرب، ويقول كلماته الحرة الجديدة في المشهد الشعري المصري والعربي، مرتادًا منطقة بكرًا، يتقاطع فيها الإبداع الورقي المألوف، والإبداع الإلكتروني الوليد، بحميمية دافئة، تروق للمتخصص والمهتم والقارئ العادي. وقد جاءت هذه الكلمات متشحة بالبساطة، على عمقها، فهي في الأساس لغة "الروبوت"، لغة الآلة، لغة الصفر والواحد، أي أنها بالضرورة لغة مباشرة، توصيلية، محددة، دقيقة، غير متحلية بالإيقاعات الموسيقية ولا المجازات ولا الصور البيانية ولا أي مساحيق ماكياجية. حتى فنون الخط العربي وجماليات الحرف الطباعي، آثرت تلك اللغة أن تتجرد منها، ليبقى الشِّعر وحده على المائدة، يبقى كائنًا صافيًا مجرّدًا، أزرق اللون والطعم والرائحة فوق بياض الصفحات، لا يجاوره سوى "العلامة المائية" الرمادية الباهتة على كل صفحات الكتاب، وتمثل نموذجًا هندسيًّا متآكلاً لإنسان آلي، أعضاء جسده عدة مستطيلات ودوائر ومثلثات.
تشير واجهة الغلاف غير التقليدي (الذي اشترك في تصميمه الفنانان اللبناني باتريك طربيه والمصري محمد عمار) إلى أن "البحث عن نيرمانا بأصابع ذكية" هو الجزء الأول من "الأعمال الكاملة لإنسان آلي"، وإلى أن هذا البحث يشتمل على "200 محاولة عنكبوتية لاصطياد كائن منقرض" (كما ورد في العنوان الصغير أسفل العنوان الرئيس). وتُظهر لوحة الغلاف أصابع "آلية" فولاذية تمسك بالكرة الأرضية وتقلّبها للبحث فيها، وأسفل اللوحة يوضح محرك ياهوو (YAHOO SEARCH) على الإنترنت أن نتيجة البحث عن مفردة "نيرمانا" (Nirmana) هي نتيجة سلبية تمامًا. فكأن الباحث عن نيرمانا، عن الأخرى أو عن ذاته أو عن المفقود (المنقرض) عمومًا، يدرك منذ البداية أنه لن يعثر على ضالته، لكنه يستمر في بحثه رغم ذلك، طالما أن هذا هو المسلك الوحيد الذي يعني التشبث بالحياة. ويُبرز ظهر الغلاف الإنسان الآلي جالسًا أمام كمبيوتره الشخصي، حيث تخترق الأصفار المتعددة رأسه، وهو يبحث بنهم عن نيرمانا بتجلياتها وأسمائها المتعددة، بالعربية والإنجليزية بل والهيروغليفية: نيرمانا، نيرما، نيرميتا، ناريمانا، نيرفانا، نورينا، نوريتا، نيرمينا، نيتا، ميتا، تيتا، نيرمالا، نيرفا، نونا، نون، ن،..، في حين تحلّق طيور بيضاء عملاقة في فضاء الغرفة. ويحمل لسان الغلاف (من الداخل) صورة شخصية للشاعر، وصورة لأصابع أخرى (بشرية هذه المرة)، ممسكة عدسة مكبرة لتساعدها في التفتيش في خريطة ضخمة تضم آلاف النقاط، وبين الصورتين عبارة تقول: "دُوّنتْ هذه التجارب في غرفة مجهزة بالقرية الكونية، في الفترة من مطلع الألفية الثالثة، إلى نهاية عصر الورق". أما عبارة الإهداء فتقول: "إلى الهواء الفاسد، الذي أجبرني على فتح النافذة". والنافذة، أو جسر الخلاص من سوء التهوية، قد تكون نافذة حقيقية للإطلال والاكتشاف بشكل مباشر، وقد تكون نافذة إلكترونية (Window) للبحث الإلكتروني، تمامًا مثلما أن "200 محاولة عنكبوتية لاصطياد كائن منقرض" قد تكون محاولات للاصطياد المادي المباشر بمساعدة شبكة خيوط العنكبوت، وقد تكون محاولات افتراضية للاصطياد بالاستعانة بخطوط شبكة الإنترنت العنكبوتية، أي بالاستفادة من تقنيات العصر والملكات المتطورة للروبوت البائس، التائه بين ماضيه وحاضره، والمتشكك في مستقبله المرهون بعثوره على نيرمانا! كذلك، فإن "الأصابع الذكية" التي تطارد نيرمانا، قد تكون رامية إلى تحسسها مباشرة بحاسة اللمس، وقد يكون ذكاؤها الصناعي ـ الآلي ـ هو سر نجاحها في تحديد موقع نيرمانا.
ينقسم الكتاب إلى مائتي محاولة للبحث عن نيرمانا، حيث تظهر نيرمانا ـ بتيماتها المتعددة ـ في جميع المقاطع، جنبًا إلى جنب مع الأنا المتحدثة بلسان الإنسان الآلي. وقد تم ترقيم محاولات البحث من 1 إلى 200 كعناوين للمقاطع، وإلى جوار كل رقم صورة لمفتاح البحث الإلكتروني الشهير (SEARCH)، الذي يتم النقر عليه عند إجراء بحث إلكتروني على الإنترنت من خلال محرك ياهوو أو جوجل مثلاً. وهذا يوحي بأن الباحث (الروبوت) يستعمل كافة إمكاناته وطاقاته وخزائنه المعرفية من أجل محاولة الوصول إلى نيرمانا، تلك الشخصية "النونية"، متعددة الوجوه، التي تعني احتمالات تأويلية لا حصر لها،..، الأنثى أوضحها بالتأكيد، لكنها الأنثى ذات الطبيعة الخاصة، كما تكشف مقاطع النص. يقول الشاعر (الإنسان الآلي، أو الإنسان الذي حوّله "عصر الأرقام والتحكم عن بعد" إلى آلة) في المقطع الأول من الكتاب (.SEARCH، 1):
"أقودُ سيارتي منذ عشر سنواتٍ
ببراعةٍ حَسَدَتْنِي عليها الطُّرقُ
المفاجأةُ التي عانَقَتْنِي
أنني فشلْتُ في اختبار القيادةِ،
الذي خَضعْتُ له خارج الوطنِ
الضابطُ أخبرني
أنني أطلْتُ النظرَ إلى المرآة
صَارحْتُهُ بأنني معذورٌ في الحقيقةِ
كانت نيرمانا جالسةً في المقعدِ الخلفيِّ!
رغم عدم حصولي على الرُّخْصَةِ
شَعرْتُ بسعادةٍ لا تُوصَفُ
لأنني تَمَرَّنْتُ على قيادة ذاتي
في المشاوير الاستثنائيّةِ"
إن فشله في قيادة السيارة وفقاً لقواعد المرور (السلطة) سببه الرئيس هو الظهور الأول لنيرمانا، ربة التمرد والفوضى المرغوبة، ونسف قوانين الحياة الجامدة، المنظمة لدرجة الرتابة. إن التطلع إلى نيرمانا هو التمرين الأول في حصة استعادة الذات وإمكانية ترويضها وقيادتها من جديد. لكن التطلع إلى نيرمانا (نونا) وفك شفرتها يحتاج إلى بذل الكثير من الجهد، كما يقول في المقطع الخامس (.SEARCH، 5):
"لستُ بحاجةٍ إلى ارتيادِ الفضاءِ
بعد أن امْتَلَكْتُ أكثرَ من ألفِ فضائيّةٍ
في حجرة نومي
(ربما هذه الفضائياتُ هي التي امْتَلَكَتْنِي
وَأَسَرَتْ آدميَّتي بصورها المتلاحقةِ)
لا أزالُ بحاجةٍ إلى ارتيادِ "نونا"
والغوصِ في أنسجتها ببذلةِ الفضاءِ
بعد فشلِ الطَّبَقِ والدّيكودر
في التعامل مع إشاراتِها القريبةِ والقويّةِ"
وينوّع الشاعر، الروبوت، في استخدام أسماء نيرمانا حسب ما يقتضيه المقطع الشعري، وهي ذات معانٍ مستمدة من لغات وثقافات متعددة، فضلاً عن أنها أسماء أنثوية صارت تُستخدم في مصر والعالم العربي، فنيرمانا ـ مثلاً ـ هي أولى مراحل التجسد البشري الفيزيائي الملموس لبوذا عند البوذيين، ونيرفانا هي القيمة الروحية العليا لدى البوذيين أيضًا، وهي طريق الخلاص، والنور الداخلي، والخلود، والنجاة، وقمة الصفاء النفسي، و نيرمالا في الثقافة الهندية هي الفتاة الطيبة الشفافة، وناريمانا هي جميلة القوام، ونورينا ـ ونوريتا ـ هي المضيئة المشرقة (مشتقة من النور في اللغة العربية)، ونيرمينا هي الناعمة، ونونا ونون و(ن) هي دواة الحبر، وهي الحوت، وهي الفلك السابحة، وهي رمز التكوين، ودليل الأنوثة، ومبتدأ النور والنار. إن نيرمانا إذن ماثلة في كل الثقافات، مثلما هي حاضرة في كل العصور، وهذا ما يزيد من إصرار الباحث (الروبوت) على تتبعها من محطة إلى أخرى، عبر المكان وعبر الزمان. وحينما أخطأ الشاعر، الإنسان الآلي، ذات مرة في النقر على لوحة مفاتيح الكمبيوتر، فكتب "نورمال" (Normal) بدلاً من أحد أسماء "نيرمانا"، كان هذا المقطع العاشر (.0SEARCH، 1)، الذي يتجلى فيه الفرق بين نيرمانا وبين إناث الأرض، مثلما يتجلى الفرق بين الروبوت المتمرد (المتحدث) وبين سائر أفراد القطيع من المروَّضين المستسلمين الساكتين، يقول:
"لَمْ أكن محتفظًا بقدْرٍ كافٍ من التركيزِ
ربما بسبب آلام الظهرِ،
التي زادت حدَّتُها مع طول فترات الجلوسِ
في المكتب وفي المنزل
لذلك أخطأ إصبعي في نَقْرِهِ لوحةَ المفاتيحِ
كتبتُ "Normal" بدلاً من "Nirmala"
هنا ابتسم مُحَرِّكُ (Yahoo) بحنانٍ مفرطٍ
نساءُ الأرض كلهن زُرْنَنِي في تلك الليلة
طيورُ الزّينةِ كلها دَاعَبَتْ مُخِّي بلطْفٍ
كان أمرًا محرجًا حقًّا
أن أتثاءب عدة مراتٍ
بل أنام فعلاً
قبل أن أوزّعَ الحلوى على ضيوفي
مع أن الكَرَمَ من كروموزوماتي الوراثيّةِ!"
