وطنٌ من زُجاج.. رواية للجزائرية ياسمينة صالح

د. أحمد عبدالملك قرأها 2,572
  

الأوطان الأسمنتية والفولاذية تكون خانقة للمواطن! وثقيلة على صدر الحقيقة. فما بالكم بوطن من زجاج!؟

 YasminaSalehBCover01.jpg

الوطن هو الملجأ والمبيت، والسعي والرزق، والطموح. والوطن هو الأسرة والكيان، والأصدقاء وقهوة الصباح والجريدة. وهو تلك العلاقة التي لا تُرى ولا تُحسّ بين الإنسان والأرض. لكن هذه المعاني التي تُرى ميتافيزيقية تبدو ضائعة في (وطن من زجاج) وهي رواية للكاتبة الجزائرية ياسمينة صالح.

تقول (ياسمينة) في المقدمة:

“حين نستيقظ صباحاً ولا نجد وطناً نتكئ عليه، نكتشف حجم اليُتم والفراغ المهول الذي نجره يومياً في عمرنا الجاهز للانكسار واليتم واللاأمل“.

حقاً فإن لم تتحقق داخل الوطن شروط المواطنة يتحول ذاك الوطن إلى سجن كبير، بل إلى قرية من قرى الوسط الأمريكي التي لا يعرف أهلها إلا لغة الرصاص على شاكلة (الكاوبوي الأمريكي)؟

حقاً، إننا إن لم تبتسم كل صباح ونحن نقابل الوطن، فإننا نعيش حالة عداء أو لا تحديد لشكل المأساة في العلاقة بيننا وبين أوطاننا. وإذا لم يخرج لنا الوطن مع كل إشارة مرور، ومع كل (طوبة) من بيوت الفقراء، ومع كل حرف يدرسه التلاميذ في الصف الأول ابتدائي فنحن في محنة مع الوطن.

مأساة (ياسمينة) مع وطنها الزجاجي.. مأساة مثيرة!. فهو وطن يُشوّه وجهَه كل صباح الإرهابيون، ويقتلون في الصباح أزهاره ورياحينه، ولا يفرقون – في شهوة القتل- بين طفل رضيع أو عجوز تجرّ التسعين فوق ظهرها، ولا بين مطعم رومانسي أو سكة قطار.

كصحافي – بطل الرواية – يكون على مقربة من الموت كل لحظة. تصور الرواية موقف البطل (الصحافي) وهو بين أحضان الموت:

"طلبت منه أن يلتقط الصور كي نغادر المكان بسرعة! كان الكلام بلا جدوى قبالة وطن يموت فيه أبناؤه ذبحاً! كانت الجثث مرمية على الأرض غارقة في الدم. كنا نبذل جهداً كي لا نمشي فوقها. رأيت أطفالاً صغاراً مذبوحين، ونساء كانت لحظة الرعب الأخيرة قابعة على ملامحهن التي لم يبق منها سوى الجزع الأبدي“.

فعلا، هذا هو الوطن الذي نعرفه في الأناشيد الوطنية، وفي مباريات كرة القدم، وفي صف الطابور الصباحي. الوطن عندما لا يقدّم لك وردة الصباح الندية، وقبلة المساء الحانية لا يكون وطناً.. ولا يستحق أن نلقي عليه تحية الصباح. الوطن عندما لا يفرق أبناؤه بين لون الماء ولون الدم لا يكون وطناً بل مسلخاً أو غابة يأكل فيها الكل الكل!؟ حيث تغيب سلطة العقل وتسود شهوة العطش للدم. تلك هي حال (وطن من زجاج) الذي يغطي الأحداث المؤسفة في الجزائر.

يمازح البطل صديقه قبل اغتياله بأسبوع:

“سيبني الوطن قبره على أحلام من تبقى من الشرفاء!

نظر إلي وقال كمن يصّرح بشيء خطير:

الموت لا يحتاج إلى شخصيات بعينها.. ونحن موتى جاهزون.

تقصد أن الشعب استعذب دور الضحية؟.

نظر إلي وسألني عن عملي. سألني عن الخوف. هل أشعر به؟! وكنت لسبب ما أشعر فعلاً بالخوف من عينيه “.

وفي صورة مأساوية لتيار القتل النهم، تصف الرواية موقع الأحداث:

“حين لم نجد ما نقوله لأنفسنا تكلمنا عن الآخرين. حكى لي عن عمله. عن القتلى الذين يشاهدهم يومياً، عن الجثث التي يعثرون على بعضها مقطوعة الرأس، فيضطرون إلى البحث عن الرأس لساعات. أحياناً يجدون رأساً قد لا يتناسب مع حجم الجثة ومع ذلك لا يجدون حلاً سوى تركيبه على جثة أخرى. وإن لم يكن الشكل مقنعاً فكان الأمر حتمياً، بحيث لا يمكنهم أن يأخذوا جثة بلا رأس. مثلما لا يمكن أن يأخذوا رأساً بلا جثة. كنت أتخيل ارتباك الرجال الذين أمام الجثث الكثيرة مقطوعة الرؤوس لا يعرفون ماذا عليهم فعله بها“.

