فلسفات ومصالح

عطية مسوح قرأها 1,302
 

حين ظهرت فلسفات العقل والتنوير، في بداية عصر النهضة الأوربية، جاءت معبرة عن صعود العلاقات الرأسمالية ونهوض طبقة البرجوازيين. كان للرأسمالية في تلك المرحلة مصلحة حقيقية في ترسيخ العقلانية ونشرها، وفي تنوير العقول لمواجهة تسلّط المؤسسة الدينية الداعمة للإقطاع وعلاقاته.

كان لتلك الفلسفات إسهام حاسم في دفع الفكر الإنساني إلى الأمام، وفي نهوض العلم بتحرير العقول من الخرافات والأساطير، وشكلت الأساس الفكري للنهضة في كل مجالات الحياة الاقتصادية والثقافية، وفي تجربة الإنسان السياسية.

كانت مصالح الرأسمالية الصاعدة حينذاك منسجمة مع مصالح البشرية في التقدم، فجاءت فلسفات العقل والتنوير نقلة تقدمية كبرى في تاريخ الفكر والفلسفة، لذلك ظلت خالدة ومؤثرة في الحراك الإنساني، وصارت إرثاً إنسانياً عظيماً لا تستغني الحركة التقدمية عن استلهامه في أية مرحلة من مراحل التطور.

وحين ترسّخت العلاقات الرأسمالية وتحولت إلى نظام سائد في أكثر الدول تقدماً، وإلى نظام يتحكم بالعالم كله عن طريق قوته المالية والعسكرية، كان لا بد للرأسمالية من فلسفات جديدة تعبر عن مرحلة الهيمنة والتسلط، فظهرت الفلسفات (العملية) وأبرزها الوضعية (ومن ثم الوضعية الجديدة) والبراغماتية.

كان الهدف المعلن لهذه الفلسفات تمجيد العلم، ومواجهة الفلسفة بوصفها نظام قيم، فكانت في جوهرها فلسفات ضد الفلسفة، لأن الرأسمالية في سيادتها وتسلطها تتبنى قيماً أخرى غير قيم الفلسفة الإنسانية المعروفة، ولأن لطبقة البرجوازيين نظرة مختلفة إلى الحق والخير والجمال، وهي حقل الفلسفة الأشمل عبر التاريخ.

ظهرت الوضعية (أوغست كونت ـ  توفي عام 1857) في أواسط القرن التاسع عشر، مواكبة وتسويقاً لنهوض الاستثمار وانتشاره، فأكدت أن الوضعية هي المرحلة العليا من مراحل تطور الفكر الإنساني، وهي مرحلة سيادة العلم والعلماء على هذا الفكر. ثم ظهرت البراغماتية في الربع الأخير من القرن التاسع عشر (1878) على يد بيرس، وهي فلسفة عملية بامتياز، إذ تقوم (نظرية) بيرس الأساسية على أن الفكرة لا قيمة لها إن لم ينتج منها عمل نافع (النفعية). ثم بلور وليام جيمس براغماتية بيرس وجعلها (نظاماً فلسفياً) حين عدّ النتيجة العملية مقياساً لصحة الفكرة أو خطئها، ثم جاء بعد جيمس براغماتيّون آخرون طبقوا ذلك المبدأ في حقول محددة، كما فعل جون ديوي وشيلر في مجال التربية وعلم الاجتماع.

لقد نظر جون ديوي إلى التربية نظرة عملية مطلقة، فالعقل برأيه ليس وسيلة الإنسان إلى المعرفة، بل وسيلته إلى خدمة الحياة، أي إلى تحقيق المزيد من الإنتاج والرفه والرغد. وقد يبدو هذا الرأي صحيحاً غير قابل للدحض، فغاية الإنسان الأخيرة هي تحسين حياته، وليست المعرفة هدفاً قائماً بذاته، بقدر ما هي أداة للتقدم في مجال السيطرة على الطبيعة وزيادة تسخيرها لنفع الإنسان.

لكن التعمق في فكرة ديوي يبين لنا أن مضمونها هو استصغار شأن العقل ودور المعرفة، وتعظيم الجانب المادي في حياة الإنسان وحاجاته، وهذا ما يؤدي إلى قصر المعرفة على الحياة اليومية، وضعف التفكير الاستراتيجي في مستقبل الإنسان. ولو نظرنا بموضوعية إلى ما فعله استخدام الإنسان العلمَ والتقدم التقني بالطبيعة ذاتها، وما تركه من أثر سلبي على التوازن البيئي، وما يحمل ذلك من أخطار على استمرار الحياة، لتبين لنا أن السعي إلى مزيد من السيطرة على الطبيعة، وتسخير العقل والعلم لمنفعة الإنسان كما تدعو البراغماتية، وتقزيم (نظام  القيم) وحصره بما يتفق وحاجات الإنسان المباشرة أو اليومية، هي أمور حملت من الضرر أكثر مما حملت من النفع، بل هي ترتد على الإنسان بنتائج بالغة الضرر.

