الكمال الواقعي

عطية مسوح قرأها 1,020
  

من منّا لا يطمح إلى الكمال؟

ومَنْ مِنَ الناس لا يرسم صورة للكمال يتخيّلها ويصبو إليها؟

ولكن. من منّا لا يعرف أنّ الكمال مفقود، وأنّ بلوغه محال؟ وأنّ الإنسان مجبول على النقص، وأن إدراك هذا النقص هو الذي يدفع الإنسان إلى البحث عما هو أفضل وأجمل وأكمل؟.
لكنني، أيّها القارئ الكريم، أجد الكمال ممكناً. فإذا كان الكمال نسبياً، ككل المفاهيم والأفكار والحقائق، وإذا كان بلوغ درجات جديدة منه يحفز الإنسان إلى بلوغ درجات أخرى، بينما تظل الصورة المتخيلة للكمال بعيدة المنال، فإنّ الممكن تحقّقه في ظرف ما ومكان ومجال محدّدين هو الكمال عينه.

أي إنّ الممكن هو المطلوب، وإن ما فوقه هو الهدف وإن ما عدا ذلك هو الحلم الذي يحوم خيال الإنسان حوله، كفراشة لا تطيق هدوءاً وهي تستجيب لنداء ومضة خلابة. الكمال نسبي، والنقص كذلك. وبهذا المعنى فإن معظم الناس قادرون على الكمال، كل في مجاله وحسب دوره الذي يقرّره لنفسه أو تقرّره له الظروف فيرضى به.

وحين نوسّع دائرة القول باستحالة الكمال، ونصل إلى أن هذا الموظف أو ذاك ـ الكبير خاصة ـ لا يمكن أن يكون كاملاً في سلوكه وموقفه من الناس وفي نزاهته ونظافة يده، وحين نقول إنه يستفيد ولكنه يفيد ويقوم بواجباته في مجال عمله، وحين نصبح مستعدين لغض النظر عن أنانيته ومخالفته للقوانين وتحيّزه لما يخدم مصالحه، بحجة أن الكمال غير متوفر، وأنّ لكل امرئ نواقصه ونقاط ضعفه، وأنه (كفى المرء نبلاً أن تعدّ معايبه)، حين نصل إلى مثل هذا لا نكون واقعيين بل نكون متخاذلين، ولا ندفع باتجاه السمو والكمال بل نعوّق السعي إليهما.

النقص نسبيّ كالكمال. والكمال نسبي كالنقص. وهذه الفكرة خطيرة وذات حدين. فقد تدفع إلى موقف واقعي، يجعل رؤية النقص وكشف النواقص وسيلة لتلافيها، وصولاً إلى ما هو أفضل، وما هو ممكن في الوقت ذاته. وقد تدفع إلى التسليم بالأمر الواقع وقبول النقص والتعايش معه، فينمو وينمي معه اعتياد الناس عليه وتنحدر درجات الكمال المطلوب وينخفض مستوى المعايير الأخلاقية والقيمية، وينحطّ المجتمع.

كيف نفصل ـ واقعياً ـ بين هذين الحدّين؟ قد لا يكون الفصل سهلاً، وقد لا يكون القول بضرورة الامتثال للقوانين وتطبيقها كافياً. فالقوانين، في كل دول العالم ومراحله ـ وهذه مسألة نسبية أيضاً ـ لا توضع دون مراعاة لمصالح القوى الأكثر نفوذاً وقدرة، وقد تبيح أشياء لا يقبلها المنطق الإنساني ولا تعبر عن طموح الإنسان إلى الأفضل بصورتيه
الكامل المتخيّل والواقعي الممكن.

لكن الخضوع للقوانين ومنع التحايل عليها أمر مطلوب. وهذا هو الجانب الأوّل من جوانب الموقف المضادّ لقبول النقص واعتياد الناس عليه.

أما الجانب الثاني، فهو أن يكون الإنسان ـ المواطن ـ قادراً على الإشارة إلى مظاهر النقص والتعبير عن رفضها دون أن يؤخذ بجريرة موقفه أو يلامَ عليه. وهو ما تضمنه العلاقات والقوانين الديمقراطية.

وإذا كان النقص والكمال مصطلحين فلسفيين، فإن الترجمة الواقعية للنقص بصورته المؤذية الجارحة، هي الفساد، وهو ضار ومرفوض سواء مارسه موظف صغير أم كبير، لكنه يغدو مدمّراً حين يتجاوز حدود الأفراد ليأخذ شكل شبكات ذات رؤوس ودعائم وقواعد، وحين تغدو هذه الشبكات ذات شأن في وضع القوانين وإصدار التعليمات والتوجيهات، وحين يسوّغها الناس، أو المتنفذون أنفسهم بالقول إن الكمال مستحيل، وإنّ الإنسان مجبول على النقص، وإنّ المهم هو تيسير أمور الناس وغير ذلك.

ليس النقص قدَر الإنسان، بل السعي إلى تجاوز النقص والتطلّع إلى الكمال هو قدره.

ونعود إلى القول إن الكمال مستحيل، ولكن صورة الكمال المتخيّل يجب ألاّ تفارق الإنسان، لأنها دافعه إلى الرقي.

إن نسبية الكمال لا تعني الرضا بحدود متدنية له، ونسبية النقص لا تعني القبول بحدود مرتفعة له، بل إنّ الرضا والقبول ليسا مصطلحين مناسبين للتعبير عن الموقف تجاه الكمال والنقص، بل الطموح والتطلّع، والرفضُ والتجاوز هي المصطلحات الضرورية في هذا المجال.

الكمال والنقص نسبيان بالمقارنة مع الصورة الذهنية المتخيلة للكمال، لكن للكمال والنقص الواقعيين معايير أخرى، فأنت أمام كامل نسبي، أي أمام موظف مسؤول، كبير خاصة، لا يتطاول على المال العام، ولا يخطّط ويبرمج ليستفيد شخصياً، ولا يتحيز لمن ينفعه على حساب غيره، أو على حساب مصالح الآخرين، بل يتقيد بالقوانين، ويكتفي براتبه وتعويضاته المشروعة، ويعيش كما يعيش الناس، ويبحث عن النواقص في مجال عمله ليعالجها، ويسعى إلى خدمة الوطن والمواطنين وهي جوهر وظيفته.

هذا الكامل نسبياً، يمكن أن يكون الأنموذج الواقعي الذي تقيس عليه، وتحدّد النقص على أساسه، وهو أنموذج ممكن، بل موجود، وأكثر الناس قادرون على أن يكونوا على صورته، أي أن يحققوا الكمال، في مجالهم وعلى قدر المهمة الموكلة إليهم.

ولعلّ المتنبي كان محقاً حين لم يجد عذراً لمن لا يسعون إلى الكمال وهم يستطيعون

ولم أرَ في عيـوبِ النـّاسِ شـــيئاً   كنقـصِ القـادريـنَ على التمـــامِ