عيد سيدة صيدنايا - قصة

أنطون سعاده قرأها 1,248
  

أرسلها محمد عبّاس

صيدنايا بلدة صغيرة بالقرب من دمشق، كل منازلها تقريباً أكواخ بالمعنى الصحيح، وليس فيها بناء كبير يستحق الذكر سوى ديرها المشهور، وهو بناء على شيء من الفخامة، مبني على ذروة تل تشرف على جميع الجهات التي حول البلدة القائمة في السفح، وليس في كل تلك الجهات موقع أجمل من موقعه (أن احتلال الأديرة أجمل مواقع البلاد لأمر بديهي عندنا، فالأديرة في بلادنا تقوم مقام قصور الأمراء والإشراف في البلدان الغربية)، ويتألف دير صيدنايا من بناء صغير قديم جداً أضيفت أبنية جديدة إليه تدريجياً، والمعروف أن جزءاً هاماً منه أقامه بناؤون شويريون كانوا مشهورين بالهندسة والبناء.

ليست أكواخ صيدنايا على شيء من الرواء والرونق، فلا شجر ولا نبات يكتنفها، ولكن في السهل المنبسط عند أسفل التل بستان كبير فيه أغراس زيتون عديدة وأشجار جوز باسقة الأغصان، وارفة الظلال يرويه ماء نبع غزير وتقوم فوق هضبة لا تبعد عن التل القائم عليه الدير، في أعلاها وسفحها، كروم عنب وتين قليلة، وفي سفح هذه الهضبة مغارة تسمى مغارة (أم بزاز) (ذات الأثداء) ويعتقد أهل تلك النواحي أنها مقدسة ويعدّون الحج إليها من جملة الفرائض. أما (أم بزاز) التي أطلق اسمها على هذه المغارة فهي قديسة قديمة هكذا يقولون- أو هي سيدة صيدنايا والقرويون يتناقلون عنها حكايات غريبة تدل على قوتها العجائبية ويوقدون لها الشموع ويوفون نذورهم لها على مذبح محفور في جانب المغارة إلى يمين المدخل، ولا يزال هؤلاء القرويون البسطاء يستدلون على صحة حكايات القديسة وعجائبها بوجود مكان معين في قبة المغارة يرشح منه ماء قطرة كل ثلاث دقائق تقريباً، يجدون في انتظام رشح الماء على الوصف المتقدم رمزاً لقوة أم بزاز السحرية، ومع أن تعليل رشح الماء سهل جداً لوجود الماء على الهضبة فإن القرويين يرون رشحه من مكان معين سراً مختصاً بالسيدة أم بزاز، وهم يتبرّكون بقطرات الماء حتى أنهم وضعوا تحت المكان الذي ترشح منه حجراً يقعد عليه من أراد التبرك ويتقبل قطرة الماء على جبينه.

