هنري زغيب في
صدر للشاعر هنري زغيب كتابُهُ الجديد "نقطة على الحرف" في سلسلة "الأدب المسموع" التي أنشأَها مواصلاً بادرته في إيصال الكتاب "المسموع"، بعد عمله السابق (على أسطوانة مُدمجة): "أسمع بيروت بأقلامهم" وكان مجموع قصائد في العربية بصوته عن بيروت لشعراء من لبنان والدول العربية، وفي الفرنسية لأدباء لبنانيين بصوت الإعلامية الفرنسية داناي دوراكيس.
الكتاب الجديد (240 صفحة قطعاً وسَطاً) يحمل على غلافه لوحة ملوَّنة للرسام الإسباني خوان ميرو، ويضمُّ 100 تعليق من برنامج "نقطة على الحرف" الذي لا يزال الشاعر يقدّمه صباح كلّ أربعاء وأحد من إذاعة "صوت لبنان".
وفي الكتاب عشرة فصول منوعة المضمون والمعالجة: من لبنان الى العالم، شؤون ثقافية، فنّ وإبداع، شؤون سياسية، في قضايا المرأة، بعض من الروحانيات، في التواصل، في المدنيات، سيكولوجيا، عادات وتقاليد اجتماعية.
يتصدّر الكتاب إهداء جاء فيه:
الشُّعْلَةُ المُقدَّسَةُ التي، حين أَشرقَت شرارَتُها الجديدةُ ذاتَ فَجْر، غابَت نَهاراتُ القَبْل ليالي عتيقةً لا الى رُجوع!
الشُّعْلَةُ المُقدَّسَةُ التي لولاها لَـغَابت هذه النُّصوص بعد إِذاعَتِها، موجاتٍ عابِـرَةً على الأَثير العابِر، وَلَضاعَت خلْف مَوجات النسيان!
الشُّعْلَةُ المُقدَّسَةُ التي بَحَثَتْ وَوَجَدَتْ وأَشارَتْ، ثم تابَعَتْ وقرأَتْ واقتَرَحَتْ، ثم جَمَعَتْ وعَنْوَنَتْ وبَوَّبَت!
الشُّعْلَةُ المُقدَّسَةُ التي لَمَسَتْ بعَيْنَيْها الرّائِيَتَيْن، منذ النقطة على أزرق ميرو حتى النقطة على الحرف الأخير!
الشُّعْلَةُ المُقدَّسَةُ التي تَتَزَنْبَقُ تَوَاضُعاً وتقول: "لا فضلَ لي. أنتَ الْـكَتَبْت"، ولَها أقول: "الجدولُ فَيضٌ، والفَيضُ فرعٌ، والأصلُ هو النّبع"!
الشُّعْلَةُ المُقدَّسَةُ التي طُوباها على قلبي وقلمي صَحوةَ العمر الباقي،
إليها أرفع كلَّ نقطةٍ على حرف هذا الكتاب!".
***
ولأن الكاتب أدرى بما في كتابه، وتالياً كَتَبَ له مقدمةً تُدخل القارئ إليه في وُضُوحٍ وتَبَسُّط، تنشر "الأنوار" مقدمته لِما فيها من إضاءة شكلية ومضمونية على نصوص الكتاب.
وهنا نصُّ المقدِّمة كاملاً:
من نبرة الصوت الى نبضة القلم
- 1 -
إذا قدَرُ النصّ الإذاعيّ أن يغيب مع إذاعته على موجات الأثير، فخلاصُه معاكسةُ قدَره وحِفْظُه في كتاب.