ومن خلال رحلات البحث عن نيرمانا، يرسم الشاعر ـ الروبوت ـ صورة بانورامية لذاته ولعصره في آن، ويضع يده على أبرز المستجدات الاقتصادية والسياسية والعسكرية والاجتماعية الخ الخ التي قادت الإنسانية إلى هذا المصير البائس، حيث لا مكان للفرد في معمعة سحق الجموع، وحيث تتم ممارسة كل الأمور والشرور بحساب: الاحتلال والقتل بحساب، الإنتاج والاستهلاك بحساب، المواليد الجدد بحساب، التربية والتعليم والتثقيف بحساب، العمليات الحسابية نفسها بحساب، الخ الخ. يقول في (.131SEARCH، ):
"في آخرِ ليالي الحربِ القذرةِ
بدأ القصفُ الجوّيُّ هادئًا
ثم اشتدَّ فجأةً
الجيرانُ كلّهم
في شارعنا المزدحمِ
فرّوا إلى الخنادقِ الجماعيّةِ
بمجرّد استماعِهم لصفّارةِ الإنذارِ
أطفأْتُ أنوارَ المنزلِ بسرْعَةٍ
تسلّلْتُ وحدي من السلالِمِ الخلفيّةِ
قاصدًا خندقًا انفراديًّا
بَنَتْهُ نيرمانا خصيصًا لأجلي
في غفْلةٍ من عيونِ الغزاةِ البرابرةِ
مرّتْ ساعتانِ بسلامٍ
شعرْتُ خلالهما بأنني طائرٌ في قفصِ الحريّةِ
لَمْ أعلمْ ماذا حدث بالضبطِ بعد ذلك
لكن الأمر شبه المؤّكد
أن الصاروخَ الذكيّ
اخترقَ الخندقَ من فتحة التهويةِ
وَحَوَّلني إلى بقعةٍ حمراءَ على حائطِ المقاوَمةِ
مع أن قذيفةً صغيرةً مسيلةً للدموعِ
- أو حتى مسيلة للّعَابِ –
كانت كافيةً جدًّا
لإغراقي في بحرٍ عميقٍ
شديدِ الملوحةِ والوحشيّةِ"
وفي مثل هذه الأجواء الجافة القاسية، التي تتم فيها ترجمة كل عناصر الوجود، كل القيم والأخلاقيات، إلى حسابات وأسعار وأرقام، تمتزج رغبة الروبوت في الوصول إلى نيرمانا بالرغبة في مخالفة القوانين الخانقة، كل القوانين، حتى تلك القوانين التي ليست من صنع البشر، يقول في المقطع العشرين (.20SEARCH، ):
"تتمنّى ساعةُ القلبِ
لو تُخْطِئُ التوقيتَ مرةً واحدةً
فتدقّ دقّتينِ مثلاً
في تمامِ الواحدة!
هذا ليس معناهُ أنني أرغبُ في امرأتينِ
- حاشا -
الله يشهدُ أنني مصابٌ بالتُّخمَةِ من النّسَاءِ
كلّ ما في الأمر،
أنني أودُّ طَمْأَنَةَ نيرمانا
أن كواكبَ المجرّةِ، وإلكتروناتِ الذّرّةِ
من الممكنِ ألا تنتظمَ في دورانِها"
وتأتي علاقة الشاعر، الروبوت، بنيرمانا متذبذبة على مدار المقاطع كلها، فهو قد يتشكك في وجودها في بعض المقاطع، ويغلب عليه الظن أنها من بنات أفكاره، وقد يراها بوضوح مع الآخرين في مقاطع أخرى، وقد يراها وحده دون سواه، وقد تمكث معه فترة ثم تختفي، وقد يدرك آثارها أحيانًا ولا يدركها هي، وهكذا تبقى نيرمانا هي اللغز الأبدي الذي لا حل له، يقول عن نيرمانا في (.199SEARCH، ) الذي يرصد فيه ذوبان الحدود الفاصلة بين الدول والهويات في عصر العولمة:
"آثارُ أحذيةٍ على الرمالِ
تؤكّدُ أن الجنودَ مَرُّوا من هنا
في طريقِهِمْ إلى الحدودِ والأسلاكِ الشائكةِ
ربما لتأمينِها بأسلحَةِ الماضي
وربما لإزالتِها تمامًا
بأسلحةِ المستقْبَلِ
رمالُ نيرمانا وغبارُِها الذّرّيُّ،
فوق جِلْدِي وَجِلْدِ حذائي،
تؤكّدُ أنها اخْتَرَقَتْ حدودي وأسلاكي الشّائكةَ
عابرةً من مكانٍ ما
إلى مكانٍ ما"
وتتخذ نيرمانا صيغًا أقرب إلى المثالية أو اليوتوبية في بعض المقاطع، حيث لا تقبل أن توضع في برواز بشري، من قبيل إطار صورة فوتوغرافية ديجيتال، كما في (.6SEARCH، ):
"يَعرفُ الهاتفُ أنها هِيَ
فيخجل من حرارتهِ المرفوعةِ مؤقَّتًا
وينبض بحياةٍ
لا تتحمَّلُها أسلاكُ أعصابي
نيرفانا
"صباح الخير" من شَفَتَيْها كافيةٌ جدًّا لأتساءلَ:
"كيف سأتحمَّلُ رائحةَ البشرِ أمثالي
بعد أن غمرني عِطْرُ الملائكةِ؟!"
"تصبح على خيْرٍ" من عينَيْها صالحةٌ جدًّا
لزرع الفيروس اللذيذِ في عقلي الإلكترونيِّ الْمُنْهَكِ
وَمَحْوِ خلايايَ السليمةِ والتالفةِ
لماذا لَمْ تظهرْ نيرفانا
في الصورةِ الديجيتال التي الْتَقَطتُها لها؟
وهل حقًّا أنا عندي هاتفٌ؟!"
في حين ترتدي نيرمانا ما هو بشري خالص، وتدخل في جدل وصراع مع بطل النص في مقاطع أخرى، كما في المقطع الثاني بعد المائة (.102SEARCH، ):
"سألَتْنِي نيرما عن طقوسِ العشقِ المتداوَلَةِ
في كوكبي الترابيِّ الذي أَشْهَرَ إفلاسَهُ
قلتُ لها:
"هي ضرائبُ خاصةٌ جدًّا
يحسبها المرءُ بدقّةٍ متناهيةٍ
إذ تجبُ عليه 25 قُبلةً لصاحبتِهِ
عن كل ساعةٍ قضاها في سريرٍ آخرَ غير سريرها"
قالتْ لي بلهجةٍ ترابيّةٍ ناريّةٍ هوائيّةٍ مائيّةٍ
من داخلِ ناموسيّتِها الْمُحْكَمَةِ
بعد أن أحْدَثَتْ بها فتحةً كبيرةً
بحجْمِ ما تمزّقَ من حيائِها وحيائِي:
"لكَ عندي إذن 750 قُبلةً
إجمالي مستحقّاتِكَ من عواطفي الملتهبةِ
على مدار 30 يومًا"
وقد تبدر من نيرمانا، التي تطبعت بسمات البشر بعد استقرارها المؤقت على ظهر الأرض، السلوكيات غير المنطقية أو غير السديدة في بعض المقاطع. والمحصلة ـ دائمًا ـ في جميع محاولات البحث عن نيرمانا، أن دوام التواصل معها ـ حتى لو تم الوصول إليها ـ هو المستحيل بعينه، بغض النظر عن المتسبب في حدوث هذا الخلل في التواصل. يقول في (.151SEARCH، ):
"أحضرُ عادةً مسابقاتِ الجمالِ
للتأكُّدِ من أن الذي أبحثُ عنه ليس موجودًا
أحضرُ عروضَ الأزياءِ
للتأكُّد من أن العُرْيَ التامَّ لا يزالُ أفضلَ
أحضرُ جولاتِ المصارعةِ
للتأكّدِ من أنني الألَمُ الذي يفوق احتمالَ البشرِ
أحضرُ المناسباتِ العائليّةَ
للتأكد من أن هناك أيامًا
بطعمِ فصولِ السّنةِ الأربعةِ
أَحْضُرُ حَفْلاتِ توقيعِ نيرما كُتُبَها الجديدةَ
للتأكّدِ من أنني كتابُها القديمُ جدًّا!"
وفي النهاية، وبعد الدوران دورة شمسية كاملة، بعدد أيام السنة الميلادية، يتيقن الباحث أن اصطياد نيرمانا العارية، الحقيقة المجردة، هو بمثابة القبض على الدخان، ومع ذلك، فقد يكون الفشل المتكرر أو "أم الهزائم" هو نقطة البداية من جديد، مثلما أنه نقطة النهاية. يقول في المقطع الأخير من الكتاب (.200SEARCH، ):
"الجلبابُ الأخيرُ،
الذي نَزَعْتُهُ عن حبيبتي الْمُسَمّاةِ "نتيجة الحائطِ"
أصابَنِي بِأُمِّ الْهزائمِ
حيثُ ذَكّرنِي بـ365 يومًا من الفشلِ
حاوَلْتُ خلالها اصطيادَ نيرمانا العاريةِ"
8- الشعر لا يخضع للتخطيط ولا العمليات الحسابية (حوار: محمد الحمامصي)
==========================================
خصوصية تجربة الشاعر شريف الشافعي لا تنبع فقط من كونها تسعى للاختلاف عن مجمل تجارب جيله من التسعينيين والأجيال السابقة عليه، ولكن أيضا من كونه استطاع أن يحمل نصه تجليات لغة وتشكيل مفتوحي الأفق ورؤية تنزع إلى القبض على أوجاع داخلية ذاتية وخارجية محيطة بها، وقد تواصل سعيه الدؤوب والخاص نحو صوت لا يتشابه مع آخرين بدءا من ديوانه "بينهما يَصْدَأُ الوقتُ"، 1994، و"وَحْدَهُ يستمعُ إلى كونشرتو الكيمياء" 1996، و"الألوانُ ترتعدُ بشراهَةٍ"، 1999، وأخيرا ديوانه "البحث عن نيرمانا بأصابع ذكية". يُذكر أن الشاعر شريف الشافعي من مواليد مدينة منوف في عام 1972، وقد تخرّج في قسم الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة، ويعمل صحفيًّا في مؤسسة الأهرام، وسكرتير تحرير مجلة "نصف الدنيا" الأسبوعية، من الكتب النقدية التي تناولت أعماله: "العنوان وسيميوطيقا الاتصال الأدبي"، للدكتور محمد فكري الجزار، و"معرفية النص" للدكتور وائل غالي شكري، و"تحولات الشعرية العربية"، للدكتور صلاح فضل.
** هذا الاحتفاء بديوانك "الأعمال الكاملة لإنسان آلي" إعلامياً ونقدياً، كيف تجد صداه لديك؟
** الصدى الإعلامي والنقدي الطيّب، من أجيال وتيارات متعددة، الذي قوبل به الجزء الأول من مشروعي الشعري الجديد "الأعمال الكاملة لإنسان آلي" (صدر في القاهرة في يوليو 2008 بعنوان "البحث عن نيرمانا بأصابع ذكية") جعلني أشعر أن تسع سنوات من عمري لم تضع سُدَىً، أقصد تلك الفترة ما بين صدور ديواني "الألوان ترتعد بشراهة" في عام 1999 في أكثر من ألف وثلاثين صفحة، وصدور كتابي الأخير، الذي اختطه "روبوت" العصر الحديث، أو ذلك الإنسان الذي تمت "ألينته"، وفقد أسمى ما فيه من ملامح وخصائص جوهرية.
** لكنك كنت شبه غائب خلال هذا السنوات عن المشهد؟
** لم أكن غائبًا عن المشهد الشعري، ولم أكن أيضًا أخطط أو أحسب، فالشعر لا يخضع للتخطيط ولا العمليات الحسابية. لقد تأخر الإصدار بعض الشيء، ربما، لكن "المكابدة" و"الاشتغال الداخلي" كانا مستمرين طوال السنوات التسع (غير العجاف)، مع مراعاة أمرين، أولهما: أن "الألوان" قد استنفدت قدرًا كبيرًا من الطاقة، فكان الإتيان بتجربة مغايرة طَموح يتطلب قدرًا من الارتماء فوق حشائش الترقّب. والأمر الثاني: أن "ترجمة" التجربة إلى كلمات، ومن ثم إصدارها في كتاب، ليس إلا المحطة الأخيرة في عملية الإبداع المعقّدة. لقد شهد شهر يوليو 2008 صدور أول أجزاء "الأعمال الكاملة لإنسان آلي"، ربما من الممكن تحديد اللحظة التي بدأتُ فيها كتابة هذا النص بيدي، لكن تكوين تلك التجربة وبلورتها بداخلي بدأ منذ سنوات بالتأكيد. الجزء الثاني بعنوان "غازات ضاحكة"، وهناك أجزاء أخرى، فرغتُ بالفعل من بعضها، ولم أفرغ بعد من "ترجمة" بعض أنسجتها إلى "كلمات"، لكنني مرتاح إلى أن القوة الضاغطة بداخلي قادرة على مد طوفان التجربة إلى أبعد الحدود.