يؤم صيدنايا في عيد السيدة خلق كثير من أنحاء كثيرة من القطر السوري من دمشق العاصمة، أقدم مدينة موجودة في العالم، ومن حلب وأنطاكية مدينة الإله أدونيس، ومن بيروت عروس المتوسط مدينة عشتروت القديمة والاسكندرية وحمص الغنيات بآثارها التاريخية ومن جبيل أو بيبلوس القديمة، ومنارة العلم في الشرق الأدنى قديماً وحديثاً، ومن صيدا وصور المدينتين الخالدتي الأثر في تاريخ المدنية والعمران، ومن حيفا ويافا والقدس منائر الجنوب، ومن قرى لبنان الجبل الجميل الفخم وبقية البلاد شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً، فيجتمع في العيد المذكور خلق كثير لا من المسيحيين فقط بل من المحمديين أيضاً لأن عيد صيدنايا يتخذ صفة عيد شعبي لسكان تلك المنطقة، فيبتهج فيه الشعب على اختلاف نحله، الأمر الذي ينبهنا إلى الفائدة الاجتماعية الجليلة التي يجنيها الشعب السوري كله من جعل الأعياد الدينية المحمدية والمسيحية الكبرى أعياداً شعبية يوجد فيها السرور والابتهاج عواطف جميع السوريين ويجعلهم يشعرون بوحدتهم القومية والاجتماعية. يبتدئ القوم يتقاطرون إلى صيدنايا قبل العيد بأيام ثم تفد جموعهم في اليوم السابق للعيد ويوم العيد الأول (مدة عيد صيدنايا ثلاثة أيام) وهم يستخدمون وسائل النقل العصرية كالسيارات والدراجات النارية بدلاً من العربات والخيل والحمير وغيرها التي كانت تستعمل قبلاً حتى عهد قريب، وطريق صيدنايا سهلة غير أنه لا يزال قسم منها غير معبد فكلما مرت سيارة أثارت غباراً، وليكن القادمين قلما يبالون بالغبار فلا ينتصف نهار العيد الأول إلا وغرف الدير وكنيسته وساحاته الداخلية وسطوحه قد غصت بالجموع ولم يعد فيها متسع للجموع الأخرى التي لا تنقطع وفودها كل ذلك النهار، فيحدث هرج ومرج عظيمان تضطرب لهما البلدة الصغيرة وبينما الجماهير في غدو ورواح إذ بالشبان يؤلفون فرق (العراضات) التي تتجول في كل مكان ويملأ هتافها كل تلك الناحية، أما أهل البلدة فبعضهم ينصرفون إلى إعداد بيوتهم لنزول القادمين الذين يضيق بهم الدير على رحبه، والبعض الآخرون يعدّون المآكل من لحم مشوق وبيض مسلوق وخبز وجبن وزيتون، أو يجيئون بالعنب والتين وأنواع البزور إلى الدير ليبيعوها للزائرين، ويدور في الدير رقص (الدبكة) فيؤلف الرجال حلقاتهم وتؤلف النساء حلقاتهن، ولا يخلو الأمر من جاهل أو أحمق لا يعرف آداب السلوك والمعاشرة أو هو يعرفها ولا يعرف أن يحافظ عليها فيكون سبباً في تشويه العيد على القوم وعلى نفسه. وأهم ما يسترعي انتباه الزائر القادم إلى العيد لأول مرة من شؤون الخلق المزدحمين هناك ملابس القرويات وحللهن الخاصة بالأعياد، فللقرويات السوريات حلل زاهية الألوان، بديعة المنظر حتى أنه يحق لهن أن يباهين بها قرويات العالم في سلامة الذوق وجمال المظهر، وملابس قروياتنا إجمالاً جميلة ولها رونق الزي القومي بيد أن قرويات معلولا يمتزن بزي خاص هو من أجمل أزيائنا القروية القومية وبقية زي القرويات السوريات، القديم الأصلي. قلت أنه لا يخلو الأمر في الحوادث الشعبية، مثل عيد سيدة صيدنايا، والحمقى لا يتركون فرصة تمر دون أن يغتنموها لإظهار جهلهم وحماقتهم، فاجتمع منهم في عيد سيدة صيدنايا سنة 1930 عدد غير يسير، إلا أن واحداً منهم امتاز عنهم بجرأته وإقدامه وجعل للحادث التالي أهمية روائية ما كان ليكتسبها لولا الأعمال المرشحية والأدوار التمثيلية التي أتاها.

كان بين القادمين إلى دير صيدنايا في عيد السنة المذكورة شاب من لبنان ربعة إلى الطول، مرير القوى، مسمور الجسم، في قامته استقامة الرمح، ذو صدر يشبه بارتفاعه برجاً حصيناً، وهو مستوي الوقفة، معتدل الخطوة ولعينيه بريق تظهر فيه قوة روحه، وهيأته إجمالاً تدل على أنه غير ميال كثيراً إلى الهزل، بيد أنه كان يحب مشاهدة الألعاب ويسر بها سرور الطفل، والناظر إليه يدرك لأول وهلة أنه ليس من الذين ذهبت أخلاقهم وفسدت طباعهم من شبان هذا العصر الذين لم يحصلوا حين نشأتهم على تربية عائلية اجتماعية صحيحة، ولا من الذين أنشبت مخالبهم بها المشارب القديمة الفاسدة التي لا تجرُّ على من يتمسك بها في القرن الحاضر إلا الوبال، كانت نفسه بسيطة وكان في مقتبل العمر، واسمه إبراهيم -لا أريد أن أدعوه باسمه الحقيقي ولا أن أذكر اسم البلدة التي جاء منها لكيلا تتحول إلى أمر شخصي وتفقد صفة الواقعية الروائية المقصودة ومن المؤكد أن إبراهيم لم يأت إلى صيدنايا لفروض كنسية لأنه كان يحب الله والطبيعة حباً خالياً من الرهبة التي تدعو إلى السجود وتقديم القرابين، ويهرب من الطقوس، ورغبته الوحيدة كانت أن يشترك في العيد ويرى مظاهر جديدة من مظاهر قومه الشعبية، لذلك كان إعجابه بالمشاهد الكثيرة التي وقعت عليها عيناه المتقدتان شديداً، بل كان ابتهاج الطفل يبدو على وجهه كلما رأى حلل القرويات الزاهية.

