فصول من سيرة العذاب - رواية المعذبين في الأرض

محمد موسى سويلم قرأها 228
 

في روايته (المسكوبية.. فصول من سيرة العذاب)الصادرة في بداية نيسان2010 عن منشورات أوغاريت في رام الله، استعرض الأديب أسامة العيسة شيئا مما عانى ويعاني المعتقلون الفلسطينيون في أقبية المعتقلات الإسرائيلية، على أيدي ثلة من المجرمين وزنادقة الغاصبين لحرية الأرض والإنسان، البانين وطناً على إرث الكرامة والعزة والكبرياء، وعلى صمود الأبطال الرافضين للهوان والمذلة والساعين لنيل الحرية.

 (يطول الشبح ويصبح غير الممكن ممكناً، فالمشبوح الذي يمسك نفسه عن التبول يأخذ في نهاية الأمر عند اشتداد آلام المثانة قراراً لا إرادياً بإراحتها، ومثل كل الأمور تكون الصعوبة في البدايات) ص69. نعم الصعوبة في البدايات فالنصر صبر ساعة كما يقال، وأما ما يقوله علماء النفس، وهذا ما أثبته العلم أيضا فان الإنسان حين يضرب تكون الضربة الأولى مؤلمة جداً، ثم تخف حدة الألم الى ان يفقد الإنسان في نهاية المطاف أحاسيسه، أو يفقد وعيه، أو يصبح الضرب وسيلة غير مجدية، ولا تؤتي أيّ فائدة منه.

المحقق (كان يتعامل مع المعتقلين باستهانة، ويشعر بأن لديه القدرة على هزيمة أيّ منهم، وعلى انتزاع الاعترافات خلال فترة وجيزة، وكان يشجعة على ذلك عدم عناية فصائل المقاومة باعداد أعضائها لتجربة التحقيق) ص72 ومتى كان التحقيق علما يدرس؟ ولكن مع مرور الزمن وتعاقب الاعتقالات وكثرة الذين كتبوا عن تجاربهم في المعتقلات، اصبح الكثير يعرف خبايا وأساليب كثيرة، على الأقل نظريا وانشاء الله لن يجربه أحد.

(استحالة دماء الشهداء الى ماء بين أيدي السياسيين) ص75، يتساءل الكاتب من لهؤلاء؟ وماذا سيكتب التاريخ عنهم؟ وانا اضم صوتي الى صوته وأسأل من لهؤلاء؟ وهل سيصبحون أثراً بعد عين؟ وهل عظمتهم... قوتهم... حبهم لوطنهم... علاقاتهم.... تضحياتهم.... كل ذلك سيكتب قصصاً للأجيال القادمة؟ وهل ستحفظ هذه الكتب على رفوف المكتبات أم ان انجازاتهم وصبرهم سيكون شيئا من الماضي؟ وشكرا لهم أم ماذا؟ كيف سنوفيهم حقهم المقدس؟ وكيف ستكتب أسمؤهم بأحرف من نور وذهب في وجدان وعقول كل ابناء المجتمع؟

 عن ماذا تحدث الكاتب؟

تحدث عن شهادات حية في التعذيب.

نقل شهادة حية عن تدمير حارة الشرف باب المغاربة مسجد البراق.

عن فروق الزمن في السجن وخارجه.

تحدث عن مرحلة تاريخية في القدس هى حرب 1967 وعن دار البلدية وادارتها للوضع والاتصالات، وما آلت اليه الحرب، وعن دفن الموتى، وعن لقاء ابي عوض بقائده في عمان واعتراف القائد بالخطأ، وان الحرب لا تدار هكذا، وهذه شهادة لها مدلولاتها حسب رأي أبي عوض والقائد.

 روى عن النزوح الثاني 1967 وكيف ان البعض رفض النزوح، وآثر البقاء، والبعض زج بنفسه في نزوح آخر ولم يتعلم من التجربة الاولى.

تحدث عن الارث التاريخي لباب العامود، أو باب دمشق، وأورد روايات حول التسمية وضياع العامود الأصلي، وعن الصراع بين الفلاحات الصابرات وشرطة ما يسمى بلدية القدس، ومصادرة البضاعة منهن.

روى بمنتهى الروعة عن العلاقة الاجتماعية التي كانت سائدة في ذاك الزمن الجميل بين بائع الجرائد الذي اعتبره عاموداً دائما لباب العمود، ثم عرج الى الشاعر توفيق زياد والى القاص زكي العيلة، وعن الصراع الدائر بين الثقافات من الشيوعية..... الى الاسلامية.

 روى عن أحداث اقتحام الحاقدين للمسجد الأقصى عام 1982 وإطلاق النار، وسقوط اليماني وبدر شهداء، وإصابة العشرات ونسبت الحادثة الى شخص معتوة وما أكثر معاتيههم!

وكان مسك الختام حديثة عن المحبة بين أفراد الشعب في الفصل الأخير، وهو مطر القدس، وكيف انه نام على سطح كنيسة القيامة، والصداقة التي جمعته مع الكثيرين من أبناء هذا الشعب بكل فئاته، وطوائفه ومعتقدداته، نعم روى التاريخ بكل شفافية وصدق، روى عن ذاك الزمن الجميل، روى عن ألم وعذابات المناضلين وصبرهم على الهوان، روى عن الأماكن التاريخية، وكيف تحولت من أماكن وآثار تاريخية الى أماكن لتدمير وتحطيم الكرامة والعزة، من مكان يجب ان يذكر بخير الى مكان يذكرنا بالآلام والأحزان والكره.