14 عاماً على غيابه: إميل حبيبي من طلائع الفكر والإبداع الفلسطيني

شاكر فريد حسن قرأها 1,456
 

 630X700.jpg

تحيي الأوساط الأدبية والفكرية والثقافية والشعبية في هذه الأيام، ذكرى مرور 14 عاماً على غياب وفقدان إميل حبيبي، الكاتب والصحافي والروائي والمفكّر السياسي، وأحد أبرز المثقّفين النهضويين والمبدعين الفلسطينيين المتميزين، والمناضلين السياسيين المثابرين في هذه البقعة من أرض فلسطين.

مارس أميل حبيبي الكتابة الادبية الإبداعية - القصصية والروائية، والصحافية اليومية والفلسفية الفكرية، بوجهيها السياسي، والفكري- الايديولوجي، فنقلنا إلى آفاق واقعنا الثقافي الفلسطيني الحيوي، ووقف ضمن طليعة الروائيين الحداثيين والتجريبيين، حاملاً مشروعاً طموحاً لتطوير وتجديد الرواية الفلسطينية والعربية المعاصرة واخراجها من دائرة التقليد الكلاسيكية، موظفاً التراث في القص والسرد ببراعة مدهشة ومنقطعة النظير.

كان إميل حبيبي مكافحاً صلباً، ومناضلاً شجاعاً، ونائباً نشيطاً في البرلمان (الكنيست)، وقائداً بارزاً في صفوف الحركة العمالية الفلسطينية وعصبة التحرر الوطني الفلسطينية، والحزب الشيوعي والجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة. كما وكان مثقفاً عصرياً وحضارياً، ومفكراً عقلانياً، وثورياً واقعياً، وسياسياً صاحب حلم ورؤية واضحة المعالم. رفض الجمود والتحجر ودعا إلى "عالم بلا أقفاص"، وقد أثارت الكثير من طروحاته ومواقفه نقاشات حادة وعاصفة، وكذلك جدالات نظرية وفكرية مختلفة بين أوساط الرأي الفلسطيني والعربي، وبرزت وتيرة الخلاف معه على مستوى المثقفين والمفكرين العرب والفلسطينيين عندما تسلّم جائزة اسرائيل الأدبية سنة 1992 من رئيس الوزراء الاسرائيلي آنذاك اسحق شامير، وكانت "أسبوعياته" في الاتحاد كل يوم جمعة، والموقعة بـ "جهينه"، و"شمقمقياته" اليومية، مثار إعجاب واستحسان القّراء واحترام وتقدير الأوساط الشعبية والأدبية، وشكّلت زاداً فكرياً وإشعاعاً معرفياً وتنويرياً للأجيال الناشئة والصاعدة في معركتها الثقافية والحضارية نحو المستقبل الزاهر والغد الموعود.

امتاز إميل حبيبي بالنضج والعمق السياسي، والإحساس بالمسؤولية والالتزام الفكري - الطبقي واحترام الكلمة الجادة، والكتابة المسؤولة الناضجة، وإخلاصه لفنّه ولغته، وسما بأعماله ومنجزاته القصصية والروائية إلى مستوى رفيع من الابداع والخلق والأصالة، وحفل عالمه القصصي بالقيم الفنية الإبداعية والفكرية الجمالية، وبالنماذج الإنسانية المقهورة المعذبّة، وبالجوانب المتعدّدة لواقع مجتمعه وحياة شعبه الفلسطيني المشرد والباقي والرازح تحت نير الاحتلال.

خلّف اميل حبيبي وراءه إرثاً أدبياً نثرياً رائعاً، وحظيت مؤلفاته باهتمام النقاد والدارسين والباحثين في الداخل والخارج، ومن اهم اعماله المطبوعة والمنشورة:"سداسية الأيام الستة" و"المتشائل" و"لكع بن لكع" و"اخطيه" و"سرايا بنت الغول" و"أم الروبابيكا" و"سراج الغولة" و"عالم بلا أقفاص". وتعتبر روايته "سعيد أبي النحس المتشائل" عصب وجوهر نتاجه الروائي، وهي تجسيد للحالة الفلسطينية وتعبير عن وضع كل الفلسطينيين بعد هزيمة ونكسة العام 1967 واستخلاص ذكي وشفاف للتراث.

تنبع خصوصية أدب إميل حبيبي من اهتمامه الشديد والبالغ بالمظاهر الوطنية والقومية والالتصاق بالهمّ الوطني والوجع الانساني، والتركيز على الشخصية الوطنية الفلسطينية في ثوابتها وتحولاّتها النوعية، وهيمنة هاجس المكان على رؤيته، إضافة إلى ابتداع فن السخرية الحادّة اللاّذعة، والمزاوجة بين التراث والحداثة، واللجوء إلى الإيقاع الموسيقي داخل النص. وهو في كل ما كتب دقيق الوصف، مشرق الديباجة، قوي الحركة، واستطاع فهم وسبر واقع القهر والبؤس والعذاب الإنساني الفلسطيني، والنفاذ إلى عمق الحياة والوجدان والنفس البشرية، ونجح في تعرية هذا الواقع والتبشير بالآتي والقادم بإخلاص، وبحلم العدالة للمعذبين والمظلومين والكادحين والمستضعفين في الارض.

إميل حبيبي شكّل ظاهرة أدبية وفكرية في ثقافتنا الفلسطينية الجديدة المناهضة للظلم والقهر والاضطهاد والاستلاب، والملتزمة بقيم التحرر الوطني والتقدّم الإنساني وحقوق الإنسان، وشغلته منذ شبابه تحولاّت الفكر والسياسة، وشارك بفعالية في إرساء وتطوير وتأصيل الخطاب السياسي الفلسطيني، ووضع الأسس واللبنات الحقيقية لمشروع سلامي حقيقي وعادل يضمن حقوق الشعب الفلسطيني. وقد تمسك بخيار الكلمة وأثبت حضوره الطاغي الواعي، والمتميّز العميق، بإبداعه الشامل المتكامل ورؤيته الشمولية الواضحة، وحسّه الطبقي الإنساني، والتزامه بمبدأ الحرية الذي ننشده جميعاً، وهو يمثّل وجهاً آخر ونموذجاً للمبدع والمفكر والمثقف الثوري المسلّح بالتراث العربي في مقارباته المنهجية لقضايا الفكر والإبداع، والساعي إلى امتلاك إرادة المعرفة بالواقع واحباطاته ومستقبله وإمكانيات نهوضه. وعمل في إطار مشروعه الثقافي الحضاري على تكريس الدور الإبداعي في تأكيد مفهوم الحرية وبنائها، وحراسة الحلم الفلسطيني وتثبيت جسور التواصل مع العمق العربي والأممي الإنساني.