لإبراهيم في بلدته سيرة بطولة مشهورة يعرفها كل الذين يهتمون بتناقل الأبطال وكان الشبان الذين يعرفونه ينظرون إليه نظرهم إلى مثال فخم لقوة الجسد والروح، حتى إنه إذا وجد بينهم وخطر لهم أن يدخلوا على الأسود في عرائنا، أو أن يتصدوا لمحاربة جيش مسلح ولا سلاح لهم إلا العصى، أقدموا موقنين بالفوز، وفيما سوى ذلك كان هذا الشاب مشهوراً بغرابة الأطوار، من ذلك أنه كان يكره الظهور ويأنف من عرض قوته البدنية العظيمة على الناس فخالف بذلك عادة الفتيان الذين لا يكادون يطمئنون إلى شيء من القوة في عضلاتهم حتى يعمدوا إلى إظهاره والمفاخرة به، وكان يبتعد عن مخالطة الناس خصوصاً الجنس اللطيف، فكان يفارق كل مجلس يضم سيدات أو آنسات، ويعرض على الحسان اللواتي كن يخفين في صدورهن شوقاً لاعجاً للاجتماع به، مثيراً كوامن غيظهن بعدم مبالاته وعبثه حتى أخن يتناقلن عنه حكايات مختلفة، القصد منها الحط من شأنه، وشاركهن في غيظهن كل الشبان الذين كانوا يحسدونه لعلوه عن مستواهم في القوة البدنية وقوة الإرادة فجعلوا يذيعون عنه حكايات قصدوا منها أن يطعنوه في رجولته، أما هو فكان يترفّع عنهم ويمرّ بأقاصيصهم مرور الكرام، ومع ذلك لم ير بدّاً من تأديب واحدٍ أو اثنين بلغت بهما الوقاحة حداً حملهم على الاقتناع بما كانوا يختلقونه عنه. مما يجب ألا يغفل ذكره هنا أمر له علاقة كبيرة بنهاية هذه القصة، وهو أن إبراهيم سئل مرة كيف يجب أن تكون امرأته فيما لو أراد أن يتزوج، وكان السائل صديقاً حميماً لإبراهيم فأجابه أنه يرى انتخاب امرأة صحيحة الجسم، قوية البنية، مليئة، مكتنزة، موردة الخدين، وافرة العقل، حسنة المدارك، تعرف كيف تدير شؤون بيتها ويكون من صحتها صحة لأولادها.