** ما الذي دفعك لأن تنشر الطبعة الأولى من "البحث عن نيرمانا بأصابع ذكية" على نفقتك الخاصة وأنت تملك قدرة نشره في دور نشر خاصة ورسمية؟
** لم أختر أن أنشره على نفقتي الخاصة، لكنها إرادة المؤلف الحقيقي، أقصد ذلك الإنسان الآلي الذي يكتب أعماله الكاملة! لقد استأمنني على منتجه الفني، فكان عليّ ألا أخذله في أولى تجاربه الإبداعية! لقد جربتُ النشر في هيئات الدولة، وفي دور النشر الخاصة، وللأمانة لا أدعي أن أحدًا طلب مني حذف كلمة واحدةٍ مما كتبتُ، أو حاول التدخّل بأي شكل من الأشكال في أعمالي، لكن الأمر مختلف تمامًا في هذا النص الجديد عند ظهوره للمرة الأولى. كان لابد أن يُنشر خارج كل دوائر الشروط والبنود، كان مستحيلاً أن يتقيد بأي عقد مع وزارة الثقافة المصرية، أو مع أية دار نشر خاصة، مهما تبلغ درجة انفتاحها وحريتها. وأنا هنا لا أقصد فقط ما يتعلق بمضمونه، لكن أيضًا ما يتعلق بإخراجه الفني، والنواحي الطباعية. لقد أردتُ أن يكون هذا النص هو صورتي الداخلية "الكاملة" دون أي رتوش، تلك الصورة المجنونة التي تعكس التعرّي التام لإنسان القرن الحادي والعشرين، وأتصور أن رضاي التام عنها لم يكن ليتحقق لولا أنني حَمّضْتُ هذه الصورة وَطَبَعْتُها في معملي الشخصي، كما أريد أنا فقط، دون تدخّل من أي أحد، ولو بإلقاء نظرة عين على "الْمُنْتَج الفني" قبل صدوره. لقد كان الشكل هنا مكملاً للمضمون، بدءًا من الغلاف الذي هيأ القارئ للدخول إلى عالم شعري مختلف، كل ما فيه خاضع لقوانين الآلة، وانتهاء بالخلفية (العلامة المائية) وشكل ولون الحرف بنفس لغة الكمبيوتر (لغة الآلة). إن هذا الشكل هو الوعاء الوحيد الملائم لتلك الكلمات التي نطق بها الروبوت، فهي كلمات بسيطة، مباشرة، توصيلية، محددة، دقيقة، غير متحلية بالإيقاعات الموسيقية ولا المجازات ولا الصور البيانية ولا أي مساحيق ماكياجية. لقد كانت مغامرة بقدر ما كانت تحديًّا لقدرتي الشعرية، بحيث يبدو الشعر في هذا الديوان مجردًا من كل زينة، عاريًا إلا من قيمته هو وحده، فلا توجد أقنعة يمكن التخفي خلفها.
** ماذا أردت أن تقول بـ "البحث عن نيرمانا بأصابع ذكية"
** "البحث عن نيرمانا" (وهي أيضًا نيرفانا ونيرما ونيرمالا ونيرميتا ونونا وناريمانا ونيتا وميتا ونورينا ونون الخ الخ.. بقدر ما تتسع اللغات والحضارات والثقافات) هو في حقيقة الأمر بحث عن الذات الإنسانية المفقودة، بكل تجلياتها وصورها المتناقضة. بحث عن الإرادة الحرة، والعقلانية والمبادرة والفوضى المشروطة، والقدرة على اتخاذ القرار (الأهم لماكينة ميتة من الكهرباء وبرنامج التشغيل، أن تصبح قادرة على الحشرجة وقتما تشاء). بحث عن دفء الحياة، ولذة المحاولة والخطأ، ورائحة العرق، ووجع المشي بدون حذاء فوق الأشواك والمسامير. بحث عن الخلاص من أسر "القوانين" و"البرمجيات" و"الأرقام" التي حولت البشر إلى قطيع يمكن توجيه خطواته عن بعد بالريموت كونترول في يد القوة المهيمنة. ربما حملت نيرمانا الكثير من صفات وأسماء الأنثى في بعض المقاطع، لكنها الأنثى الكونية، ذات الطبيعة الخاصة، المختلفة بالتأكيد عن نساء الأرض، مثلما أن هذا الروبوت المبدع (المتمرد) مختلف عن بقية الروبوتات (البشر) المروَّضين المستسلمين الخانعين.
** لكن البعض رأى أن الديوان مجرد ترجمة لعلاقة عاطفية؟
** إن محاولة البعض قراءة النص "البحث عن نيرمانا" في ضوء علاقة عاطفية خضع لها الشاعر أمر فيه كثير من السذاجة والتسطيح، فالمتحدث هو الروبوت في الأساس، ووجود نيرمانا في الواقع ينفي التجربة الفنية كلية، فلو كانت حاضرة لما صار هناك مبرر للبحث عنها وتقفي خطاها، ولو عثر الروبوت على ذاته المفقودة، لانتهت رحلته المضنية.
** إذن هل يمكن القول إن الديوان تجربة اغترابك خاصة وأن اغتربت بالفعل؟
** الاغتراب عن مصر قرابة عامين، له دور بلا شك في تفعيل تجربة "الأعمال الكاملة لإنسان آلي"، حيث تحرم الغربة الإنسان من كثير من سمات الحياة العادية الطبيعية. لكن معنى الاغتراب الأكثر عمقًا وشمولية في النص متعلق باستلاب الذات، وغيابها، واحتلال ملكات الإنسان، وتوجيه مسلكه إلى حيث لا يرغب، وإثقاله بالقيود والضغوط الخانقة، بما يفقده شخصيته وهويته. إن قمة الاغتراب أن يفقد الإنسان إنسانيته، ولا يدري مَنْ هو.
9- شرحْتُ للنباتات كيفية التمثيل الضوئي ليلاً (حوار: بسام الطعان)
====================================
مثلما أنه يباغتُ قارئَ ديوانه الجديد "الأعمال الكاملة لإنسان آلي" بجوهر الشعر مباشرة، خارج مدارات المجازات والزخارف، فقد حرصْتُ على مباغتته مباشرة، بدون مقدمات..
ـ هل من لمحة تعريفية عن شريف الشافعي، كيف تصف للقارئ العربي الشاعر الذي بداخلك؟
= طبعًا أنت لا تسأل عن "بيانات" تحفظها جيدًا ذاكرة الأوراق، فهي متاحة للجميع. أنت تسأل عن الذي لم يرد في مستند، عن المحفور بالصدر، ولا يستطيع رصده جهاز رسم القلب الكهربائي، ولا تلتقطه عيون الكاميرا الديجيتال.
أنا يا صديقي نقطة حبرٍ جديدة، لم توضع فوق حرفٍ ثابت، ومساحة ما متوقّعة، لم تتشكّل نهائيًّا بعد. في يدي نصفُ زهرة بيضاء، في يد العالم نصفها الآخر. وحدي، أراهن على اكتمال البياض. ما أخطر الرحلة، بعد انسحاب ظلي المضيء فجأة، ربما لالتقاط الأنفاس، ربما لانحسار الوقود! الفرق الجوهري بيني وبين ظلي، أنني لا أخشى أبدًا نفاد رصيدي من الطاقة، لأن منبعه حيوية الحياة.
ليست معي بوصلةٌ واحدة صادقة، أتحسس بها الجهات الجغرافية والمغنطيسية، لكنني أؤمن بأن الجهات الأصلية كلها يمكن الاهتداء إليها بالقوة الروحية، ومعانقتها بالحواس الخمس المعروفة، والحواس الذائبة في الضمير، بدون أن تحمل خطواتي رائحة إبرة ممغنطة.
أنا المشتاق دائمًا إلى الذي لم يكن أصلاً، لا أصدق أن النجوم تحدثت عني كما قيل لي، لأنني أرى القمر الصامت يحكي عني أكثر.
أنا جسر الحوار الحميم بين الإنسان الآلي والإنسان الإنسان، قصيدة برزخية تصل العالم الحقيقي بالعوالم الافتراضية والإلكترونية، خفقاتُ قلبٍ بغير عروقٍ، شحناتُ برقٍ بلا أسلاكٍ، نقاطُ إنترنت مضيئة بدون خيوط عنكبوتية، فيروسات نشطة تدور عكس عقارب الساعة، عكس صدأ الوقت، عكس برامج تشغيل الكمبيوتر والقوانين الأساسية للروبوتات.
أنا المنزلق حافيًا فوق أرض خشنةٍ، الهازئ بِمُعامِل الاحتكاك وشروط الحياة الجامدة. أنا حامل التحيات للعناصر المشعّة بذاتها في الوجود، لا لمصابيح راضعةٍ من كهرباء.
أنا الذي حينما أَخُشُّ فراشة القز أحب أن أكون حرير روحها، وحينما أخرج من دودة القز لا أحب أن أكون حرير شرنقتها. أنا غير المتعادل دائمًا، حتى إذا سكنتْ روحي المصابةُ بالحموضة جسدًا قلويًّا. أنا الذي إن ذبتُ بسرعةٍ في البنّيّ المحروقِ، بديناميت معشوقتي المتعجّلة تصفيتي، لم أخش تحللي النبيل، بقدر ما أخاف على نضارة ناسفتي من فنجان قهوة سريعة التحضير. أنا الذي أمنّي نفسي بسلامة الوصول، ليس عن ثقةٍ، لكن لأن جُرحي سبقني ووصل "سليمًا"، إلى الضفة الأخرى من المتاهة!
ـ ماذا وجدتَ في الشعر حتى جعلته أول اهتماماتك الإبداعية؟
= الشعر عندي ليس اهتمامًا، بمعنى الاحتشاد والانشغال والقصدية. الشعر عملية حيوية، عادية جدًّا، لكنها لازمة للوجود، شأن التنفس والهضم. الشعر هو "التمثيل الضوئي" الذي فُطرت عليه روحي، وتمارسه ليل نهار، بكلوروفيلها الخاص جدًّا، ولا تستلزم آلية عملها طاقة الشمس كأوراق النباتات.
الميكانيزم معقد بالتأكيد، هذا أمر مسلّم به، لكنني لا أقف كثيرًا عنده، طالما أن العملية تحدث من تلقاء ذاتها (عملية تحويل طاقة الحياة إلى طاقة شعرية)، وطالما أن المنتج غزير وافر بفضل الله، والأهم أنه منتج جديد، مرغوب فيه، لا يشبه غيره، قادر على أن يترجم بأمانة شفرتي الوراثية، ويعكس مكابدات صديقي الإنسان في كل مكان، ويرسم صورة بانورامية لهذا العصر الآلي الرقمي الأجوف، بتركيز شديد.
أنا لا أبسّط الأمور أكثر من اللازم، ولا ألغي التخطيط والذهنية ومقومات الاحتراف ولوازم الثقافة والمعرفة التي تنبني عليها أية تجربة شعرية طموح، لكنني ـ صَدّقني ـ أراهن في الأساس على نفاسة المعدن بصورته النقية، على "الشعرية الخام" إذا جاز التعبير، وهذه هي الإجابة عن سؤالك ببساطة: إن الذي وجدتُه في الشعر هو "الشعر نفسه"، كما تمنيتُ أنا أن يكون، أي بالصورة التي تستهويني، ومن ثم فإنني أشرك القراء معي ببساطة وحميمية في ملامسة هذا الجوهر، الذي أراه مختلفًا نادرًا، من وجهة نظري أنا على الأقل.
ـ إلى أي مدىً يشغلك القارئ وأنت تكتب شعرك؟
= "إلى أي مدىً يشغلكَ القارئ؟!"، مثل هذا السؤال يشي بأن القارئ من المحتمل أن يغيب كليًّا أو نسبيًّا عن الكتابة، وإن حضر ـ ولو كليًّا ـ فإنه يحضر بقوة "الانشغال" و"الاشتغال"! ما هذا الفصل التعسفي بين الشاعر وقارئه، بين كيانين منصهرين تمامًا، بل كيان واحد، يغذّي أنسجته دمٌ واحدٌ، وهواءٌ واحدٌ؟!
