الكرسي
تتلاشى مثل فقاعات صابون، وكأن شيئا لم يكن، أمر عجيب هذه الذكريات "وددت لو قبضت عليها واحدة إثر أخرى، لو حزمتها ووضعتها في كيس وأحكمت الرباط عليها.. لكنها تفر كما يفر الماء من بين أصابع اليد.. أو كما الغربال لا يحتفظ بالماء"!
كنت في شبابي ذكياً، ولمّاحاً، سريع النكتة، حاضر البديهة.. وليس هذا مدحاً لنفسي، أعوذ بالله من مادح نفسه.. ولكن هكذا كان يقول عني الأهل والأصدقاء..
في مطلع شبابي كان أبي يُجلِسُني إلى جواره ويقول لي "أنت خليفتي" وكنت أسعد كثيراً بذلك، كنت أحس أن أبي ملكٌ.. وأنني سأخلفه على العرش.. ولكني لم أتعجل موته لأتولّى الخلافة وحال الرعية الذين هم أمي وأخوتي البنين والبنات لأنهم كانوا مشاكسين ولا يسمعون لي ولا يعطونني الفرصة لأتولّى مسئوليتهم!! لكنهم بحضور أبي كانوا يغدقون لي المزيد من المديح والثناء وكنت أشعر بابتهاج كبير.
ومات والدي بعد سنوات من نفخه في أذني أنني خليفته فحرصت على الجلوس على كرسيه منذ اللحظة التي فاضت بها روحه وصِحتُ بأمي وأخوتي وأخواتي الذين تداعوا حوله يبكون.
- أخرسوا لا تجوز على الميت إلا الرحمة ترحموا عليه رحمكم الله.. لو كان حياً أو لو قدر له أن يعود حياً فسوف يلومكم كثيراً. أخرسوا وادْعوا الله أن يرحمه.
اقتربت مني أختي الكبرى، ودموعها تملأ وجهها، وبسرعة خاطفة مدَّت يدها إلى أذني وجذبتني بقسوة فاندفعتُ باتجاه حركة يدها وقد نهضت عن الكرسي وتركته خالياً يتأرجح في الهواء.
قالت: "يا ولد أنحن خالو الوفاض لتزيدنا هماً، أسرع لإنجاز الترتيبات اللازمة للدفن وأذهب لعمك أبي محمود فهو الذي يستطيع التصرف.
قلت باحتجاج:
- لكني أنا خليفته.. هكذا فوضني المرحوم.
ازدادت تمسكا بأذني:
- قلت لك انصرف وأخبر عمك.
* * *
في طريقه إلى عمه هاجمته الهواجس.. "عمك سيأخذ كرسي أبيك، عمك سوف يتحكم بك وبأخوتك لن تكون خليفة لأحد إذا احتل عمك الكرسي" وذهب أبعد من ذلك، "أمك!! لعلّ عمك يتزوجها!!" وتابع:
- تكون القصة قد اكتملت! يا سلام!
تذر أخته وتحسس أذنه لأنه لم يستطع أن يستدير إلى الخلف وأن يعود إلى البيت ليفرض نفسه.
أمام باب عمه وقف، تردد لحظات ثم طرق الباب، فتحت له الباب ابنة عمه جميلة. كان يقول لي عمي: سأزوجك منها
ما أن وقع نظرها عليه حتى صاحت به:
"قيس أبن عمي عندنا يا مرحبا يا مرحبا"
وأطلقت ضحكتها المعهودة الطويلة المتقطعة فأغاظته. صاح فيها:
- أين عمي؟
قالت : ولم عمك.. إلا أصلح أنا؟
قال بغيظ:
- تصلحين! لماذا؟
ردّت بعدم اكتراث
- لأي شيء!
قال حاسماً النقاش الهزيل
- أين عمي؟
أجابته بنفس الحزم
- في الدكان
أقفل راجعاً. اتجه إلى الدكان. الطريق ليست طويلة لكن سؤلاً آخر برق في ذهنه:
جميلة.. هذه الجميلة هه!
تذكر والده المسجّى والذي بحاجة إلى دفن فحثّ الخطى إلى دكان عمه.
كان عمه يسميها القصر.. وكان يطلق عليها مسميات كثيرة.. منها الروح.. وكان يسمعه يقول لأبيه:
هذه الدكان روحي وعمري.
وتذكر روح أبيه وعمر أبيه صرخ بعمه المشغول بالبيع!
- فاضت روح أبي.. انتهى عمره!
توقف عمه مشدوها والتفت إليه
- ماذا قلت؟
- أبي لا بقية في حياتك انتهى عمره!
- يا لهذا الصباح.. ويلك من غراب شؤم أنت!
- أنا الخليفة!
- أي خليفة؟
- عليك أن تحترمني منذ الآن أنا خليفة أبي!
لم يرد عليه عمه.. اعتذر للزبائن، وخرج، أنزل باب الدكان ولم يضع فيه القفل وهرول باتجاه البيت يلحق به ابن أخيه!
صرخ العم بزوجته وبناته وأوصاهم أن يلحقوا به إلى بيت أخيه بعد أن يحكموا أقفال الدكان.
وتدخل أبن أخيه فأوصاهم ألا يلعبوا بدرج النقود وتأبط ذراع عمه ومضيا حيث الفقيد الراقد بلا حياة قال له عمه بعد مسافة قطعاها على الأقدام:
- ماذا ستفعل يا بني الآن؟
- سأجلس على الكرسي.. أنه لي.. هكذا فوضني المرحوم.
هز العم رأسه بأسى وقال:
- هو لك!
أبتسم وهمس لنفسه: "هذا أول انتصار لي"!
استقبلت الأسرة العم هرول الجميع نحوه باكين واحتضن العم بنات أخيه وأجهش في البكاء ثم رفع رأسه وقال بصوت أذابته الدموع:
- كيف حدث هذا؟
ولم يمهلهم أبن أخيه للرد إذ أجاب:
- نام ولم يصحُ.. دنيا!
زجرته أخته الكبيرة بعينيها الباكيتين.
- إخرس
وتابعت:
- لم يشكُ المرض، دخلتُ عليه في الصباح كالعادة فوجدته...
وأجهشت في البكاء.
وحاول أخوها أن يكمل فأدار العم له ظهره وانطلق نحو غرفة أخيه.
كم مر بعد ذلك من الوقت، لا أحد حسَب ذلك. قام العم بكل الإجراءات وشُيّعت الجنازة في صمت مهيب. وُوري الفقيد الثرى وعاد الجميع إلى البيت.
صرحخ الابن: "أين الكرسي؟ كان هنا قبل أن نخرج في الجنازة"، لم يرد عليه أحد. نظر في عيون الجميع وتوقفت عيناه، عند جميلة ابنة عمه، لم تكن في عينيها أثار دموع.
اقترب منها وهمس:
- أين الكرسي؟
- أخذته أمي إلى بيتنا حتى لا يثير وجوده الحزن لدى أخوتك!.
تهالك على الأرض تعتصره الخيبة.
- ومن سيجلس عليه؟
ببرود أجابته
- عمك
سرح بعينيه إلى البعيد.. كم من الوقت عليه أن ينتظر، حتى يسترد الكرسي.