دخل إبراهيم الدير وأخذ يتجول في باحاته وأروقته ويتنقل على سطوحه ثم أنه أشرف على أحد السطوح ليراقب ما يجري في الباحة الكبيرة التي أمامه، فوقعت عينه على حلقة (دبكة) في وسطها، مؤلفة من فتيات قرويات والجمع يحدث بها من جميع النواحي حتى صارت حلقة ضمن حلقات، وبينما هو يتمتع بمرأى حلقة الرقص إذ بإحداى الراقصات تنفرد عن رفيقاتها وتدخل وسط الحلقة وتأخذ في رقص فردي مبتكر بينما رفيقاتها يتابعن الدبكة حولها، وكانت الفتاة معتدلة القد هيفاء القوام، تلعاء الجيد، أسيلة الخد، ذلفاء الأنف، حوراء العينين، وطفاء الأهداب، وكانت لابسة حلة أرجوانية، شادة وسطها بنطاق مذهب، معلقة في أذنيها الصغيرتين قرطين كبيرين تتدلّى منهما قطع نقود ذهبية صغيرة، لافَّةً شعرها بمنديل تتعلق به قطع نقود فضة ومن فوقه وشاح أبيض مسدل على ظهرها، لم يكن إبراهيم قد رأى من قبل راقصة مثل هذه ولا فتاة شبيهة بها، فأعجب بمرآها أيما إعجاب وأخذ يتأمل قدها الجميل وهيأتها اللطيفة ويراقبها. في خطوها وتنقلها وسرعة دورانها ورشاقتها في انحنائها وتمايلها، صفات تتجلى فيها قوة عاطفتها وشدة إحساسها، وكانت بين حين وآخر ترفع رأسها بشمم واعتزاز وتلقي على ما حولها نظرات فيها كل معاني عدم المبالاة. وقف صاحبنا ينظر إلى هذه الراقصة برغبة عظيمة وارتياح تام، ولأول مرة في حياته شعر بخفقان في قلبه وأحس حرارة شديدة تغشي سطح بدنه دون أن ينتبه إلى هذه الحالة الجديدة التي صار إليها، ولو رآه على هذه الحالة من يعرفه جيداً لعجب كثيراً من استئناسه بمرأى الفتيات وإعجابه بمظهر الراقصة الحسناء وهو الذي كان يهرب من النساء ومن كل مجتمع نسائي هرباً، ولا يرغب في أن يرى منهم إلا من كانت ممتلئة البدن. لاشك في أنه لو انتبه ابراهيم إلى نفسه في هذه الآونة ورأى الحالة التي هو عليها لكان أخلى مكانه بغاية السرعة وهرب جرياً على عادته وهزأ من نفسه كيف أطاق أن يطيل النظر إلى حلقة من النساء ويبتهج بمرأى فتاة غريبة جداً عن نوع الجمع الذي كان يملأ تصوراته، ولكنهن لم ينتبه قط لأن الراقصة كانت آية في الذوق والإبداع ولها مدلولات نفسية تثير كوامن الشعور، لم يكن هو الوحيد الذي ترك كل شيء آخر وأقبل لمشاهدة الراقصة الأنيقة، بل أن الباحة التي كانت ترقص فيها كانت كلها أعناقاً متطاولة نحوها. أخيراً أتمت الراقصة رقصها الفردي فأقلت رفيقاتها يهنئنها وسط عاصفة من التصفيق توردت لها وجنتاها، أما إبراهيم فبقي في مكانه لا يصفق ولا يهتف ولكن عينيه كانتا يراقبان ما يجري في الأسفل باضطراب وقلق، فإن فريقاً من الجمهور المزدحم في الباحة مؤلفاً من أولئك البلهاء الذين يظنون الفطنة كل الفطنة في انتهاز مثل هذه الفرصة للتلذذ بأتفه الملذات وأحقرها كملامسة أجساد الفتيات والنظر إلى وجوههن عن كثب بوقاحة وصلابة جبين تظهر فيهما الغريزة الحيوانية بوضوح تام، أطبق على الراقصات وضرب حولهن نطاقاً ضيقاً أصبح اختراقه من الصعب عليهن، إذا لم يكن من المستحيل، فتضايقن جداً وعبثاً نظرن إلى من حولهن نظرات ملؤها التضرع، وكان بين الجميع شاب يشق طريقه نحو الفتيات وعليه دلائل الجذل الممزوج بالخبث، فاغتاظ إبراهيم جداً من هذه الحال خصوصاً من الشاب الذي كان يتقدم نحو الفتيات وليس في هيئته ما يدل على أنه يقصد الإفراج عنهن ولم يتمالك أن انحدر إلى الساحة وطلب من جمهور الرجال الواقفين هناك أن يفسحوا له مجالاً للتقدم ولما رأى أنهم قابلوا طلبه بعدم الاكتراث ابتدأ يجذب بعضهم ويدفع آخرين بقوته الملكارتية حتى شق لنفسه بين الجمع طريقاً عريضة كافية لمرور شخص واحد دون انزعاج، فلما بلغ المكان الذي انحصرت فيه الفتيات كان الشاب الذي انسل بين الجمع قدامه وقد سبقه وجعل يحادث الراقصة الحسناء بتودد، أما هي فامتعضت من وجوده وازدادت اضطراباً لما رأت مضايقة القوم لها ولرفيقاتها، فلما رأت إبراهيم مقلاً والرجال تتطاير من يديه ذات اليمين وذات اليسار، دهشت دهشاً عظيماً ثم أنها لم تلبث أن أدركت أنه آت للإفراج عنها وعن رفيقاتها فأكبرت نخوته وشجاعته. فتقدم إبراهيم إلى هذه الفتاة ووقف لحظة يبادلها النظر وهو لا يدري ماذا يفعل، وكأن الفتاة أيضاً لم تكن تدري ماذا تفعل، ثم خاطبها قائلاً: (أيتها الآنسة، إن الطريق مفتوحة لك ولرفيقاتك)، فأجابته بصوت خريد، وقد تضرج خداها: (إني أشكرك من كل قلبي فإنك قد أنقذتنا وحدك)، وعلى أثر غضت نظرها وأنطلقت في الممر الذي افتتحه إبراهيم وسارت رفيقاتها في أثرها. أما إبراهيم فإنه بقي في مكانه مبهوتاً حائراً وكان قد همّ أولاً بالإجابة على شكر الفتاة ولكن عواطفه كانت أقوى من آداب المجاملات فلم يسعده النطق ولم يعد يعرف كيف يتصرف لأن هذا اللقاء ربك رأيه تربيكاً. بيد أن حيرة إبراهيم لم تستمر طويلاً، لأن الشاب الآخر الذي ظل لحظة واقفاً يحرق الأرم على إبراهيم لقطعه عليه ما كان آخذاً فيه، تحرك بغتة من موقفه وهمّ باللحاق بالفتاة التي لم تكن قد توارت عن النظر، فنبه تحركه إبراهيم فمدّ إليه يده القوية بسرعة البرق وجذبه إلى الوراء وصاح به بغضب: (إذا كنت لا تترك مطاردة الفتيات فقد تقع في ورطة يعسر عليك الخروج منها). وكانت صيحته قوية إلى حد أن الفتاة سمعتها فالتفتت إلى ورائها ورأته قابضاً على عضد الشاب فكرَّت عائدة ملهوفة وخاطبته بتضرع قائلة: (سامح هذا الشاب وأخل سبيله لأنه لا يدري ما يفعل) فتركه إبراهيم وقد دهش لتصرف الفتاة التي لم تكد ترى يده رجعت حتى أخذت بساعد الشاب وحاولت أن تجره وهي تقول (تعال، عجل) ولكن هذا بدلاً من أن يتبعها نظر إلى إبراهم شزراً وقال له: (سنلتقي مرة أخرى في هذا المساء وحينئذ أريك كيف تكون نتيجة تعرضك لما لا يعنيك) وأفلت على الأثر من الفتاة وسار منفرداً، وكان كلما بعد عن المكان ازداد التهاباً وقلبه حقداً. حينئذ نكست الفتاة رأسها ورجعت مسرعة من حيث أتت كمن يريد الهرب من شيء يخشاه، وبقي إبراهيم في مكانه وهو ما كاد يستفيق من ذهول حتى عاجله ذهول أشد منه، ولكن لغط الناس حوله نبه فرفع رأسه ونظر إلى الجمع بعينين ضاقت الدنيا بهما ثم سدد خطاه نحو الممر المؤدي إلى الخارج وسار والناس تتراجع من طريقه كما من أمام جبار أو أمير.