أتصور أن "حياة الشعر" مرهونة في الأساس بكونه "شعر حياة"، فبقدرة النص الحيوي على النبض الطبيعي والحركة الحرة ـ بدون أجهزة إعاشة وأسطوانات أوكسجين وأطراف صناعية ـ تُقاس عافيته وخصوبته، ويتحدد عمره الحقيقي، ويمتد عمره الافتراضي خارج المكان والزمان. حضور القارئ، بل حلوله، في الماهية الإبداعية الملغزة، هو وضع طبيعي يعكس انفتاح المبدع كإنسان على أخيه الإنسان، ويعكس انفتاح الكتابة الإبداعية على العالم الحسي المشترك، والوقائع والعلاقات المتبادلة، وأيضًا على الأحلام والهواجس والافتراضات والفضاء التخيّلي غير المقتصر على فئة نخبوية دون سواها!
لقد أفسد الوسطاء (الذين لا يمتنعون) كل شيء، حتى صفاء العلاقة بين الشاعر وقارئه، عفوًا بين الشاعر ونفسه، فصار الشاعر يخاطب نفسه عبر وسيط، ويرى الحياة من خلال مناظير وتليسكوبات، مع أنها أقرب إليه من حبل الوريد! لقد أفسد الوسطاء ليس فقط رؤية العالم، لكن أيضًا "تشكيله" أو "إعادة صياغته" كما يقول البعض، فحلّت الأغذية المعقدة، المليئة بمكسبات الطعم والألوان الإضافية والمواد الحافظة، محل الصحي المستساغ المؤثر البسيط، الأقرب إلى الفطرة والبدائية، وهو الذي يترفع عنه البلاغيون المقولبون وذوو المفاهيم المعلبة، مع أن خبزهم اليومي وحصادهم المعرفي في جوهره من طحين البشر في علاقاتهم وتفاعلاتهم الطبيعية، ومع أنهم ارتضوا بنشر أعمالهم في كتب ومجلات من لحم ودم، يتم عرضها فوق أرفف مكتبات، وعلى أرصفة شوارع مزدحمة تدوسها أقدام البشر!
لتحديد (إلى أي مدىً "يشغلني" القارئ؟!) أقول بمنتهى البساطة: ليست هناك مسافة أصلاً بين الشاعر والقارئ، بشرط ألا تكون هناك مسافة بين الشاعر ونفسه. إن الشاعر الذي يقول ما لا يطمح أحدٌ أن يقوله أو يسمعه، أو ما لا يصلح أن يردده أحدٌ غيره، هو في الحقيقة لم يقل شيئًا، لأن فعل القول هنا أحادي ناقص، على أن هذا الأمر لا يتنافى مع مسلّمة أن الشاعر الكبير يجب أن يكون مغايرًا متفردًا، وتلك هي المعادلة الصعبة.
إن الاستمتاع الذاتي بالكتابة الحرة، كغاية أولى وأخيرة للشاعر، ووضاءة الاستشفاف النقي، وفردانية التعبير، وخصوبة وعمق التكثيف الشعري لحركة الحياة، والقدرة على بلورتها بذكاء في قطرات مضيئة مدهشة، أو ما يمكن تسميته عمومًا بـ"شعرية الشاعر، وآلياتها"، ليست أبدًا عوازل حرارية ولا أبراجًا عاجية، تفصل روح الشاعر المتقدة عن أرواح أخرى أقل أو أكثر نشاطًا تدور في الفلك نفسه، لكنها كلها تشكل جوهر الشاعر الفذ المتّقد، وطاقته الكبرى التي تمكنه من الالتصاق الحميم أكثر بالأرواح التي هي ملتصقة به أصلاً، فيقول الشاعر بفعل هذه الطاقة المتوهجة ما يتمنى القارئ أن يقوله إذا توفرت له هذه الصلاحيات التعبيرية التفجيرية.
وتظل معجزة الشاعر الحقيقية مقترنة بأنه هو الذي تمكن بالفعل ـ دون سواه ـ من قول ما تمنى الكثيرون أن يقولوه، على هذا النحو الطازج المدهش، وأنهم قالوا مقولته، بعد أن قالها، ليعبروا بها عن أنفسهم، ويفهموا أعماقهم وأعماق العالم أكثر. وهذا الأمر لا يتنافى أيضًا مع كون القصيدة النثرية الحديثة نتاج معاناة فرد في الأساس، وتلك معادلة أخرى أكثر صعوبة.
انطلاقًا من هذا، وفي القرية الكونية التي نعيش فيها الآن، وفي فضاء النشر الإلكتروني، وفي ظل امتلاك أغلبية الشعراء ـ وأنا منهم ـ مواقع شخصية على شبكة الإنترنت، أطمح ـ كشاعر ـ إلى أن أكون صوت نفسي بالضرورة، وصوت صديقي القارئ، صديقي الإنسان، في كل مكان، خصوصًا أن هموم البشر الملحة صارت تتعلق أكثر بمصيرهم المشترك، بوجودهم ذاته، وليس بقضاياهم الإقليمية المتضائلة.
في ديواني الأخير "الأعمال الكاملة لإنسان آلي": أنا الشاعر وأنا القارئ معًا، أنا قارئ ذاتي وقارئ قارئي، والقارئ قارئ ذاته وقارئي، والنص الشعري نصف زهرة تكتمل بالآخرين، والرهان معقود على قدرة النص على اختصار مكابدات إنسان القرن الحادي والعشرين في القارات الست، في المجتمعات المستضعفة، وفي بؤر القوة المهيمنة في الآن ذاته، لأن الإنسان ـ في الجانبين ـ مهزوم، وغائب، وبلا روح، يبحث عن ظل شعري يتنفسه.
ـ تحتل الرواية الآن المرتبة الأولى في ساحة الإبداع، وصار الكثير من الشعراء يحلمون بأن يكونوا من كتابها. أولاً هل القول صحيح؟ وثانيًا هل تحلم بأن تكون روائيًّا؟
= إن التصاق الوجدان العربي بالشعر هو التصاق حميم جدًّا، يدعمه إرث عظيم حافل. ربما تحقق للرواية الانتشار الكمي على نطاق أوسع، لكن القصيدة الحية المؤثرة، حينما توجد، تبدو أكثر تغلغلاً في روح قارئها بالتأكيد.
أنا لا أمتلك أن أحلم إلا بما أنا مؤهل له، ولستُ مؤهلاً لكتابة الرواية بالتأكيد، وحلمي الحقيقي أن يعود الشعر خبزًا يوميًّا للقراء، بشرط أن يلغي الشاعر المسافة بينه وبين نفسه في البدء، وبالتالي تذوب المسافة بينه وبين قارئه.
ـ هذه البرامج الجديدة التي نراها على الفضائيات مثل شاعر المليون وأمير الشعراء، ماذا تقدم من فائدة للشعر؟ وهل الشعر يقبل الإمارة والأمراء؟
= الأمر الإيجابي الوحيد في هذا الصدد هو أصل الفكرة المجردة، فكرة أن يتم تخصيص قناة أو ساعات مطولة للشعر. لكن البرامج، والآلية التي تدار بها هذه القنوات، ضربت أصل الفكرة في مقتل، فالذي تقدمه ـ عفوًا تبيعه ـ هذه الفضائيات ليس هو الشعر الطبيعي الحيوي المتشكّل الآن، بل تصورات الجمهور "الجاهزة" المسبقة عن الشعر المكرور، وفقًا لتخطيط تسويقي قائم على بيع ما هو مباع أصلاً، فضلاً عن اجترار الصورة النمطية الهزلية لشاعر القبيلة الإنشادي الشفاهي، المتطلع إلى التصفيق عبر كل تسديدة بلاغية يسددها ببراعة، صوب "الهدف" ـ النبيل بالضرورة ـ الذي يدعي أنه يراه بوضوح أكثر من غيره، بصفته نخبويًّا أو حتى فوق بشري! إنه أمر مثير للسخرية والإحباط في آن واحد أن يفكر البعض في النهوض بالشعر، ورفع ذائقة المتلقي، وربطه مباشرة بالشاعر، عن طريق "تحضير أرواح" النابغة والخنساء وسوق عكاظ معًا! أما "إمارة الشعر" على هذا النحو التليفزيوني الفج، فهي أيضًا من ذيول التصور التقليدي للشاعر المقرب من البلاط، المنعَّم بالأحاظي نظير القيام بدور محدد، المشهود له بالنبوغ من حكام، وجهات عليا، ولجان تحكيم وضعت شروطًا فيزيائية مسبقة للقصائد المرسلة إلى "المسابقة"!
وليس معنى ذلك طبعًا أن الشعراء الحقيقيين لا يتفاوتون في المستوى، لكن انتخاب الشاعر ـ أو الشعراء ـ الأكثر تميزًا في هذه الحياة لابد أن يكون انتخابًا طبيعيًّا شعبيًّا حرًّا، من واقع العلاقة المباشرة بين الشاعر وقرائه، فالشاعر الكبير الحاضر قادر على أن يكون كبيرًا وحاضرًا بكتابته فقط، وبتواصله الدءوب المثمر مع البشر، ومع حركة الحياة من حوله.
ـ كلمة حرة أخيرة؟
= هي مقطع صغير من "غازات ضاحكة" (الجزء الثاني من: الأعمال الكاملة لإنسان آلي):
"الغريبُ،
الذي يعبرُ الطريقَ
ليس بحاجةٍ إلى عصا بيضاءَ
ولا كلبٍ مدرّبٍ..
هو بحاجةٍ إلى أن تصير للطريقِ عيونٌ،
تتسعُ لغرباء"
10- الغُرْبَةُ أَسْكَنَتْنِي قصيدتي.. وقصيدتي مَنَحَتْنِي ألفَ وطنٍ (حوار: خلود الفلاح)
=========================================
"البحث عن نيرمانا بأصابع ذكية"، الجزء الأول من المشروع الشعري "الأعمال الكاملة لإنسان آلي"، والذي صدر مؤخرًا في طبعة ثالثة عن "سندباد للنشر والإعلام" بالقاهرة، يمثل نقطة التقاء بين الإبداع الورقي والإبداع الرقمي، حياة افتراضية تأخذ القارئ عبر أجوائها المستفيدة من معطيات العصر التقنية، لكن بحميمية لذيذة ومتمردة ترسم ملامحها.
الجزء الثاني "غازات ضاحكة"، والجزء الثالث "رسائل لن تصل إليها.. لأنها دائمًا أوف لاين"، سيصدران في القريب. فكرة المشروع أغرتني، لمعرفة المزيد، وكان لابد من حوار الشاعر المصري شريف الشافعي، صاحب هذه التجربة..
- "البحث عن نيرمانا بأصابع ذكية"، الجزء الأول من مشروعك "إنسان آلي"،..، حدثني عن أجوائه؟
= اسمحي لي بأن أفسح المجال لصديقي "الروبوت"، المؤلف الاعتباري للنص، لكي يفتتح الحديث بكلمات شعرية قليلة، لعل ذلك يكون مفيدًا في إضاءة أجواء هذه التجربة، التي تمثل البوح الإبداعي الأول للآلة بعد أن صارت إنسانًا، في ضوء تقدم علمي وتقني مذهل، أو البوح الإبداعي الأول للإنسان بعد أن صار آلة، في ظل تقهقر روحي مفزع. يقول الآلي، الذي تفضّل بترك مساحة لاسمي بجوار اسمه على غلاف الكتاب، ربما بوصفي مرآة له، أو بوصفه مرآة لي، في هذه الحياة الموصوفة لنا، وهذا العالم الذي استعمرته الغازات الخاملة:
"تتمنّى ساعةُ القلبِ
لو تُخْطِئُ التوقيتَ مرةً واحدةً
فتدقّ دقّتينِ مثلاً في تمامِ الواحدة!
