الذئاب الشاردة - قصة قصيرة

محمد حسن فقيه قرأها 445
  

صادق الزعيم الكبير للماشية على اتفاقيته مع جاره الذئب وعدوه التقليدي، بعد أن اعتدى الذئب على مزرعة المواشي واستولى على أجمل وأثمن بقعة من تلك المزرعة، على معاهدة طويلة الأمد يتعهد فيها الذئب بالحفاظ على سلطنة الخراف الهزيلة ودعم زعيمها الخانع والإبقاء على زعامته ودعمه في تثبيتها، ويتعهد بعدم الاعتداء على مزرعته أو مهاجمة خرافه، مادام وفياً للعهد جاداً في تنفيذ بنود المعاهدة وصادقاً في قمع الخراف التي قد تحدثها نفسها بالتمرد والمطالبة بمزرعتها المغتصبة، وبالمقابل أن يفتح زعيم الماشية مزارعه أمام الذئاب للتنزه والسياحة وشم الهواء العليل، بهدف الانفتاح، وتبادل الثقافات، كما يسمح للذئاب إضافة إلى ذلك بالتملك والإستثمار والتجارة على أرض مملكة المواشي، في خطوة نحو تطبيع العلاقات وإزالة الحواجز وردم الهوة بين الخراف والذئاب على جميع المستويات والأصعدة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتجارية والثقافية وغيرها....

 خصص الذئب للخراف إحدى زوايا المزرعة لإقامتها، شريطة أن تتولى بطريقتها وأسلوبها القمعي المميز أي احتجاج أو تذمر من خرافها العنيدة، أو ممن يفكر بالتمرد والخروج عن الطوق وتجاوز المألوف، وأن يسمح لذئابه بالتجول والمراقبة للتأكد والمتابعة ورصد أي تحركات غريبة في مزرعتها بحرية كاملة، بما يضمن أمنه وأمن جرائه الصغار من قبيلة الذئاب.

احتجت عشيرة الماعز وتمردت على هذه الاتفاقية والتي وصفتها بالهزيلة، واتهمت زعيم الماشية الكبير بالعمالة والخيانة مع السادة الذئاب، وحملته مسؤولية التفريط بثوابت ومقومات عشيرة الأنعام، والتنازل عن مزرعة الخراف الخصبة والثمينة لقبيلة الذئاب، مقابل تثبيت زعامته وتوريثها لأبنائه.

غضب الثور الكبير زعيم الماشية من هذا الاتهام، وأخذته العزة بالإثم وهو يشهد هذا التمرد على اتفاقياته مع الذئب والتي باركها الدب والخنزير، واعتبر هذا التمرد من عشيرة الماعز صفعة موجهة له وليس للذئاب، بل هو إهانة شخصية مقصودة له، ولا بد أن يلقن معشر الماعز والتيوس والجداء درساً قاسياً، لما سبّبوه له من إحراج كبير وأظهروه أمام مجتمع الغابة زعيماً هزيلاً غير قادر على تنفيذ اتفاقياته، والوفاء بوعوده والسيطرة على ماشيته.

وزع الثور تعليماته على عجوله بتشديد الحصار على عشيرة الماعز العنيدة، والتضييق عليهم، كما وزّع تعليماته على جميع زعماء الماشية الآخرين من أتباعه بأن يحذو حذوه، ويحاصروا معشر الماعز معاقبة على تمردهم، وعدم انصياعهم لتعليمات الثور التي أملاها عليه الذئب.

اشتد الحصار على عشيرة الماعز وعزلت عن العالم الخارجي ومنع عنها الماء والشعير، لإجبارها على الخضوع والانصياع لتعليمات الثور والذئب، كما هدّد زعيم الذئاب وبمباركة حليفه الثور بإطلاق ذئابه الضارية على عشيرة الماعز، لتذبح تيوسها وتسحق جداءها وتذل إناثها، إن لم تثُب إلى رشدها وتكفر عن خطئها وتكف عن تمردها وتعتذر عن إساءاتها.