لم يكن قد بقي لغروب الشمس سوى ساعة أو أكثر قليلاً، ولم يكن إبراهيم يدري لمَ أراد الخروج من الدير ولا إلى أين يتوجه ولكنه لما صار في الخارج استرسل إلى إحساسه وهام على وجهه بين الهضاب التي بجانب الدبر ورأسه مثقل بالألغاز والأحاجي وكل ما مر به كان يبدو له معميات: "من تكون تلك القروية الحسناء؟ ومن يكون ذلك الشاب وما شأنه معها؟ ولكن لماذا يقلقني ذلك وما يعنيني أنا من أمر الاثنين ولماذا يجب أن أفكر دائماً بتلك الفتاة؟". وكان كلما حاول أن يضعف من شأن هذه المسائل ازداد قلقه لها وشعر أنها مسيطرة على شعوره حتى أيقن أنه لا يمكنه أن ينساها مهما بدت له عادية أو تافهة، فحاول أن يسري همّه بالانتباه إلى طبيعة الأرض التي يمر بها، وإذا به يرى نفسه تجاه كهف محفور في منحدر الهضبة، وشاهد ناساً واقفين عند مدخله وآخرين داخله. فاقترب من صبي كان آتياً من جهة الكهف وسأله عن شأن الناس المجتمعين هناك فأجابه الصبي: "هذه مغارة القديسة أم بزاز، والناس يأتون لزيارتها". ولم يكد إبراهيم يسمع ذلك حتى شعر برغبة شديدة في دخول الكهف والوقوف على ما فيه. ولم يتردد لحظة واحدة في تحقيق هذه الرغبة فلما صار في داخله لم يجد فيه شيئاً غير عادي عن الكهوف التي تكثر في مناطق البلاد الجبلية سوى المذبح الصغير في جانبه الأيمن. وكان في الكهف بعض النساء ينتظرن فتاة قعدت تحت مرشح الماء تتوقع حلول بركة القديسة عليها، وشاهد إبراهيم قطرة الماء تسقط على جبينها وكيف أن النساء ابتهجن لذلك فاكتفى بما شاهد وأقتلع من سقف الكهف حجرين صغيرين للذكرى وتحول إلى المخرج ولكن امرأة كانت واقفة هناك استوقفته قائلة: "تبرّك أولا ثم أخرج لأنه لا يحسن أن يزور إنسان هذا المكان ويعود بدون بركة القديسة". ولكن إبراهيم انحاز عنها وقفز إلى الخارج وعاد في طريق الدير. وفيما هو في الطريق عاد يفكر: "إن ذلك الشاب قال لي أننا سنلتقي في هذا المساء فكيف يعلم أننا سنلتقي؟! قد يخطر لي أن أغادر صيدنايا الآن ومن ثم لا نعود نلتقي. ولكن لم أبرح هذه البلدة. هل هناك ما يضطرني إلى ذلك؟! ثم ماذا سيحدث في هذه العشية، أهو شيء جديد غريب يعرض لي لأول مرة ـ أف لهذه الوساوس!!. وهل يمكن أن أكون قد أمسيت عرضة لها؟!".