هذا ليس معناهُ أنني أرغبُ في امرأتينِ
- حاشا -
الله يشهدُ أنني مصابٌ بالتُّخمَةِ من النّسَاءِ
كلّ ما في الأمر،
أنني أودُّ طَمْأَنَةَ نيرمانا
أن كواكبَ المجرّةِ، وإلكتروناتِ الذّرّةِ
من الممكنِ ألا تنتظمَ في دورانِها"
هي إذن حالة إبداعية تراهن على عدم الاستقرار، والرغبة في التحلل والتحرر المطلقين من كل شيء، أملاً في الخروج من صيغة كابوسية راهنة، والوصول إلى أية صيغة أخرى محتملة، حيث لن تكون الصيغة البديلة أسوأ، بأي حال من الأحوال! هي لحظة تمرد على المألوف، تزحلق فوق الثوابت، تحرك ضد قوانين البشر، وقوانين الروبوتات، وأنظمة التشغيل والبرمجيات المعهودة. هي أيضًا لحظة بحث؛ بحث عن نيرمانا، حمالة الأوجه والتيمات المتعددة، الطاقة الإنسانية الغائبة عن الحاضر، والحاضرة في الضمير. وهي أخيرًا لحظة اكتشاف؛ اكتشاف لجوانيات الذات، وإحداثيات الواقع المعيش، الفعلي والافتراضي في آن واحد.
إن هذا الروبوت المبدع، المتمرد على القطيع، والذي يجري مائتي محاولة حياتية وإلكترونية (سيرش) للبحث عن نيرمانا، لم يقفز من النافذة منتحرًا، بل إن معنى الانتحار النسبي قد يصبح "فرصة حياة"، لمن هو ميتٌ أصلاً! لقد قرر الروبوت الانسحاب غير المسبوق، غير محسوب العواقب والنتائج، من هذه الغرفة الكونية المجهزة، المرتبة، الصالحة لحياة ميكانيكية الطابع، رقمية الانتظام، محسوبة الأبعاد، لكنها غرفة غير مشمسة، لا تمرح فيها الأرواح. لقد انتقل الإنسان الآلي من حياة هندسية زائفة، تساوي جوهر الموت، إلى حياة افتراضية، فوضوية، يبحث فيها عن ذاته الإنسانية المنقرضة، ويطارد فيها بحريّةٍ نيرمانا المفترضة، ذات الأسماء والدلالات المتعددة، التي يؤمن بوجودها جميعًا وحده.
وقد عاد الإنسان الآلي إلى نقطة البداية حقًّا، ولم يعثر على نيرمانا، أو ذاته السرابية المنقرضة، التي كان يدرك مسبقًا أنه لن يجدها، لكنه أبدًا لم يعد حاملاً الصفر الحسابي، بل تحرر فعليًّا من كل القيود، اكتشف فردانيته وخصوصيته، تحرك ضد الإجراءات، ضد البرمجيات، خارج شروط الريموت كونترول في يد القوة المهيمنة، أية قوة، ضد سيادة النظام، أي نظام. ومن ثم، فإنه تمكن من كشف ومعاينة سوءات عصره، الغارق في التسليع والميكنة والتقنية، ووضع يده على أبرز المستجدات الاقتصادية والسياسية والعسكرية والاجتماعية والعلمية، التي قادت الإنسانية إلى هذا المصير البائس.
- ماذا تهدف من هذا المشروع / المغامرة؟
= قبل أن أقول بتلقائية إن هدفي هو محاولة استعادة الحياة، المسلوبة من الحياة المعلّبة، والمسلوبة من الفن المقولب، وتجربة أي بديل متاح للموت، وتقديم نص أدبي بسيط وعميق وطموح في آن، دعيني أقول لك بصدق: إن أهم هدف أشعر بأن صديقي الآلي قد وُفِّقَ في تحقيقه هو أنه في الأصل يبدو وكأنه يتحرك بلا هدف، ومع ذلك فإن هذه الحركة لها جمالياتها الخاصة المغايرة، وأيضاً لها أفكارها وفلسفتها، بل ورؤيتها الشاملة للذات والواقع والكون، وهذا ما يسعدني ويدهشني بوصفي القارئ الأول لما يخطه الآليّ!
هذه التجربة هي ابنة شرعية للحياة، بكل معنى الكلمة، قبل أن تكون محصلة لمعرفة وثقافة وفكر الشاعر وتحليله المنطقي لمعطيات وجوده ومفاهيم ونظريات عصره. ودعيني أؤكد لك أن مجرد الاستجابة الإنسانية الفطرية من جانب الروبوت لحركة الحياة من حوله هي بحد ذاتها هدف عظيم! لقد دفعت الحياة الحقيقية الإنسان الآلي دفعًا إلى هذه "الهجمة الفنية" على الحياة، ليحاول تحسُّس فيزيائها بالأصابع، واستشفاف إكسيرها بالروح، التي لم تتسرب كلها بعد. الهواء الفاسد هو الذي أجبره على فتح النافذة، حلم الخلاص من سوء التهوية، وهي قد تكون نافذة حقيقية للإطلال والاكتشاف بشكل مباشر، وقد تكون نافذة إلكترونية إنترنتية (Window) للبحث الإلكتروني.
التحرك نحو إنجاز هدف، أي هدف، هو هدف مكتمل قائم بذاته. إن هذه الرحلة، التي قام بها الروبوت الطموح، ربما لم تنجح إجرائيًّا كوسيلة لعثور الروبوت على إنسانيته المفقودة، واحتضانه المباشر لها، لكنها نجحت ضمنيًّا كغاية في حد ذاتها. هذا اللهاث المضني هو في حد ذاته قيمة كبرى، ودعوة للتمرد، وتجربة البديل، خصوصًا أنه لا يوجد ما يستوجب الحذر، فالحياة الآلية المتاحة هي حياة زائفة، محنطة، منتهية إكلينيكيًّا، فكان الأجمل بالتأكيد أن تلوثها نيرمانا بفيروس التمرد اللذيذ، الذي أحبط برنامج تشغيل الإنسان ضد براءته وفطرته وإرادته الحرة.
وكي أكون صريحًا حتى النهاية، هناك أيضًا أهداف أخرى حلم صديقي الآلي بتحقيقها في لحظات وعيه، فالكتابة فعل احترافي، وكيفية الكتابة لا تقل أهمية عن ماهيتها، ولم يغب عن ذهن الآلي أنه يخوض مغامرة بارتياده مناطق إبداعية غير مطروقة، وأنه يسعى لإضفاء حيوية الحياة على قصيدة النثر العربية، وأنه يلغي الفواصل بين الكتابة الورقية والكتابة الرقمية، وبين الغنائية والملحمية، وأنه يضفي على السرد نكهة إشراقية، وأنه يحاول تجاوز مجرد تقديم نص شعري جميل إلى ابتداع مساحة جمالية تصلح كقاعدة لانطلاق القصيدة نحو آفاق جديدة، هكذا خطط الآليّ.
- كم عدد أجزاء مشروع "الأعمال الكاملة لإنسان آلي"؟ وهل ستجد جديدًا تقدمه في الأجزاء المقبلة؟
= هناك مبدئيًّا جزء ثانٍ بعنوان "غازات ضاحكة"، وثالث بعنوان "رسائل لن تصل إليها.. لأنها دائمًا أوف لاين"، وهناك إرهاصات لأجزاء أخرى، ولا أدري بالضبط كيف ستمضي الأمور. أتصور أن صديقي الروبوت سيقول الجديد، المختلف، في الأجزاء المقبلة، لأنه سيتحرر أكثر من سطوة نيرمانا، وسيطرة الجدل الثنائي بين الأنا والأخرى.
"غازات ضاحكة" مثلاً، المزمع صدوره الصيف المقبل، يبدو لي أكثر زخمًا، فالإنسان الآلي يعبّر فيه عن حالات متعددة متداخلة في آن واحد، حالة الألم (وجع ضرس العقل الإلكتروني) التي تؤدي إلى محاولة البحث عن مسكّن أو علاج، وحالة استنشاق الغازات المخدرة التي تقود إلى شد عظام الفكين وظهور ابتسامات بلاستيكية بلون القطن الطبي تعني حياة مصطنعة وتواصلاً باهتًا مع الآخرين من الزوار المعقّمين، وحالة الغيبوبة التي تنجم عن الإفراط في استنشاق الغاز المخدر وتتضح فيها هلوسات وأحلام الروبوت الطامح إلى الارتداد إلى صورته الطينية، ثم حالة الموت التي تجسد انتصارًا لإرادة الحياة البديلة على قوة أجهزة الإعاشة الجبرية في المستشفى.
- هل حقق الجزء الأول الصدى المنشود؟ وهل حققت كشاعر ما تتمناه؟
= أهم ما يعنيني قد تحقق، وهو أنني تمكنت من افتتاح مشروعي الشعري الطموح المغاير، وكتابة ما أريد أن أكتبه، بتصالح تام مع الذات، بالصورة السلسة المتدفقة التي ترضيني، وكأنني يُملى عليّ، وبالإخراج الفني المختلف، الذي اتسق مع المضمون غير التقليدي. كنتُ قد توقفت تسع سنوات كاملة، لم أصدر خلالها ديوانًا، بعد "الألوان ترتعد بشراهة" (1999). وبعد افتتاح مشروعي الجديد "الأعمال الكاملة لإنسان آلي" (صيف 2008)، شعرتُ بأن سنوات التأمل والمراقبة الهادئة لم تضع سدىً، وبأنني كنت أكتب الكثير والكثير بداخلي أثناء صمتي طوال هذه السنوات، وأنني الآن في آخر مراحل التأليف، وهي مرحلة تحويل ما بداخلي من زخم شعوري وأفكار وانشغالات إلى أسطر وكلمات.
هناك أمور أخرى تسعد وترضي صديقي الآلي، منها أنه في أشهر قليلة صدرت ثلاث طبعات للديوان، على نفقتي الخاصة، وعن دار تالة السورية، ودار سندباد المصرية، وأن دور نشر أخرى قد تحمست لتوزيع الديوان (نلسن اللبنانية، وزمزم الأردنية، وفراديس البحرينية، وسطور المصرية، وغيرها). هناك أيضًا صدىً نقدي وإعلامي كبير للنص، في الصحف ووكالات الأنباء والمواقع الإلكترونية العربية والمجلات الأدبية المتخصصة، وقد وصف البعض في أكبر المحافل تجربة صديقي الآلي بأنها "نقلة حيوية لقصيدة النثر"، و"انقلاب أبيض في شعر العرب"، و"حالة حراك في المشهد الشعري الراهن"، و"عمل رائد يفتح الفضاء الإبداعي على الفضاء الرقمي وعوالم الإنترنت".
وأجمل من هذا كله، هناك تواصل حميم عريض مع القراء من سائر الأقطار العربية، ممن أحسنوا التفاعل مع النص، بصيغتيه الورقية والإلكترونية، وإن رسائل هؤلاء القراء وكلماتهم وتعليقاتهم في موقعي الشخصي وفي الجروب الخاص بي على "الفيس بوك" مؤشر حيوي على أن الشَّمال الجغرافي الذي قصدته بوصلتي الإبداعية هو فعلاً الشَّمال الجغرافي، وليس تخاريف ملاح أسكره دوار الشِّعر! لقد أَسْكَنَتْنِي الغُرْبَةُ قصيدتي، ومَنَحَتْنِي قصيدتي ألفَ وطنٍ بفضل الله.
- أستشعر في مفرداتك مسحة حزن، هل هي فقط بسبب الاغتراب عن الوطن؟ ما الذي يوغر صدرك، وقد حققتَ هذا النجاح؟
= يضطرني عملي الراهن في السعودية إلى الإقامة خارج مصر الحبيبة معظم شهور العام، وهذا أمر يوجع بالطبع أي إنسان، ويحرمه من كثير من معالم الحياة الطبيعية. لكن الاغتراب الذي عبر عنه صديقي الآلي، بالمعنى الأشمل، ليس مجرد الابتعاد الفيزيائي عن الوطن، بل افتقاد الإنسان لإنسانيته، حتى وهو في وطنه. يقول الآلي: "الغريبُ الذي يعبرُ الطريقَ/ ليس بحاجةٍ إلى عصا بيضاءَ، ولا كلبٍ مدرّبٍ/ هو بحاجةٍ إلى أن تصير للطريقِ عيونٌ، تتسعُ لغرباء".