هل ما يذيعه أثير الإذاعة ليُسمع، كلُّه عابر؟ وما الذي يبقى منه، بعد إذاعته، صالحاً ليبقى فيُقرأ؟
وهل يبقى النص صالحاً، كما هو، بين كتابته للاستماع العابر من أثير الإذاعة، ونشره للقراءة المتأنية في كتاب؟
منذ انطلاقة هذا التعليق الصباحي "نقطة على الحرف" من إذاعة "صوت لبنان" (وإعادة بثِّه ليلاً) وأنا أُصادف أصدقاء ومستمعين يسألونني نُسَخاً مكتوبة لهذه الحلقات، أو يتمنَّون عليّ حفظها في كتاب كي لا تضيع بعد سماعها. وحدث أن اتّصل بي مسؤولون في مدارس طلبوا نصوص حلقاتٍ سمعوها (ذات مواضيع بيئية أو تثقيفية أو في التربية المدنية) لتوزيعها على تلامذتهم والعمل عليها في الصف.
وكم كان يُفرحني أن ألتقي أحياناً مَن يُثْنُون على هذا التعليق، أو يتذكّرون ذاك التعليق، أو يذكِّرونني بذلك التعليق، ما بقي في ذاكرتهم من النص لِموضوعه، أو حَدَثِه، أو معالَجتِه، أو عباراتٍ رسخَت منه في بالهم. وهو ما كان لي ذا مردودٍ إعلاميٍّ ونفسيٍّ كافٍ لألْمس التواصل مع مستمعيَّ ورُدُود فعلهم إذ يُخاطبونني أو يُهاتفونني أو يراسلونني بريدياً أو إلكترونياً.
- 2 -
نصوص هذه الحلقات لامسَت ما يَهُمُّ المستمعين: في حياتهم المعيشية اليومية (إضاءةً عليها ودعوةً الى معالجتها) أو في ثقافتهم العامة. ذلك أن مواضيعها تراوحت بين المدنيات (أخلاقيات السلوك والتعامل والتواصل الذي هو علامة حضارة وفَن وثقافة) ومواضيع غير آنية (تزول بزوال مناسبتها أو ظرفها)، ومواضيع من التاريخ وإسقاطاتها على الحاضر، أو من العالم وإسقاطاتها على لبنان، ومواضيع فلَك وعلوم ومعلومات وإعلام وجغرافيا وتاريخ وبيئة، ومواضيع من مشاهداتي في أسفاري، ومواضيع غريبة وجديدة وغير مألوفة: ثانوية ومهملة يندُر أن تخطر على بال كاتب، ومواضيع في الثقافة العالمية أو في الفكر المجرَّد (فلسفة، سيكولوجيا، سوسيولوجيا،...) أو وطنيات عامة دون سياسات اصطفافية تنتصر لهذا أو تخاصم ذاك من "بيت بو سياسة"، ومواضيع تُبرز حقوق المواطن لكنها أيضاً تشير الى واجباته المواطنية، وسواها من مواضيعَ على الأديب أن يتطرق إليها في رؤية واسعة دون الانحصار في وحدها المواضيع الأدبية والشعرية. واتبعت هذه الحلقات أحياناً إيراد معلومة في البدء ثم التعليق عليها وإسقاطها على مجتمعنا لتعميم فائدة منها أكون قطفْتُها من مرجع إعلامي أو صحافي أو من موقع إلكتروني.
هكذا تَشَكَّلَت في هذه الحلقات باقةُ معلومات وآراء تعبيرية غير تنظيرية، في مروحة واسعة من الآفاق الثقافية العامة عالجتْها مواضيع غير شخصية ولا ذاتية، بل غيرية تهم الناس لأنها للناس، لذا ابتعدت عن "أنا" الكاتب فانطلقت من نقطةٍ على حرف وطارت بعيداً كي تبلغ حروف الناس.
- 3 -
أُسلوبياً، جاءت النصوص في بعض هذه الحلقات قاسيةً تدل على الجرح وعلى الخطأ والمخطئين، أو ساخرةً توجع ولا تُدمي. القرصة أحياناً أشد إيلاماً من الجرح حين هي من غضبٍ أو مراقبة أو مقابلة أو مقارنة بين ما عندنا من مثالب وما عند سوانا من حسنات. وإذا جاء بعضها على سجع (في العنوان أو في متن النص) فلأنها مكتوبة للسمع، واللغة ظاهرة صوتية تخترق الانتباه بالسجَع إذا تركَّزَ قلباً وقالباً.
