"فلسفة شاعر"

عادل بني عيسى قرأها 9
  

يتأثر الشاعر بما يحيط به، ولا يملك إلا أن يصف ما يتأثر به من لوحات... فإن كانت جيدة عبّر عنها برقة ولطف، ليعطيها من شاعريته، وعذوبة موسيقاه، ورهافة حسّه، ووافر رومانسيته، وسعة خياله، وجزيل ألفاظه، ما يجعلها مستساغة للقارئ، جاذبة له، معبرة عن مشاعره، لتلبي بعض شجونه، وتطفئ بعضا من نار الشوق، التي تتأجج في داخله، فيجد في هذه القصائد متنفساً لهمومه وآلامه، وتجعله يحسّ بأنه ليس الوحيد، الذي يتلظّى بنار ربما أضرمها لنفسه بنفسه.

وأحياناً تكون تلك القصائد شعوراً داخلياً، أو تجربة مرّ بها الشاعر، جعلته يعيش المعاناة، فيسترسل في إبداعاته وتخيّلاته التي ليس لها نهاية، ليكوّن من خلالها قصيدته، التي تطوف به في عالم الخيال، قبل أن تنقله إلى الحقيقة والواقع، فيضفي عليها هالة من السحر الأخّاذ، وبغير ذلك لا تأتي القصيدة، إذ تحتاج في الغالب إلى صدمة، لتخرج من بواطن الفكر، وغياهب الذهن، وخلجات القلب، فتتحرر من المجهول، لتولد ولادة طبيعية، بالرغم من آلام المخاض التي ترافقها.

 فالشاعر عادة ما يصف زهرة جميلة، أو روضا أخّاذا، أو نهراً رقراقاً، أو شجرة وارفة الظلال. وربما ينطلق بخياله، ليناجي القمر، ويحدّث النجوم، وقد تشده الظلمة، فتجده يحاورها، أو حيناً يخاطب السماء بزرقتها، ويرنو إلى الغيوم التي تتشكل على هيئات مختلفة، يحبها الشاعر، فيغدق عليها مما يختلج في قلبه من العبارات، يتحدث إليها وتتحدث إليه، فيكون الحوار لوحة معبرة عن هذه الأحياء - على الأقل في نظره - فلا يمكنه أن يتعامل معها على أنها جمادات، لابل يعاملها كأشياء تحس وتتألم، وربما تتأوه وتشكو، ولكن لا أحد يسمعها، أو يحسّ بها غير الشاعر.

وقد يتطرق إلى حالة من الوجد والهيام، فيصف ولهه بمحبوبته والالآم التي تسببَ بها هذا الهيام والوله، فيصوّر ذلك الوجع، وتنطق شاعريته بوصف الحبيبة، ببراءتها ورقتها وعذوبتها وجمالها، وبأحزانها وأفراحها، وربما بقسوتها وعنفوانها... وهكذا.

وليس الجمال وحده هو المعيار الذي يجذب الشاعر، ولكن الجمال - من وجهة نظره - يحتاج إلى الروح لكي يكتمل، وإلى البراءة، لكي يكون عفويا، فينطلق من عذوبته الفطرية، التي حباها الله له، إذ ينصهر هذا كلّه في لوحة، ربما تكون فريدة، تنسجم عناصرها معاً، لتكوّن في مجموعها شخصية أقرب ما تكون إلى الملاك، منها إلى الإنسان!.

وفي بعض الأحيان، يمر الشاعر بمواقف سيئة، أو تمر هي به، فتنغّص عيشه، وتشعره بالأسى، فينفجر الألم في داخله، ليتحول إلى تدفّقٍ شعريٍّ ممزوج بالحزن والحرقة والمعاناة، فيعبّر عن مكنونات قلبه، بقصائده التي تجسّد ذلك الحزن، وليس بالضرورة أن تكون الآلام التي يعبّر عنها تخصّه، إلا أنه يكتب من خلالها أجمل ما لديه، فيصبح لتلك القصائد محبُّوها ممّن جربوا المعاناة وعاشوها، وبذلك يكون قد تحدث نيابة عنهم، بلغته التي يفهمها كل منهم كما يريد.

 ربما تكون القصيدة رمزية، وقد تكون مباشِرة، إلا أنها يجب أن تصل إلى أصحابها، كرسائل صادقة، قد تفسّر إلى معان عدة، وقد تحتمل القصيدة الواحدة أكثر من معنى، لتترجم أحياناً إلى عشرات المعاني.

 فإذا ما مرّ الشاعر بلوحة باهرة، فلا يملك إلا التعبير عنها بطريقته، وقد يكون تعبيره صريحاً، بشكل يجعل فحوى القصيدة واضحاً لا لبس فيه، أو رمزياً، يحتاج إلى التدقيق والتمحيص والتفكير، إذ يستخدم الكثير من الاستعارات والتشبيهات والكنايات التي تجسد ذلك الموصوف، وتضعه أمام القارئ، وإذا ما كانت هذه اللوحة تتعلق بالإنسان، فإن القصيدة حتماً، ستكون في منتهى الروعة.

وسواء أكانت هذه اللوحة من الطبيعة، التي نحبها ونبثها وجْدَنا، فتبادلنا هي هذا الوجد، بالرغم من عدم إدراكنا لمداه، أو إنسانية بحتة، بالرغم من بعض الخبث الذي تختزله بعض الأنفس البشرية، التي تزخر بالخير، إلى جانب الشر أيضا، إلا أننا كشعراء، نبحث عن الجانب المضيء في النفس البشرية، وننسى ما دون ذلك من الجوانب التي قد لا نحبها فيها، والتي تنشأ مع البعض كمعادلة مهمة وضرورية، لكي نلمس الفرق بين هذا وذاك، ولو فُطر الناس جميعاً على الخير، لما عرفنا جوانب الشرّ فيما عداهم، ولما تمكنّا من تقدير قيمة الخير في الوجود.

نحلم بأشياء جميلة نأمل تحقيقها، قد لا تتحقق، ولكنّ ذلك لا يعني نهاية المطاف، فليس بالضرورة أن تتحقق الأحلام دائماً، وإلا... لما كانت أحلاماً، فعدم تحقيقها لا يجب أن يكون أمراً محبطاً لنا، يدفعنا لعدم النوم، بل يجب أن ننام ونمارس حياتنا على طبيعتها، فبالنوم فقط... نستطيع أن نرى أحلامنا التي ربما يكون البعض منها سعيداً، وقد تتحقق هذه الأحلام أو بعضها مع مرور الوقت... أقول (قد)!...

adell-baniisa@hotmail.com

*  مقدمة ديوان "شذى الذكريات" للشاعر والصحفي عادل بني عيسى - صحيفة الأيام الأردنية