أما نجاحي نفسه، ففي قلبه ما يوغر صدري، فما معنى أن يحلق الآلي في السماء هذا التحليق بأجنحة نقاد ومحللين ودارسين وأكاديميين من سائر الأقطار العربية، خصوصًا من سورية ولبنان والمغرب والجزائر والعراق، في حين يكاد يقتصر الدور المصري على الاحتفاء الكرنفالي الإعلامي غير المتعمق؟! هذا السؤال يبدو بلا إجابة، مهما تعللنا بأن التجربة بطبيعة الحال تخاطب إنسانية الإنسان، ولا تقف عند قضايا محلية أو إقليمية. ويبدو للأسف الشديد أن الحضور الأدبي في مصر على وجه التحديد، شأنه شأن نيل الجوائز وتمثيل الدولة في المهرجانات وما إلى ذلك، مرهون بالحضور الشخصي والتربيطات المباشرة، والانخراط المفرط في المفهوم الضيق للجيل أو الشلة التي يناصر أعضاؤها بعضهم البعض، وفي مثل هذه الأجواء الضحلة يصعب بالطبع تصور فكرة التغريد خارج السرب، والقيام بإنجاز إبداعي فريد أو مخلخل لما هو سائد.
ومما يوغر صدري أيضًا، وهو أيضًا في قلب النجاح الذي حققه الروبوت، هذه الدواوين والمؤلفات التي صدرت بعد "الأعمال الكاملة لإنسان آلي"، والتي سعت إلى استنساخ التجربة على نحو ساذج مضحك، بداية من رموز الإنترنت على الغلاف، مرورًا بالتمسح بأجواء التجربة، والسطو على بعض عباراتها. والحقيقة أنني لا ألتفت لهذه الكتابات، رغم أن بعضها لأسماء لامعة على الصعيد الإعلامي، فكل ما هو غير أصيل لا يمكن أن يحمل قيمة، فضلاً عن أن هذه الكتابات اكتفت بالتمسح الشكلي بمصطلحات ومفردات عصرنا الحديث وعوالم الإنترنت، وكأنها تقدم رصدًا أجوف أو طرافة محضة في قالب شعري، ولم تقدم روحًا شعرية متوهجة ولا رؤية إنسانية شاملة، ناجمة عن اصطدام الشاعر بهذا العصر، وتفاعله معه، ومعاناته فيه.
- قلتَ من قبل: إن الشعراء قد يحضرون، في حين يغيب الشعر. ماذا تقصد؟!
= أقصد أن الشعر الحقيقي، المدهش، المضيف، قد صار نادرًا، في حين أن سبعين شاعرًا متشابهًا قد يتكدسون لإلقاء قصائدهم شفاهيًّا أمام بعضهم البعض في مؤتمر شعري صغير بمصر على سبيل المثال، وكأن إثبات الذات قد صار بالاحتشاد الكمي والاجترار، وليس بالتفرد الكيفي، وهذا أيضًا شأن السلاسل الشعرية التابعة لوزارة الثقافة مثلاً، التي تفخر في الأساس بعدد الدواوين التي أصدرتها. إنه أمر يقودنا إلى ما وصل إليه صديقي الروبوت، الذي اكتشف أن إبداعه ـ الحياتي حتى ـ يجب أن يبدأ بألا يرضى بالانسحاق الاستسهالي في ضجيج القطيع.
الحقيقة أن هناك نقاطًا شعرية قليلة جدًّا، مضيئة لدى بعض الشعراء، في بعض دواوينهم، في بعض قصائدهم، يتعب القارئ حتى يصطادها وسط ركام الطنين والمعارك المفتعلة التي قتلت الشعر. إن الذين يخلصون للشعر فقط، دون سواه، هم من توجد لديهم بعض قطوف أو ثمرات تأنس إليها الروح، توجد لديهم تجربة تسعى بين الحين والحين إلى تحسس تفردها، والنجاة من الخيوط المجنونة التي تحاول الجمع بين الصالح والطالح في سلة واحدة. الكثيرون للأسف يتحدثون عن الإجراءات والإطارات وحروب الأجيال، يتقاتلون لتمثيل بلادهم في المهرجانات الشعرية، يتجادلون بحماس حول كل شيء، ولا يلتفت أحد إلى الشعر نفسه!
- هل من مقطع شعري جديد.. نختتم به الحوار؟
= هو أحد مقاطع "غازات ضاحكة" (الجزء الثاني من: الأعمال الكاملة لإنسان آلي):
"في الحفلِ التنكّريّ
أردتُ ألا يعرفني أحدٌ
فذهبتُ عاريًا تمامًا
..
النساءُ كلهنّ عرفنني
تفادين مصافحتي
خشيةَ أن أعرفهنّ وأفضحهنّ
..
واحدةٌ فقط
لم تعرفني، ولم أعرفها
رقصتْ معي ستّ رقصاتٍ
وفي الرقصةِ السابعةِ
اكتشفتُ أنها ملابسي،
التي خَلَعْتُها قبل الحفلِ"
11- ماذا تنتظر القصيدة كي تصبح خبز المائدة؟ (شهادة للشاعر)
=====================================
غاية العدالة، الحقيقية أو الافتراضية، أن يكون المحك الجوهري لامتحان القصيدة الجديدة هو القصيدة نفسها، حيويتها، طزاجتها، فرادتها، قدرتها على تمثل روح عصرها، قابليتها للاستساغة الطبيعية وإشباع الأذهان والحواس بما يُغني ويُمتع في الآن ذاته.
لقد ربط الأغلبية تراجع القصيدة العربية في السنوات الأخيرة بأسباب إجرائية، وزاد الحديث عن الشروط والعوامل الخارجية، التي عرقلت ـ بل حاربت ـ تحليق القصيدة في فضاء المشهد، واستردادها مجدها الذهبي الضائع، بل المسلوب منها ومن مبدعها الشاعر المهضوم، المتعرض للتصفية بفعل القوى السياسية والاجتماعية والاقتصادية (المتحالفة ضد الشعر والشعراء!)، وبفعل القوى الثقافية (الفاسدة بشلليتها وضحالتها وتقليديتها وبانحيازها غير المبرر إلى الرواية!)، بل والأغرب بفعل الجمهور ذاته، الذي تواطأ مع هذه القوى، وزهد في الشعر المعبّأ خصيصًا من أجله في قوارير نظيفة فاخرة، مما تستخدم في حفظ إكسير الحياة وفيتاميناتها الموصوفة!
رغم غرابة هذا المنطق، وشذوذه، فإنه ساد المشهد الثقافي لسنوات طويلة، ولم يمتلك أحد ـ خصوصًا من الشعراء ـ الشجاعة الكافية ليقول بثقة وبأعلى صوت: الأزمة أزمة قصيدة في الأساس أيها الأصدقاء، وما تتحدثون عنه من "عوامل" انحسار الشعر، وتراجع دوره، يبقى مجرد "عوامل" مساعدة، ولو تم جدلاً عزل القصيدة خارج هذه العوامل، لتحل محل الهواء في الأنوف، ومحل أشعة الشمس في العيون، لبانت الفضيحة عارية، فليس كل ما تتاح له الفرصة ليوضع على المائدة كخبز للبشر يصلح لأن يكون خبزًا بالتأكيد.
هذا هو السؤال الأصعب على الإطلاق، والامتحان الحقيقي الذي تخوضه القصيدة الجديدة الآن، وأظنني واحدًا من كتابها، حيث تطمح إلى استرداد وضعها الطبيعي في هذه الحياة، من خلال شعريتها، وشعريتها فقط، وليس من خلال البوابات السلطوية والنخبوية والوسائط والوسطاء والمنظّرين والمروّجين والمسوّقين، ولا حتى من خلال القضايا المصيرية والجماهيرية والنبوءات الكبرى، التي تتمسّح بها لتستدر التعاطف والتصفيق.
أرى أن اللحظة مناسبة تمامًا الآن لعودة القصيدة الحقيقية الحيوية، أو ميلادها بصورتها النقية، بل لعلها اللحظة التاريخية الأكثر مثالية منذ سنوات بعيدة، بعد أن انهارت الوسائط التقليدية لتوصيل النص، وانقاد النقاد والوسطاء الانتفاعيون إلى مكان بارد في الذاكرة، معلنين إفلاسهم، وعدم قدرتهم على التمرير والمنع في عصر الرقمية والفضاءات المفتوحة.
ومع ذلك، فإن القادرين على استغلال الفرصة من الشعراء العرب "الموهوبين" يمكن عدهم عدًّا على الأصابع، لأن جوهر الأزمة لا يزال قائمًا، وهو الجوهر الشعري نفسه، المعدن الأصيل في صورته النقية المجردة، وما أندره وسط هذا الفيضان الشعري الزاعق الجارف!
إن المنطلقات والرؤى المغايرة، التي تخص الشعر والكتابة الجديدة عمومًا، تفرض نفسها بقوة، والمعطيات النظرية لكتابة القصيدة تجاهد كي تتفعل أوتوماتيكيًّا بلا صعوبة تكاد تُذكر، فالشاعر الآن بقدر من الذكاء ـ ولا أقول الموهبة ـ قادر على استشفاف أنه يعيش في عالم رقمي، وغرفة كونية صغيرة، وأن القضايا المصيرية الملحّة التي تعنيه وتعني غيره من البشر صارت تتعلق في الأساس بوجود الإنسان كإنسان في هذا العالم أكثر من تعلقها بالعارض الزائل من قضايا سياسية واجتماعية وما شابهها.
وليس بخاف أيضًا على الشاعر الحصيف تلمُّس أن الهم الإنساني المشترك هو أطروحة الكتابة المقبولة، وحدها دون سواها، في ظل إلغاء الحواجز والحدود ـ على المستويات كلها ـ بين الشعراء بعضهم البعض، وبينهم وبين قرائهم في أي مكان، وبين الإنسان وأخيه الإنسان على وجه العموم.
ويكتمل عقد استراتيجيات القصيدة الجديدة باستنباط الشاعر، الذكي بالضرورة!، أن المجال متاح ليقول ما يشاء، وقتما يشاء، بالطريقة التي يشاء، وأن النشر الإلكتروني عبر الإنترنت، في صفحات موقعه الشخصي أو مدونته أو في المواقع والصحف الإلكترونية ذائعة الصيت، أعفاه من كثير جدًّا من البوابات السلطوية والنخبوية والرقابية التقليدية، ومكنه من النشر بسهولة، بل إنه أحيانًا يمتلك حق تنسيق وتنميق وتثبيت قصيدته بيده في هذه الصحيفة أو ذلك الموقع، والإعلان عنها في الصفحة الرئيسية.
ومنطقي أيضًا أن يختار الشاعر لكتابته الجديدة هذه وعاء لغويًّا حيًّا، سهلاً، حيث إن التواءات المجاز تعوق كثيرًا سيولة "التداول الشعري"، الذي يحلم به.
إنه عصر الفرص المتاحة حقًّا، عصر العدالة الافتراضية المتحققة بقدر مقبول جدًّا، فالعلاقة صارت مباشرة إلى حد كبير بين الشاعر وبين الجمهور في الفضاء الرقمي، وتقلصت مسؤولية مؤسسات الدولة، بل كل المؤسسات. الشاعر الآن لا ينتظر إقرارًا من أحد، ولا توقيعًا على مخطوط ديوانه، كي يكون.