لما بلغ إبراهيم الدير كانت الشمس قد توارت منذ بضع دقائق وأخذ الليل يرخي سدوله فأنه كان ليلا داجياً. وكانت ساحات الدير الداخلية قد أنيرت بقناديل البترول والجموع لا تزال على حالها من الازدحام والهرج والمرج، إلا القروية الحسناء فأنها لم تعد تظهر لهم. فسار إبراهيم في ذلك المحيط الخضم على غير هدى ودخل أحد الأروقة وكانت قاعة الطعام في آخره فرأته إحدى الراهبات ودعته إلى العشاء وإذ لم يكن يشعر بميل للأكل شكر واعتذر وتحول إلى ممر قريب قامت في وسطه غرفة صغيرة كان بابها مفتوحاً قليلاً، وفيما هو يجتاز هذا الباب سمع من داخل الغرفة صوتاً رخيماً أدرك حالاً أنه صوت الراقصة القروية فتوقف عن غير عمد وطرقت مسامعه الكلمات الآتية" "لا تكن عنيداً يا جرجس، فيكفيني أن أكون تدخلت من أجلك أصيل هذا النهار. ولا تنسَ أن أمك مريضة وأنه يجب عليك أن لا تجعلني سبباً للشر. وأنت قد توعدت شابا كريم الأخلاق دافع عنا وأخرجنا من المأزق الحرج الذي كنا فيه، وهو شاب قوي يُخشى منه ولا يُخشى عليه فلا تتعرض له". فأجابها المخاطَب: "إذا كان الشاب قوياً فأن ضربة سيفي لا ترد. وسترين صدْق قولي". فأسرع إبراهيم بالابتعاد، موبخاً نفسه على وقوفه عند الباب كمن يتعمد استراق السمع وصعد إلى أحد السطوح وقد خطر له أن يغادر صيدنايا في الحال، ولكنه عاد ففكر: "لماذا يجب أن أغادر صيدنايا، وهل من عادتي أن أهرب؟". ولكن ما هذا القلق المستولي علي ولم أعهد في نفسي شيئا من ذلك من قبل؟ وبعد أن هدأ روعه قال في سره: "من تكون هذه الفتاة؟ إنها تقول أنه يُخشى مني ولا يُخشى عليّ". عند هذا الخاطر ابتسم ولم يشأ أن يطيل التفكير فأخذ يجول وينتقل من سطح إلى ساحة ومن ساحة إلى سطح لعله يزيل ما به من حيرة. وبينما هو في جولاته إذا بفتى لا يتجاوز الثانية والعشرين من عمره، جميل الطلعة، حسن الهندام، معتدل القامة، شديد الأسر قبض على ساعده في إحدى الساحات وصاح به: "ما الذي جاء بك إلى هنا يا إبراهيم؟ إنها والله لصدقة تستحق التسجيل"، فالتفت إبراهيم ليرى من ذا الذي أمسكه ومرّت عليه بضع ثوان قبل أن يتمكن من استرداد أفكاره الشاردة، ثم ظهرت عليه علائم البشْر وقال: "آه، هذا أنت، يا رشيد، مرحباً، مرحباً، لقد جئت أنا لحضور العيد وأنت ما الذي جاء بك"؟.

- وأنا أيضاً جئت لحضور العيد ولكني جئت على ميعاد وأرجو أن يكون مُواعدي قد حضر، وإني أشكر التقادير التي جمعني بك الآن لتكون شاهداً على ما سيجري.

- ماذا سيجري؟.

وتسارعت الخواطر في دماغ إبراهيم.

- سيجري ضراب بالسيف، مبارزة حكيمة أنا أحد المتنازلين فيها، ويسرني كثيراً وجودك هنا، فقد لا يكون هنا أحد غيرك صديقاً وخبيراً بهذه اللعبة الخطرة.

