وترجل الفارس أحمد سعد
جللني الحزن والأسى حين علمت بنبأ وفاة المناضل الشيوعي العريق، والصحفي البارع واللامع البارز، رئيس تحرير صحيفة "الاتحاد" العريقة، الدكتور أحمد سعد البرناوي. وآه ما أبشع الموت الذي يتصيد خيرة الرجال في وقت أحوج ما نكون فيه لهم ولمواقفهم وعطائهم.
ومع رحيل الدكتور أحمد سعد تغيب شخصية قيادية وحزبية وسياسية وايديولوجية، وقامة إعلامية وثقافية باسقة عالية الصوت والنبرة الثورية والتقدمية، وزعت جهدها على ميادين متعددة، فانتزعت الاعجاب والتقدير والاحترام.
عاش أحمد سعد ومات شامخاً وواقفاً كسنديان وزيتون وبطم الجليل، لم تلن له قناة وصمد أمام المرض اللعين الذي قاومه بشراسة نادرة، ظلت هامته مرفوعة وبقي إنساناً آيديولوجياً وعقائدياً شريفاً لم تهتز قناعاته ولم ينكس الراية، بعد الانهيار المدوي والزلزال الكبير في المعسكر الاشتراكي العالمي، وكان طيلة حياته صاحب رسالة، وقلماً نظيفاً ملتزماً لا يساوم، ولا يشترى بالمال والدولار النفطي.
عايش أحمد سعد التمزقات والتحولات، والهزائم والاخفاقات والانتصارات فلم ييأس ولم يستسلم ولم يقامر او يغامر، وظل قابضاً على جمرة الفكر رغم الانهيار. انغمس مبكراً في العمل السياسي والوطني والشعبي والحزبي، وانتمى الى التيار اليساري التقدمي الإنساني الثوري، التيار الماركسي الشيوعي، والتيار السياسي الواقعي السياسي، في إطار الحزب الشيوعي الاسرائيلي والجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، فرفع عالم النضال في وجه الظلم والقمع والكبيت والبطش السلطوي وضد الحكم العسكري البغيض، مشاركاً في معارك شعبنا الوطنية والطبقية من أجل الخبز والعمل والكرامة والمساواة والسلام العادل.
تحلى أحمد سعد بالشجاعة والصدق والرؤية السياسية السليمة والصحيحة، ضحى بحياته وجند قلمه وفكره دفاعاً عن معتقداته الفكرية الراسخة وعن قضايا شعبه المختلفة، وكم حلم وحلمنا معه بالعيش الحر والكريم في وطن وطن سعيد تسوده مبادئ الحرية وقيم العدالة والمساواة والأخوة الإنسانية الصادقة.
كان أحمد سعد وسيبقى معلماً من معالم حياتنا السياسية والاعلامية والثقافية، في أسلوبه وجدنا تلك الروح الإنسانية والثورية الغامرة والمتفائلة، والشجاعة والجرأة والمبدئية، وعمق التحليل والرؤية الواقعية والبوصلة السياسية التي ترشدنا الى السبيل الحقيقي.
رحل أحمد سعد تاركاً وراءه تاريخاً حافلاً وزاخراً، وذكريات حية لكل من عرفه عن قرب وعن بعد، وتابع وواكب كتاباته الغزيرة، وتاركاً ايضاً إرثاً ضخماً من الأبحاث العلمية في الاقتصاد السياسي، والمقالات الصحفية والسياسية التحليلية، والكلمات التأبينية والرثائية، والنصوص النثرية التراثية الساخرة، التي استوحاها من واقع المشردين والمهجرين، ومن واقع البروة المهجرة وحياة قرانا العربية.
المنهج العلمي، التحليل الواقعي، الالتزام بالفكر الايديولوجي الشيوعي، المثابرة في النضال والكتابة، الثقة بمستقبل الشعوب المستضعفة، استقلالية الرأي وحرية الفكر والتنوع والتعددية، احترام الديمقراطية المركزية، والنقد والنقد الذاتي، هذه هي الأقانيم التي آمن بها وتمسَّك بها الراحل أحمد سعد طوال مسيرة عطائه ونضاله، التي خاض فيها النقاشات والسجالات الفكرية والسياسية والتنظيمية مع أصحاب الفكر القومي، ومع الانتهازيين وتجار الفكر والوصوليين والهاربين من السفينة، مدافعاً ببسالة عما يراه حقاً وصدقاً.
أحمد سعد مناضل فلسطيني ومحارب شيوعي عريق وعنيد، ومثقف مسلح بوعي طبقي وآيديولوجي، وإنسان متواضع، قنوع، مخلص ووفي، وصاحب ضمير حي، واقعي، حالم ومؤمن بحتمية الانتصار، ومحب عظيم للسلام والشيوعية والأدب والحرية والثقافة التنويرية والفكر العقلاني النقدي والعلمي، وهو فقيد المهجرين، وفقيد الالتزام بالفكر التقدمي الديمقراطي، وفقيد الجماهير المسضعفة والمهمشة، وفقيد النضال لتحقيق السلام العادل والثابت والشامل.
أحمد سعد بكلمات قليلة، هو العطاء السخي، والقلم المثابر، والمحلل السياسي البارع والضالع، والمبدئي الراسخ، والأصالة الثابتة، والفكر المتوقد، والمقاتل بلا هوادة دفاعاً عن فكر الفقراء والطبقة العاملة المسحوقة، الفكر النير المضيء، الفكر الماركسي المادي الجدلي، وسيظل في ضمير شعبنا هادياً ومرشداً ومنظّراً وملهماً على طريق الحرية والاستقلال والسلام والتقدم.
وداعأ يا ابا محمد، فقد نفعتَ الناس وستبقى سنديانة جذعها في السماء وجذورها تضرب في أعماق الأرض، وطاب ذكرك وثراك.