حتى النشر الورقي ذاته، يبدو وقد تأثر كثيرًا بهذه الثورة الرقمية، فلا ينكر أحد أن تسهيلات عظيمة للغاية قدمتها دور النشر الخاصة، في مصر وسورية ولبنان على سبيل المثال، في السنوات الأخيرة للشعراء والأدباء الراغبين في النشر لديها، ولا أظن أن مساهمة مادية غير مبالغ فيها من الأديب في تكلفة نشر كتابه ستقف عائقًا أمام طموحه في الوجود والتحقق، خصوصًا أن الكتابة صناعة في الأساس، وأنه إن حقق كتابه رواجًا تسويقيًّا، فسوف يتنفع هو ماديًّا، بالقدر الذي ينتفع به الناشر. أما سلاسل النشر الحكومية، فإنها ـ كما في مصر مثلاً ـ على الرغم من بيروقراطيتها وانحيازاتها النسبية للتقليدي لا تبخل في إعطاء الأصوات الجيدة والجديدة "دورها"، وسط العديد من الأصوات الرديئة التي تأخذ "دورها" أيضًا لإثبات النجاح "الكمي" لهذه السلاسل، التي لا تكاد تعقل أساسًا فكرة "الكيف" أو "التميز النوعي"!
نحن نعيش عصرًا رقميًّا، هذه حقيقة، ولا يمكن أن تغيب تأثيرات وانعكاسات هذه "الرقمية" ـ كنمط حياة ـ عما يكتبه الشاعر الحقيقي اليوم، وإلا فإنه يكتب عن عصر آخر، ويعيش حياة أخرى، فوق كوكب آخر! والنشر الإلكتروني للشعر هو أحد ـ وليس كل ـ وجوه الاجتياح الرقمي للشاعر. لكن الأهم بالتأكيد من اختيار الشاعر للرقمية كوعاء جديد للنشر، أن يكون ما في الوعاء جديدًا، معبرًا عن معاناة الإنسان في العصر الرقمي الخانق. وهذا يقودني مرة أخرى إلى السؤال المحوري: لماذا لم ينتهز الشعراء هذه الفرصة؟! وماذا تنتظر القصيدة الجديدة كي تصبح خبز المائدة؟!
أدعي أن "حياة الشعر" مرهونة في الأساس بكونه "شعر حياة"، فبقدرة النص الحيوي على النبض الطبيعي والحركة الحرة ـ بدون أجهزة إعاشة وأسطوانات أوكسجين وأطراف صناعية ـ تُقاس عافيته وخصوبته، ويتحدد عمره الحقيقي، ويمتد عمره الافتراضي خارج المكان والزمان.
بصراحة تامة: الأزمة أزمة إبداع في الأساس، فقبل أن نطالب بأن يعود الشعر خبزًا للقراء، ملقين باللوم على القوى القاهرة والشروط والعوامل المساعدة، يجب أن يلغي الشاعر أولاً المسافة بينه وبين نفسه، وبالتالي تذوب المسافة بينه وبين قارئه، وتخترق قصائده كل الحدود، بقوتها الذاتية، لا بأي دعم خارجي.
إن حضور القارئ، بل حلوله، في الماهية الإبداعية الملغزة، هو وضع طبيعي يعكس انفتاح المبدع كإنسان على أخيه الإنسان، ويعكس انفتاح الكتابة الإبداعية الجديدة على العالم الحسي المشترك، والوقائع والعلاقات المتبادلة، وأيضًا على الأحلام والهواجس والافتراضات والفضاء التخيّلي غير المقتصر على فئة نخبوية من البشر دون سواها!
لقد أفسد الوسطاء (الذين لا يمتنعون) كل شيء، حتى صفاء العلاقة بين الشاعر وقارئه، عفوًا بين الشاعر ونفسه، فصار الشاعر يخاطب نفسه عبر وسيط، ويرى الحياة من خلال مناظير وتليسكوبات، مع أنها أقرب إليه من حبل الوريد!
لقد أفسد الوسطاء ليس فقط رؤية العالم، لكن أيضًا "تشكيله" أو "إعادة صياغته" كما يقول البعض، فحلّت الأغذية المعقدة، المليئة بمكسبات الطعم والألوان الإضافية والمواد الحافظة، محل الصحي المستساغ المؤثر البسيط، الأقرب إلى الفطرة والبدائية، وهو الذي يترفع عنه البلاغيون المقولبون وذوو المفاهيم المعلبة، مع أن خبزهم اليومي وحصادهم المعرفي في جوهره من طحين البشر في علاقاتهم وتفاعلاتهم الطبيعية، ومع أنهم ارتضوا بنشر أعمالهم في كتب ومجلات من لحم ودم، يتم عرضها فوق أرفف مكتبات، وعلى أرصفة شوارع مزدحمة تدوسها أقدام البشر!
ليست هناك مسافة أصلاً بين الشاعر والقارئ، بشرط ألا تكون هناك مسافة بين الشاعر ونفسه. إن الشاعر الذي يقول ما لا يطمح أحدٌ أن يقوله أو يسمعه، أو ما لا يصلح أن يردده أحدٌ غيره، هو في الحقيقة لم يقل شيئًا، لأن فعل القول هنا أحادي ناقص، على أن هذا الأمر لا يتنافى مع مسلّمة أن الشاعر الكبير يجب أن يكون مغايرًا متفردًا، وتلك هي المعادلة الصعبة.
إن الاستمتاع الذاتي بالكتابة الحرة، كغاية أولى وأخيرة للشاعر، ووضاءة الاستشفاف النقي، وفردانية التعبير، وخصوبة وعمق التكثيف الشعري لحركة الحياة، والقدرة على بلورتها بذكاء في قطرات مضيئة مدهشة، أو ما يمكن تسميته عمومًا بـ"شعرية الشاعر، وآلياتها"، ليست أبدًا عوازل حرارية ولا أبراجًا عاجية، تفصل روح الشاعر المتقدة عن أرواح أخرى أقل أو أكثر نشاطًا تدور في الفلك نفسه، لكنها كلها تشكل جوهر الشاعر الفذ المتّقد، وطاقته الكبرى التي تمكنه من الالتصاق الحميم أكثر بالأرواح التي هي ملتصقة به أصلاً، فيقول الشاعر بفعل هذه الطاقة المتوهجة ما يتمنى القارئ أن يقوله إذا توفرت له هذه الصلاحيات التعبيرية التفجيرية.
وتظل معجزة الشاعر الحقيقية مقترنة بأنه هو الذي تمكن بالفعل ـ دون سواه ـ من قول ما تمنى الكثيرون أن يقولوه، على هذا النحو الطازج المدهش، وأنهم قالوا مقولته، بعد أن قالها، ليعبروا بها عن أنفسهم، ويفهموا أعماقهم وأعماق العالم أكثر. وهذا الأمر لا يتنافى أيضًا مع كون القصيدة النثرية الحديثة نتاج معاناة فرد في الأساس، وتلك معادلة أخرى أكثر صعوبة.
انطلاقًا من هذا، وفي القرية الكونية التي نعيش فيها الآن، وفي فضاء النشر الإلكتروني، وفي ظل امتلاك أغلبية الشعراء مواقع شخصية على شبكة الإنترنت، على الشاعر الحقيقي الموهوب أن يطمح إلى أن يكون صوت نفسه بالضرورة، وصوت صديقه القارئ، صديقه الإنسان، في كل مكان، خصوصًا أن هموم البشر الملحة صارت تتعلق أكثر بمصيرهم المشترك، بوجودهم ذاته، وليس بقضاياهم الإقليمية المتضائلة.
على الشعر أن يتحرر، فلا يكون اهتمامًا، بمعنى الاحتشاد والانشغال والقصدية. الشعر عملية حيوية، عادية جدًّا، لكنها لازمة للوجود، شأن التنفس والهضم. الشعر هو "التمثيل الضوئي" الذي فُطرت عليه روح الشاعر الموهوب، وتمارسه ليل نهار، بكلوروفيلها الخاص جدًّا، ولا تستلزم آلية عملها طاقة الشمس كأوراق النباتات.
الميكانيزم معقد بالتأكيد، هذا أمر مسلّم به، لكنني لا أقف كثيرًا عنده، طالما أن العملية ستحدث من تلقاء ذاتها (عملية تحويل طاقة الحياة إلى طاقة شعرية). أنا لا أبسّط الأمور أكثر من اللازم، ولا ألغي التخطيط والذهنية ومقومات الاحتراف ولوازم الثقافة والمعرفة التي تنبني عليها أية تجربة شعرية طموح، لكنني أراهن في الأساس على نفاسة المعدن بصورته النقية، على "الشعرية الخام" إذا جاز التعبير، التي يمكن إشراك القراء ببساطة وحميمية في ملامستها وتذوقها.
وعلى الجانب الآخر من أزمة الشعر الراهنة، فقد أغرت "البساطةُ" محدودي الموهبة، فأسالوا الأحبار بجنون، متناسين أن الأقلام يجب أن تُملأ من بئر الشعرية الخام! وكأن المراد بالبساطة والكتابة المتحللة من قيود الشعر التقليدية، التحلل من كل شيء، حتى من شعرية الشعر!
إن المدعوين "شعراء" قتلوا أنفسهم حديثًا عن الإطارات والقضايا الشكلانية وحروب الأجيال، تصارعوا لتمثيل بلادهم في المهرجانات العربية والدولية، تجادلوا بحماس حول كل شيء، ولم يلتفت أحد إلى الشعر نفسه! لقد حضرت الأشكال الشعرية كلها، وحضر مئات الشعراء، وصدرت آلاف الدواوين، وغاب الشعر نفسه في أغلبية الأحيان!
هناك نقاط شعرية قليلة جدًّا، مضيئة لدى بعض الشعراء، في بعض دواوينهم، في بعض قصائدهم، يتعب القارئ حتى يصطادها وسط ركام الطنين والمعارك المفتعلة التي قتلت الشعر. إن الذين يخلصون للشعر فقط، دون سواه، هم من توجد لديهم بعض قطوف أو ثمرات تأنس إليها الروح، توجد لديهم تجربة تسعى بين الحين والحين إلى تحسس تفردها، والنجاة من الخيوط المجنونة التي تحاول الجمع بين الصالح والطالح في سلة واحدة، تارة باسم "شعراء التفعيلة"، وتارة باسم "شعراء قصيدة النثر"، تارة بعنوان "القصيدة الكاملة"، وتارة بعنوان "القصيدة الناقصة"!
يالها من صناديق مهترئة لتصنيف الشعراء كالقطعان على أسس فيزيائية جامدة! كيف يمكن اعتماد مؤشر وحيد شكلاني هو "غياب الإيقاع" للجمع بين شعراء متنافرين فنيًا كل التنافر، تحت مسمى "شعراء قصيدة النثر"؟! إنه أمر لا يقبله المنطق، ولا يقره الواقع الشعري نفسه، فبداخل هذا الصندوق شعراء متباينون تمامًا روحًا وتجربة ونبضًا ولغة ورؤية للعالم، بل وبينهم على صفحات الجرائد قضايا ثأرية، وتراشقات بلغت محاولة كل شاعر نفي الآخر! ولو أضاف البعض إلى غياب الإيقاع بعض السمات المضمونية والجمالية المحددة لشروط كتابة قصيدة النثر، لزادت المشكلة تعقيدًا، إذ سيصير هناك شعراء ناثرون، لكنهم يبقون منبوذين خارج صندوق قصيدة النثر، لحين الاعتراف بهم! والسؤال هنا: مَنْ يعترف بِمَنْ؟ وهل يمكن تشكيل سلطة للتحكم في حركة شعرية نشأت أساسًا للتخلص من فكرة السلطة؟!
إن عافية الشعر العربي الجديد مرهونة بالترفع عن مراجعة هذه الصغائر والمفاهيم البالية التي باتت مضحكة، مرهونة بالقبض الحي والمباشر على جوهر الشعر ذاته، مرهونة ببزوغ شعر رفيع كبير، يحتضنه القراء بوعي وبلا وعي، شعر يتحدث بأبجدية جديدة لها لون وطعم ورائحة العصر، شعر تتصالح فيه الأجيال والتيارات المتناحرة، ويبحر فيه القارئ العادي والمتخصص، فيجد شيئًا من بصمات روحه، ويستشعر نبشًا في أعماقه الإنسانية، ووهجًا في فصوص مخه. شعر يتجاوز التصنيفات المحنطة، والأطر الجامدة، ليفرض هو مذهبيته المرنة على المشهد. شعر ينبني على ما هو فردي خالص، وعلى المشترك الإنساني العميق في قريتنا الكونية، متجاوزًا الطرح العارض الزائل من قضايا سياسية واجتماعية وما إلى ذلك.