- من خصمك؟

- أرجو أن ألتقي به قريباً فهل لك أن تصحبني؟

- بطيبة خاطر، ولكن ما هذا الميعاد الغريب للمبارزة؟

- إن لذلك حكاية لا مجال لِقَصِّها عليك الآن، وقد تأتي فرصة أخرى لذلك، هلمّ نصعد إلى السطح.

صعد الاثنان إلى أحد السطوح وأخذا يتسامران. وكان رشيد لا يغفل عن مراقبة الساحة التي تحت، وبغتةً توقف وأمسك رفيقه وهزّه قائلاً: "أنظر إلى ذلك الشاب الذي يخوض عباب الجمع هناك، هذا هو خصمي، إنه ولاشك يبحث عني فهلمّ بنا نلاقِه". نظر إبراهيم ورأى شاباً عرف فوراً أنه نفس الشاب الذي توعده في النهار، فبهت لهذه الصدفة المفاجئة وتبع رفيقه وهو يتمتم لنفسه: "إنه من لاعبي الحكم ([1]) ويبارز في الليل على ميعاد، وأمه مريضة ولكنه لا يعبأ بها، ويوجد فتاة تتدخل من أجله وتنصحه من أجل أمه ومع ذلك يظل على عناده".

عندما لاقى رشيد خصمه ابتدره قائلاً: "لقد كدت أتأخر عن المجيء لأسباب، وأرجو أن لا يكون الميعاد قد فات"؟. فأجابه وهو ينظر إلى إبراهيم متعجباً من وجوده: "لمّا يفت الوقت، بل لا يزال أمامنا نحو نصف ساعة يمكننا أثناءها أن ندرس المكان ونعين الحكم". فقال رشيد: "اسمح لي أن أقدم صديقي إبراهيم إليك فهو غير مشهور في عالم التحكيم ولكنه أبرع من انتضى سيفاً".. والتفت إلى إبراهيم وقال له: "أقدم إليك السيد جرجس أحد البارعين بضرب السيف. فانحنى إبراهيم وانحنى الشاب ولكنهما لم يتصافحا، وسار الثلاثة يبحثون عن مكان موافق للمبارزة إلى أن اهتدوا إلى باحة صغيرة منعزلة واقعة في القسم الخلفي من الدير، معلق في وسطها قنديلٌ غازيٌّ نورُه كافٍ لإنارة المكان ثم أن جرجس قدم رجلاً عارفاً بأبواب الحكْم ورشحه للقضاء بينه وبين خصمه فقبله رشيد وزاد جرجس أن يكون لإبراهيم الحق في مراقبة المبارزة بما أنه ممن يحسنون الحكْم، بعد ذلك أفترق الخصمان فذهب جرجس مع الرجل الذي رشحه هو ليكون حكَماً وانصرف رشيد برفقة إبراهيم، فقال إبراهيم: "إنها المرة الأولى في حياتي التي أرى فيها مثل هذه الألغاز". فأجابه رشيد: "سترى إن للألغاز لذَّتَها، بل أنت تعلم ذلك لأن حياتك كلها ألغاز بألغاز، ألم تقم مرات كثيرة بأعمال غريبة كان يعدُّها الناس ألغازاً ولكنك أنت كنت تعدُّها شيئاً طبيعياً، بديهياً؟ كَ إني أقتبس من نورك واقتفي خطاك وأعلم أن الغازي ليست شيئاً يذكر بالنسبة إلى ألغازك وأرى أن ألغاز حياتك المقبلة ستكون أعظم من ألغاز حياتك الماضية".

لم يجب إبراهيم على كلام صديقه، أما لأنه وجده مصيباً أو لسبب آخر لم يرد إظهاره، وصمت رشيد أيضاً لأنه كان عليه أن يستعد للمبارزة، ودخل الإثنان إحدى الغرف حيث نزع رشيد ثيابه المدنية ولبس منها ثوباً بسيطاً تسهل معه حركة جسمه واحتذى نعلاً خفيفة، ثم أخرج من حقيبة مستطيلة كان يحملها معه سيفاً وترساً، يبدو حالاً من مظهرهما أنهما خصوصيان فجرّد السيف وجعل يتفحّص حدّه وأداره في الهواء عدة مرات لتمرين ذراعه وأعاده على الإثر إلى غمده وتأبطه وحمل الترس والتفت إلى صديقه وقال: "ها أنا حاضر للقتال فكيف تراني"؟.

- أراك نشيطاً وفي حالة حسنة، ولكنك لم تقل لي إلى أي حد من الخطر ستبلغ المبارزة؟

- إلى الحد الأخير.