ماذا يفعل المواطن سواء كان داخل رواية مثيرة أم وسط واقع مؤلم؟!. كان تيار الموت جارفاً، وأن الطب لا يصلح فداحة الفقد، بل إن كرامة القتلى أيضاً تُستباح في ظل فقدان الأمن والعوز للإمكانيات.

“كان الطبيب مضطراً إلى إعادة الرؤوس للجثث الكثيرة. لم يكن يعنيه أن يوصل رأساً إلى صاحب الجثة. كان يخطئ في كثير من المرات، فيلصق رأس شخص آخر على جثة مختلفة البنية، فيصير شكل الميت غريباً. حتى نحن وإن لم نكن نعرف هوية الميت نلاحظ غرابة شكل الرأس، نعي جيداً أنها لم تكن له. فلا يكترث الطبيب لأن مهمته تنحصر في خياطة رأس إلى جثة!؟ تم ذات اكتشفنا أن الخطأ كان فادحاً حين تم إضافة رأس امرأة إلى جثة رجل. رجل لم يعثر أحد على رأسه، بينما المرأة لم يعثر أحد على جثتها، فاضطر الطبيب إلى خياطة رأس المرأة إلى جثة الرجل الذي لم يأت أحد للمطالبة بكليهما“.
هكذا إذن شكل الموت في مكان الرواية! وهذه لوحة الفناء الجماعي الهمجي تتجسد في هوية الإنسان عندما يكون حياً وعندما يكون ميتاً أو مقتولاً!؟ صياغة تبعث على التشاؤم والقرف من تغلغل إيدولوجية القتل التي غادرت العالم في القرون الوسطى، لكنها تطل من تلك الرواية. وكم يوجد من يقتلون يومياً وبأشكال مختلفة، ويجدون أن رؤوسهم قد ركبّت على جثث أخرى! وكم من تلك الجثث نجدها في الصفوف الأولى، بينما رؤوسها يجب أن تكون في الصفوف الخلفية!؟ هكذا إذن الرسم الواقعي الذي عايشه أبطال الرواية في وطن لا يعرف أسماء أبنائه ولا أرقام هوياتهم ولا يعترف بأبوتهم ولا بأسمائهم. تختصر الرواية آلام الشعب كله في شخصية (عمي العربي) الذي خطفته يد الإرهاب الطويلة:

“فكرت أن الشعب كله تعرّض إلى الخطف والقتل والتنكيل. فكيف لا يتعرض عمي العربي إلى ذلك أيضاً؟! تخيلت الرجل يُقتاد إلى مصيره النهائي، لعله استعذب النهاية التي صنعت منه شهيداً استثنائياً!؟.

كانت مكافأة (عمي العربي) أن سمّوا قاعة شاي باسمه (قاعة عمي العربي للشاي والسلام).. تقول الرواية:

“يالها من سخرية على شرف ذاكرة ما زالت تحكي وتدين وتوجه أصابع الاتهام للقتلة. قتلة الأمس وقتلة اليوم. مجرمي الأمس ومجرمي اليوم. لكل المجرمين الذين تحولوا إلى “شرفاء” بموجب مصلحة رسمية“.

يمتلك السياسيون بوصلة القتل، ويوجهون السكاكين في مهمات رسمية ولربما إلى جهات غير محددة أصلاً على خريطة الوطن. القتل أصبح ديناً وشريعة ومنهجاً لقبائل الموت. لا يهم من تقتل، المهم أن تقتل فحسب! فلا هنالك حساب أرباح وخسائر، طالما أن الجميع يدوس الوطن ويبصق عليه كل صباح. وطالما أن الآخر يقبع في منزله ولا يشاطر في الجنازة. ولكأنه يتشفى في قتل مواطنه، حتى يخف رقمٌ من أرقام الخدمة المدنية.
في آخر ورقة من الرواية، كانت نهاية الرسالة:

“لم يعد ممكناً ألا أكون استثنائياً من جديد، ألا أكتب افتتاحيتي هذا المساء لأجل أن أنتصر بالحب على القتلة. على الذين يتربصون بي أيضا دون أن يعرفوا أنني أبقى لأجلك ولأجل أن أعيش في وطن وجدته فيك“.

بهذا تتحول أحاديث الرواية الملونة بلون الدم إلى فراغ رومانسي بحجم الكون. ويتحول الوطن الشاسع داخل صدر الحبيبة، التي مازالت ترتعش من أشكال الجثث التي زهقت أرواحها قبل الأوان وسقطت دون هدف على رصيف سموه شهداء الوطن!. كم في الوطن العربي من “ماركات” للقتل، وإن اختلفت أسعارها وأشكالها!.

* أكاديمي وإعلامي قطري