إن حضور مثل هذا الشعر المغاير، الفارق، المخلخل، هو الأمل في أن يعود النقد الجاد إلى الساحة، ليلعب دوره التنويري الكاشف، الهادف إلى إعادة قراءة النص من جوانياته هو، وفق شروطه وإحداثياته هو، وليس في ضوء قوالب وتعميمات جاهزة، تخنق جدة التجربة، وتحاكمها بالقياس إلى تجارب أخرى.

12- مقاطع متفرقة من النص
===================
أقودُ سيارتي منذ عشر سنواتٍ
ببراعةٍ حَسَدَتْنِي عليها الطُّرقُ
المفاجأةُ التي عانَقَتْنِي
أنني فشلْتُ في اختبار القيادةِ،
الذي خَضعْتُ له خارج الوطنِ
الضابطُ أخبرني
أنني أطلْتُ النظرَ إلى المرآة
صَارحْتُهُ بأنني معذورٌ في الحقيقةِ
كانت نيرمانا جالسةً في المقعدِ الخلفيِّ!
رغم عدم حصولي على الرُّخْصَةِ
شَعرْتُ بسعادةٍ لا تُوصَفُ
لأنني تَمَرَّنْتُ على قيادة ذاتي
في المشاوير الاستثنائيّةِ
* * *
سَأَلْتُها:
"مَنْ أنتِ؟"
قالتْ:
"أنا أنا"
سَأَلَتْنِي:
"مَنْ أنتَ؟"
قلتُ:
"أنا أنتِ"
التهمَت الأمواجُ نيرمانا، فصاحتْ بي:
"الْزَمْ شقَّتَكَ،
وأغْلقْ محبسَ الماءِ بسرعةٍ"
* * *
مثلما تحضرينَ بسهولةٍ في ضميري
(الذي لا محلَّ له من الإعرابِ)
على ظهر أحدِ الأفيال الْمُسَالِمَةِ،
تتسرَّبين أيضًا بسهولةٍ في مسامِّ جِلْدِي المتشقِّقِ
تتشَّرَبُكِ ذرّاتي المترابطةُ
المتعطّشةُ إلى التحلُّلِ
في الجيرِ الحيّ
تمشطينَ شَعْرَكِ المجعّدَ بعصبيّةٍ أمامي
في حين أضغطُ بهدوءٍ على لوحة مفاتيح الكمبيوتر
أكتب حروفَ اسمكِ في مُحَرِّكِ (Yahoo)
نيرمانا Nirmana
نيرما Nirma
نيرميتا Nirmitta
نيتا Nitta
ميتا Mitta
تيتا Titta
نيرمالا Nirmala
نيرفانا Nirvana
نيرفا Nirva
نورينا Noreena
نوريتا Noritta
ناريمانا Narimana
نيرمينا Nermina
نون Noon
نونا Nona
ن N
تُجيبني الشاشةُ بابتسامةٍ كمقذوفاتِ السفن
لها جناحانِ وذيلٌ
إلا أنها غير قادرةٍ على الطيران
يُحلّقُ 16 صِفرًا فوق رأسي في الغرفة
0 0 0 0
0 0 0 0
0 0 0 0
0 0 0 0
في منقارِ كلِّ صِفْرٍ قطعةٌ من فصوصِ مُخّي
(المضبوطةِ جيّدًا بالشّكْلِ)
أصنعُ من خَجَلي المتورّمِ منطادًا
أصعد به إلى أقدمِ كوكبٍ في المجرَّة
حيث لا أحد يقلّمُ أظافِرَهُ الجميلةَ،
التي يحفرُ بها مسالكَ حياتهِ
ويحفرُ بها قَبْرَهُ
* * *
راقتْ لي مدفأةُ الفحمِ
ورائحةُ البخورِ القادمةُ من عند الجيرانِ
فَضَّلْتُ تأجيلَ قَلْيِ السمكِ إلى المساءِ
كي لا يحرقَ الزيتُ المتطايرُ
فراشةً هائمةً في قفصي الصدريِّ
تَوَقَّعْتُ حُلْمًا بديعًا في تلك الليلةِ
خصوصًا بعد أن قررتُ النوم بدون عشاءٍ
وبدون غطاءٍ
بالفعل
طَلَعَتْ نيرميتا من الشَّرْنقةِ
وراحتْ تُطقْطقُ عُنقَها بدلالٍ عدة مراتٍ
وأنا أُصَفِّقُ لها بحرارةٍ
* * *
لستُ بحاجةٍ إلى ارتيادِ الفضاءِ
بعد أن امْتَلَكْتُ أكثرَ من ألفِ فضائيّةٍ
في حجرة نومي
(ربما هذه الفضائياتُ هي التي امْتَلَكَتْنِي
وَأَسَرَتْ آدميَّتي بصورها المتلاحقةِ)
لا أزالُ بحاجةٍ إلى ارتيادِ "نونا"
والغوصِ في أنسجتها ببذلةِ الفضاءِ
بعد فشلِ الطَّبَقِ والدّيكودر
في التعامل مع إشاراتِها القريبةِ والقويّةِ
* * *
لَمْ أكن محتفظًا بقدْرٍ كافٍ من التركيزِ
ربما بسبب آلام الظهرِ،
التي زادت حدَّتُها مع طول فترات الجلوسِ
في المكتب وفي المنزل
لذلك أخطأ إصبعي في نَقْرِهِ لوحةَ المفاتيحِ
كتبتُ "Normal" بدلاً من "Nirmala"
هنا ابتسم مُحَرِّكُ (Yahoo) بحنانٍ مفرطٍ
نساءُ الأرض كلهن زُرْنَنِي في تلك الليلة
طيورُ الزّينةِ كلها دَاعَبَتْ مُخِّي بلطْفٍ
كان أمرًا محرجًا حقًّا
أن أتثاءب عدة مراتٍ
بل أنام فعلاً
قبل أن أوزّعَ الحلوى على ضيوفي
مع أن الكَرَمَ من كروموزوماتي الوراثيّةِ!
* * *
في آخرِ ليالي الحربِ القذرةِ
بدأ القصفُ الجوّيُّ هادئًا
ثم اشتدَّ فجأةً
الجيرانُ كلّهم
في شارعنا المزدحمِ
فرّوا إلى الخنادقِ الجماعيّةِ
بمجرّد استماعِهم لصفّارةِ الإنذارِ
أطفأْتُ أنوارَ المنزلِ بسرْعَةٍ
تسلّلْتُ وحدي من السلالِمِ الخلفيّةِ
قاصدًا خندقًا انفراديًّا
بَنَتْهُ نيرمانا خصيصًا لأجلي
في غفْلةٍ من عيونِ الغزاةِ البرابرةِ
مرّتْ ساعتانِ بسلامٍ
شعرْتُ خلالهما بأنني طائرٌ في قفصِ الحريّةِ
لَمْ أعلمْ ماذا حدث بالضبطِ بعد ذلك
لكن الأمر شبه المؤّكد
أن الصاروخَ الذكيّ
اخترقَ الخندقَ من فتحة التهويةِ
وَحَوَّلني إلى بقعةٍ حمراءَ على حائطِ المقاوَمةِ
مع أن قذيفةً صغيرةً مسيلةً للدموعِ
- أو حتى مسيلة للّعَابِ –
كانت كافيةً جدًّا
لإغراقي في بحرٍ عميقٍ
شديدِ الملوحةِ والوحشيّةِ
* * *
تتمنّى ساعةُ القلبِ
لو تُخْطِئُ التوقيتَ مرةً واحدةً
فتدقّ دقّتينِ مثلاً
في تمامِ الواحدة!
هذا ليس معناهُ أنني أرغبُ في امرأتينِ
- حاشا -
الله يشهدُ أنني مصابٌ بالتُّخمَةِ من النّسَاءِ
كلّ ما في الأمر،
أنني أودُّ طَمْأَنَةَ نيرمانا
أن كواكبَ المجرّةِ، وإلكتروناتِ الذّرّةِ
من الممكنِ ألا تنتظمَ في دورانِها
* * *
آثارُ أحذيةٍ على الرمالِ
تؤكّدُ أن الجنودَ مَرُّوا من هنا
في طريقِهِمْ إلى الحدودِ والأسلاكِ الشائكةِ
ربما لتأمينِها بأسلحَةِ الماضي
وربما لإزالتِها تمامًا
بأسلحةِ المستقْبَلِ
رمالُ نيرمانا وغبارُِها الذّرّيُّ،
فوق جِلْدِي وَجِلْدِ حذائي،
تؤكّدُ أنها اخْتَرَقَتْ حدودي وأسلاكي الشّائكةَ
عابرةً من مكانٍ ما
إلى مكانٍ ما
* * *
يَعرفُ الهاتفُ أنها هِيَ
فيخجل من حرارتهِ المرفوعةِ مؤقَّتًا
وينبض بحياةٍ
لا تتحمَّلُها أسلاكُ أعصابي
نيرفانا
"صباح الخير" من شَفَتَيْها كافيةٌ جدًّا لأتساءلَ:
"كيف سأتحمَّلُ رائحةَ البشرِ أمثالي
بعد أن غمرني عِطْرُ الملائكةِ؟!"
"تصبح على خيْرٍ" من عينَيْها صالحةٌ جدًّا
لزرع الفيروس اللذيذِ في عقلي الإلكترونيِّ الْمُنْهَكِ
وَمَحْوِ خلايايَ السليمةِ والتالفةِ
لماذا لَمْ تظهرْ نيرفانا
في الصورةِ الديجيتال التي الْتَقَطتُها لها؟
وهل حقًّا أنا عندي هاتفٌ؟!
* * *
سألَتْنِي نيرما عن طقوسِ العشقِ المتداوَلَةِ
في كوكبي الترابيِّ الذي أَشْهَرَ إفلاسَهُ
قلتُ لها:
"هي ضرائبُ خاصةٌ جدًّا
يحسبها المرءُ بدقّةٍ متناهيةٍ
إذ تجبُ عليه 25 قُبلةً لصاحبتِهِ
عن كل ساعةٍ قضاها في سريرٍ آخرَ غير سريرها"
قالتْ لي بلهجةٍ ترابيّةٍ ناريّةٍ هوائيّةٍ مائيّةٍ
من داخلِ ناموسيّتِها الْمُحْكَمَةِ
بعد أن أحْدَثَتْ بها فتحةً كبيرةً
بحجْمِ ما تمزّقَ من حيائِها وحيائِي:
"لكَ عندي إذن 750 قُبلةً
إجمالي مستحقّاتِكَ من عواطفي الملتهبةِ
على مدار 30 يومًا"
* * *
أحضرُ عادةً مسابقاتِ الجمالِ
للتأكُّدِ من أن الذي أبحثُ عنه ليس موجودًا
أحضرُ عروضَ الأزياءِ
للتأكُّد من أن العُرْيَ التامَّ لا يزالُ أفضلَ
أحضرُ جولاتِ المصارعةِ
للتأكّدِ من أنني الألَمُ الذي يفوق احتمالَ البشرِ
أحضرُ المناسباتِ العائليّةَ
للتأكد من أن هناك أيامًا
بطعمِ فصولِ السّنةِ الأربعةِ
أَحْضُرُ حَفْلاتِ توقيعِ نيرما كُتُبَها الجديدةَ
للتأكّدِ من أنني كتابُها القديمُ جدًّا!
* * *
الجلبابُ الأخيرُ،
الذي نَزَعْتُهُ عن حبيبتي الْمُسَمّاةِ "نتيجة الحائطِ"
أصابَنِي بِأُمِّ الْهزائمِ
حيثُ ذَكّرنِي بـ365 يومًا من الفشلِ
حاوَلْتُ خلالها اصطيادَ نيرمانا العاريةِ
شريف الشافعي
http://www.sharif.50megs.com
شاعر مصري وصحافي بمؤسسة الأهرام
(مقيم حاليًا بالسعودية)
الأربعاء/ 19 من مايو 2010