على قارعة الطريق - قصة

سحر حمزة قرأها 510
 

إنتظر مطولاً مرور أية حافلة لتقله إلى شارع رئيسي أو محطة، مضت أكثر من ساعة وكافة محاولاته باءت بالفشل، كانت تعبر من أمامه سيارات فارهة، ملونة، في منطقة سياحية بمدينة إعتبرها حلم حياته، كان حريصاً طوال عمره على الوصول إليها، وبعد مشقة وعناء وصراع مرير، حظيت قدماه بأن تطأ أرض هذه المدينة التي اعتقدها أنها وردية اللون ناعمة الملمس مثل صبية عذراء لم تطأها أيادي أية ذئاب بشرية، ظل يحلم مطولاً وهو ينظر هنا وهناك، ويرفع يده للسيارات العابرة لكنها لم تكترث له، كل مشغول بشأنه، وكل يغني على ليلاه، لم يلحظ أن سيارة كان سائقها يتبعه عن بعد، يعبر من جانبه دون أن يكترث لها، ذلك بأنها سيارة عادية، ليست حديثة أو فارهة أو ملونة، كان يضع يده في جيبه ليرى كم يملك من النقود، فيجدها بعض دنانير لا تكفي لأن تقلّه إلى مقصده، بقي يراوح مكانه، يمشي هنا، يلتفت هناك لعل وعسى، معدته تؤلمه، منذ الصباح لم يتناول شيئاً، حتى شربة الماء لم تتوفر له، إنه في مدينة ظنها حلمه، لكنه اكتشف أن مسقط رأسه بالقرية أفضل بكثير مما تصوّره. عاوده المشهد وهو عائد من المدرسة في حر الصيف، كان يعبر بطريقه إلى بيته إلى أزقة مختلفة، هنا ماء سبيل عبارة مازالت ترتسم في ذهنه، سمع أم أحمد تناديه يا بني خذ هذا خبز ساخن، سلِّك به معدتك قبل أن تصل البيت.. تبسم تلقائياً لقد لاحظ أنه يلعق لسانه مثل ضائع في صحراء، جائع، رأى كل أقرانه يودعونه و جيرانه يسلمون عليه يوصونه بجلب الهدايا لهم. تبسم وقال في نفسه: لو أنهم يروني الآن، ألهث كي أعود إلى مسكني مع اثني عشر شاباً في بيت مزدحم، لماذا؟ كي أحقق حلمي!. صمت قليلاً ثم تيقظ أنه في الشارع، يقف على قارعة الطريق، لم ينتبه للسيارة وراءه، أطلق السائق زُمّوراً عالياً، فتحت النافذة فإذا بها فتاة رائعة الجمال صبية، تتحدث بنفس لغته قالت له: إلى أين تسير ؟؟ قال إلى حي الأيوبيين، قالت: أنا متجهة إلى هناك.. هل تستقل سيارتي؟ تردد ثم نظر حوله، وسرعان ما قفز إلى السيارة، وجلس بجانبها، كانت تسمع أغاني من أيام زمان، أغاني ليست شبابية، صمت مطولاً ثم قطعت صمته قائلة: منذ متى وأنت هنا، لا يوجد محطة باص كيف وصلت؟ قال: جئت لأقابل شخصاً من أجل العمل هنا!! قالت: هل أنت جديد في البلد؟ قال: نعم فقد حلمت بهذه المدينة وحلمت بالعمل فيها، وأنهيت متطلبات دراستي ونجحت وحضرت لأبحث عن فرصة!. قالت: هل وجدتها؟ قال: مازلت أحلم. فجأة توقفت بالسيارة فقالت: ها نحن قد وصلنا. أكمل الطريق على قدميك. وتابع الطريق المقابل تكون في المنطقة التي تريدها. قال لها: هل تعودت على ذلك؟ قالت: لا.. لكني في يوم من الايام وقفت مثلك مطولاً وقد ساعدني شخص غريب وأضطررت للركوب معه، فحقق لي أحلامي ووجد لي عملاً!! وها أنا ذا كما ترى، تحقق حلمي لكني فقدت طريق العودة لأهلي لذلك إحذر أن تضيع الطريق، ثم مضت.

بقي الشاب مذهولاً بما رأى، ومن شدة وقع الصدمة عليه، نسي أن يسألها عن اسمها وعنوانها، او حتى يشكرها، وأخيراً تنفس الصعداء، وقال محدثاً نفسه، هل هذه ملاك، أو رسالة تحذير لي، أم ماذا؟ بقي شارد الذهن مدة طويلة.. وجد نفسه أمام باب البناية التي يسكنها، فتح باب الشقة، كانوا ينتظرونه، مجموعة من الشباب العازبين من كل الجنسيات، أقبلوا عليه، قال أحدهم: هل وجدت عملاً، قال: لا. وسأله آخر: ماذا فعلت؟ قال: أريد شربة ماء إني تعب جداً، سأخبركم لاحقاً.

استلقى في سريره بعد أن ظن أنه أرتوى من العطش، لكن حلقه جاف وفكره مشغول بالفتاة التي أقلته، كان يحاور نفسه، أنها تحذرني، تنبهني، هل أعود إلى وطني؟ هل أبقى هنا؟ كيف سأجد عملاً وما أملكه لا يكفيني بدل مواصلات وكلفة الجري وراء الإعلانات!! بقي يفكر ويفكر، ثم نهض مسرعاً إلى زملاءه في الشقة وصرخ بأعلى صوته، ترى هل أجد من يسلفني مبلغاً لأعود لأهلي وبيتي في القرية، أريد أن أعود، تعبت من البحث عن فرصة وحظي قليل، وأردف متنهداً وقال: لقد صدقت الفتاة، ساعود إلى بيتي كي لا أضل الطريق وأظمأ مرة أخرى وقد أضيع دون أن أجد عملاً في مكان بعيد عن أهلي.

بدا سعيداً مستبشراً وقرر أن يحزم أمتعته ويعود من حيث أتي، وتذكر وقفته المطولة على قارعة طريق أنقذته منها فتاة عابرة.