لكن الذي يهمنا في هذه المقالة، هو ارتباط نشوء هذه الفلسفات وتطورها بحاجة الرأسماليين، بل كبار الرأسماليين تحديداً، إلى فكر يسوّغ جشعهم، ويقوّي النزعة الاستهلاكية، فتكون النتيجة تسخير عمل الناس لأرباح الرأسماليين تحت عنوان تسخير العقل لمنفعة الإنسان.

ولم تخرج الوضعية المنطقية عن هذا الهدف، فهي واضحة تماماً في إبعاد العقل عن التفكير بالمسائل القيمية الكبرى، إذ إنها تحدد دور الفلسفة ـ في عصرنا ـ بشرح نتائج العلم التجريبي وتحليلها، وتهمّش إلى أبعد حد دور العلوم الإنسانية، وتجعل الإنسان أسيراً لحاجاته الآنية.

لا أريد أن يفهم من هذا الكلام إلغاء أي جانب إيجابي في البراغماتية، أو الوضعية المنطقية، فتمجيد العلم أمر على درجة كبيرة من الصواب والفائدة، ولا سيما في مجتمعاتنا المتخلفة علمياً واجتماعياً، والتي ما يزال تأثير الأوهام في عقول أبنائها كبيراً، وقياس صوابية الأفكار بالنتائج العملية لها هو معيار مهم في السياسة والتعليم والإدارة وغيرها.

وبرغم أنّ ظهور الوضعية والبراغماتية والوضعية الجديدة كان معبراً عن حاجة الرأسمالية في مرحلة سيادتها وتسلّطها الاستعماري، فإن لهذه الفلسفات إيجابياتها أيضاً.

لقد انتقلت الفلسفة المعبرة عن مصالح الرأسمالية، من مرحلة العقل والتنوير التي كانت فيها فلسفة صحيحة وإيجابية، إلى مرحلة العملية والنفعية التي صارت فيها فلسفة ذات جانب سلبي وآخر إيجابي، ثم انتقلت في الربع الأخير من القرن العشرين إلى فلسفة ذات جانب سلبي على وجه التحديد.

وتعبر عن هذه المرحلة الأخيرة نظريتا (نهاية التاريخ، وصدام الحضارات). وسبق لنا أن كتبنا عن هاتين النظريتين، ونكتفي بالقول إن نظرية (صدام الحضارات) هي في جوهرها، تسويغ لعدوانية الإمبريالية، ولنهج الحروب الذي تنتهجه للسيطرة على مقدرات الدول الصغيرة أو الضعيفة، واختراع عداوات وهمية بين الشعوب على أساس الدين أو الحضارة، لطمس الأهداف الحقيقية للحروب الإمبريالية.

انطلاقاً مما ذكرناه، فإن مسيرة الفلسفة المعبرة عن مصالح الرأسمالية، هي التدرج باتجاه ضعف النزعة الإنسانية، تساوقاً مع تسويغ سلوك القوى الرأسمالية العظمى في كل مرحلة.

من هنا تأتي أهمية إبراز النزعة الإنسانية في الفلسفات المناقضة، وأهمها الفلسفة الماركسية. فالنزعة الإنسانية في الماركسية قوية في نقطتين تشكّلان أهم ما في هذه الفلسفة، وهما المنطلق الإنساني متجسّداً بوضع مصير الإنسان بيده، لا بيد المتنفذين ولا بيد الغيب، والغاية الإنسانية وهي تخليص الإنسان من الاغتراب عن طريق تخليصه من الاستغلال، وعن طريق تحقيق مستويات أعلى فأعلى من العدالة الاجتماعية.

وإذا كان التطبيق الذي شهده القرن العشرون لأفكار ماركس لم يؤدِّ إلى إبراز النزعة الإنسانية للماركسية، بسبب إغفال الديمقراطية سياسياً وفكرياً، متجلياً بحكم الحزب الواحد وهيمنة الفكر الواحد، فإن الماركسيين الجادّين قادرون، ومطلوب منهم اليوم، إبراز النزعة الإنسانية في فكرهم التغييري، عن طريق إعادة النظر النقدية في التجربة العملية للماركسية والحركة الشيوعية في القرن العشرين، وإعادة النظر بالماركسية ذاتها باتجاه تخليصها من نقاط ضعفها المتعلقة بالديمقراطية خاصة، وجعلها قادرة على استيعاب القيم الديمقراطية التي أكدتها تجربة الحركة السياسية في القرنين الماضيين، أو ما نسميه بقيم الليبرالية السياسية، متمثلة بالتعددية وحرية  التفكير والتعبير عن الرأي، والنقد، والنشاط السياسي، وغير ذلك.

إن سعي الإنسان إلى الحرية لم ينفصل في مرحلة من المراحل عن سعيه إلى العدل، ولعل الاشتراكية الحقيقية هي تلك التي تحقق هذه الثنائية الصعبة، والتي لا حدود لطرفيها، ولعل الماركسية ما تزال الفلسفة الأكثر ملاءمة للحركة التغييرية الطامحة إلى السير في طريق العدل والحرية.