- 4 -
فترةَ انطلقَت هذه الحلقات الصباحية من "صوت لبنان" (في 16 شباط 2004، يوميةً في البدء ولاحقاً كلّ أربعاء وأَحد) تبادر للبعض أنها ستكون أدباً وشِعْراً لأنّ صاحبها ابنُ الشِعر. لكنّ صاحبَها أيضاً ابنُ مُجتمعِه وناسِه ووطنِه، وأراد عبْرها أن ينطقَ بلسان الناس، ويكتبَ بأحاسيس الناس، ويعالج قضايا الناس، يحملَ شؤونهم وشجونهم، وتتمرَْأى في نصوصه هُمومهم وأفراحهم وشكاواهم وتمنياتهم.
وهنا الهدف من رسالة هذه الحلقات، أنها "عينٌ تَرصُد، قَلمٌ يدوّن، وصَوتٌ يُعَبِّر".
لم أتْبَع في كتابتها الحدَث الآنيّ (ينقضي وهجُه بعد حصوله فيسقط النص في النسيان مع عبور الحدَث)، بل دائماً أجعل في الحدَث إسقاطاً على ديمومةٍ تُبقيه صالحاً بعد انقضائه.
ولم أتَهاون مرةً واحدةً - ولا في نصٍّ واحدٍ - عن أن أصْعُبَ بتطلُّب النصاعة في نسج النّص، مضموناً وأسلوباً، ككتابتي أيّة قطعة أدبية. فالنثر عندي - للجريدة أَم للإذاعة - أَشتغل عليه كالقصيدة: أكتُب، أنقِّح، أَصقُل، أُنَقّي كلماتي من غبار المألوف والسائد والاستسهال، كي يبقى النصُّ ناصعاً عند إلقائه مسموعاً في الإذاعة، كما عند قراءته مطبوعاً في الكتاب.
- 5 -
لا تتَّبِعُ النصوصُ في هذا الكتاب تسلسلَها الزمنيّ كما صدرَت حلقاتٍ في الإذاعة، بل تصدر في هذا الكتاب مُبَوَّبَةً في عشرة مَحاور عالَجَت أُموراً تراوحَت من لبنان والعالم الى العادات والتقاليد، مروراً بالثقافة والفنون وقضايا المرأة والسياسة والروحانيّات والتواصُل والمدنيّات والسيكولوجيا.
- 6 -
عند البدء بمراجعة النصوص لنشرها في هذا الكتاب، كانت الحلقات على أَثير "صوت لبنان" بلغَت 858 حلقة. ولاستحالة نشر الـ858 حلقة جميعاً، كان الخيارُ جَمْعَ آخر 100 حلقة منها (758 الى 858) طَوال عامٍ كامل (تشرين الثاني 2008 - تشرين الثاني 2009) تؤرّخ مرحلةً نوعيةً في فكري وكتابتي ومعالَجاتي رافقَت فترةً نابضةً من حياةٍ ثقافية وسياسية واجتماعية تَمَيَّزَ بِها العام 2009 في لبنان.
- 7 -
هذه هي الحلقات المئة من "نقطة على الحرف" انطلقَت بصَوتي من إذاعة "صوت لبنان"، وجاءت تستريح نصوصاً بين دفتين، منتقلةً الى القراءة بعد الاستماع.
هي ذي هنا، بين يديك، مَجموعةً في كتاب.
لَم تَعُد تَحمل صوتي، لكنّها تَحمل نبضات قلمي الذي لا ينفصل، في يقينه وقناعاته، عن نبرات صوتي.
هنري زغيب
_____________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________________
*) نقلاً عن جريدة "الأنوار" اللبنانية (ص 16) - الأَربعاء 24/03/2010.