تسلل ثلاثة من الجداء إلى مملكة الثور لإحضار بعض الماء والشعير إلى عشيرتهم، بعد أن اشتد عليهم الحصار وبلغت بهم الحاجة مبلغها، لكن أعين العجول المتربصة بسبب تعليمات ثورهم المشددة، استطاعت أن ترصد تحركاتهم وتتابع اتصالاتهم ثم ألقت القبض عليهم متلبّسين بالجرم المشهود وهم يحملون معهم الماء والشعير، وزجّت بهم في حظيرة مظلمة تحت الأرض تعج بالرطوبة والعفن، جرّاء ما اقترفت أيديهم الآثمة من جريمة نكراء، فقد كسروا الحصار وتجاوزوا الحدود وانتهكوا القوانين وخرقوا المعاهدات واعتدوا على سيادة الدولة وهددوا أمنها!.

اجتمع ثلاثة من الذئاب الضارية التي تحرس حدود امبرطورية الذئاب الصغيرة، حتى لا يقترب منها أي متمرد كان جدياً أو خروفاً أو حتى عجلاً من أتباع عشيرة العجول أبناء أصدقائهم وحلفائهم، وبعد أن تسامروا وتجاذبوا أطراف الحديث وتنادموا، وضعوا أمامهم كومة من ثمار الخشخاش، جرحوا غلافها ولعقوا عسلها، ثم فتحوها وسفوا حبوبها ولاكوها، فغاب العقل وسرح الفكر وطاش الفؤاد، فنهضوا يتعثرون بأرجلهم ويترنّحون بأجسادهم، بعد أن ثقلت رؤوسهم وتباطأت خطواتهم وهم يحملون أسلحتهم على عواتقهم، ويسيرون بلا هدى، حتى تجاوزوا الحدود ودخلوا حمى سلطنة العجول.

رصدتهم أعين العجول الحصيفة، فكشفت حقيقتَهم وفهمت وضعهم بعد أن اقتربوا منها وتأكدت من صدق حدسهم، فإن حركات الذئاب المترنحة وخطاها المتعثرة لا تخفى على عجل عادي، فكيف تخفى على عجول حصيفة مدربة، فاقتربوا منهم برفق، ونزعوا عنها أسلحتها بلطف شديد خوفاً عليها من العبث بأسلحتها وإيذاء بعضها، فهي في عالم آخر وتحت غياب كامل عن الوعي.

وبعد الاتصالات المطولة والمشاورات مع أصحاب القرار وعلى أرفع المستويات، تم إنهاء الأمر بتحقيق نصر سياسي وتقديم هذه الخدمة الجليلة من هزّ الأذناب تقديراً ووفاء من سلطنة العجول إلى إمبرطورية الذئاب.. فقد أعيدت الذئاب الثلاثة الشاردة إلى امبرطوريتها مع الأسلحة التي كانوا يحملونها. بعد أن قام العجول بعمل اللازم من احتفاء وتكريم للذئاب الشاردة، وذلك من كرم الضيافة وتنظيفهم مما حل بهم من غبار الصحراء ورمالها وغيره... بعد أن غابوا عن وعيهم وضلوا طريقهم، كما تم استدعاء طبيب مختص على جناح السرعة لمعالجة حالتهم النفسية المحطمة، ثم تم توصيلهم فوق ظهور العجول السمينة مع الحراسة المشددة بأمان إلى حدود امبرطوريتهم، برفقة مسؤول كبير من العجول نيابة عن الثور الكبير أمير سلطنة العجول، بعد أن اتصل الثور الكبير إامبراطور الذئاب يشرح له القصة بتفاصيلها الدقيقة متأسفاً على الحالة النفسية للذئاب الشاردة، ومهنئاً على سلامتهم، وداعياً لإمبراطورها المبجل بالسعادة الدائمة وطول العمر، آملا أن لا يتكرر هذا الأمر مع ذئاب أخرى، وأن لايفجعهم الله بمكروه أبداً!.