- وهل هذا التصميم نهائي لا رجوع عنه؟

- إنه نهائي إلى النهاية.

ونظر إلى ساعته وقال: "هيا بنا فقد حان الميعاد". وخرج من الغرفة وتبعه إبراهيم صامتاً. ولما بلغا الساحة المعينة وجدا أنهما الأولان للقدوم ولم يكن هنالك جمع غفير، فجعلا يتمشيان ذهاباً وإياباً ويتكلمان عن أشياء تافهة وأمور لا محلّ لها، قتلاً للوقت، إلى أن قدم الإثنان الآخران فاستقبلاهما وتفاهموا على بعض النقط المتعلقة بالأصول المتبعة في الجلاد بالسيف، ثم اتخذ كل من الخصمين مركزه مقابل الآخر واتخذ الحكَم موقفه ووقف إبراهيم في طرف الساحة عند متوسطها وأعطى الحكَم الإشارة فتناول المتنازلان سيفيهما وترسيهما وشرعا يتجاولان من بعيد تمهيداً للالتحام. ما كاد سيفا المتبارزين يلمعان على ضوء القنديل ويقبقبان على الترسين حتى أقبل الجمع وضربوا نطاقاً عند مدار الساحة وشعر القوم على السطوح بما يجري فأشرفوا من كل مكان مناسب، وأشرأبت الأعناق وأمسى المتضاربان قبلة الأنظار وكان الناس يظنون أنهما يلعبان السيف من قبيل اللهو. تجول الخصمان حتى سبر كل منهما غور الآخر ثم تقاربا والتحما وسُمع لسيفيهما طرقٌ متكرر على الترسين ولكن لم ينل أحدهما من الآخر منالاً فأشار الحكم بالتراجع فتراجعا، ثم عادا إلى التجالد بين كر وفر، وفي هذه الأثناء أصاب سيف جرجس صدر رشيد فجرحه، ولاحظ إبراهيم أن جرجس يستعمل في التسايف ضروباً لا يستعملها من عنده شيء من كرامة وآداب السيف، بعكس رشيد الذي كان نزيهاً في كل أبوابه، يجيب على ضربات الغش المسددة نحوه بضربات صريحة، فصبر على هذه الضربة الأولى، ولكن لم يطل الوقت حتى عاد جرجس فجرح رشيداً في كتفه جرحاً بالغاً مستعملاً نفس الضروب المعيبة لرجال السيف، فلم يطق إبراهيم صبراً على ذلك، خصوصاً بعد أن رأى أن الحكَم لا يتدخل وصديقه أشرف على حالة حرجة فقفز إلى وسط الساحة وحال بين الخصمين في الوقت المناسب لمنع ضربة أخرى قوية كان جرجس يهيئها وصاح بهذا: "ليس هكذا يستعمل أهل السيف سيوفهم". فاستاء جرجس جداً من حؤول إبراهيم بينه وبين خصمه وأجابه: (إذا كنت تدعي معرفة استعمال السيف أحسن مني فجرب نفسك)! فأجابه إبراهيم وقد نسي أفكاره السابقة: "حذار يا هذا فإنك تعرض نفسك للإهانة".

- إن من يعرض نفسه للإهانة هو أنت فكن على حذر.

قال جرجس هذا وهزّ حسامه وتراجع بضع خطوات إلى الوراء داعياً مخاطبه إلى المبارزة. فثار ثائر إبراهيم الذي لم يتفق له فيما مضى أن يصبر على وقاحة وقح إلى هذا الحد، فأخذ رشيداً إلى جانب وهو في حالة خطر شديد وأخذ حسامه منه وأقل على جرجس بغير ترس وعيناه تقدحان شرراً من شدة الغضب، ثم أنه لاعب سيفه مرسلاً منه بريقاً كوميض البرق وحمل على خصمه والتحم معه تواً فدافع هذا عن نفسه بالترس وحاول أن يرد الضربة ضربة ولكن سرعة دوران سيف إبراهيم عرقلت سيفه وأبطلت أبواب خداعه، وافترق الخصمان وقد أصيب جرجس في كتفه الأيسر وجرح جرحاً غير بالغ، وفيما إبراهيم يجول ليعيد الكرة على منازله إذ حانت منه التفاتة على جانب ووقع نظره على الراقصة التي شغلت قلبه وسلبت لبّه وكانت تراقب ما يجري بوجهٍ يدل على مبلغ جزعها، والتحم المتضاربان مرة أخرى وسمع لسيفيهما صليل وقبقبة وحانت لإبراهيم فرصة يدرك كل من يعرفه إنها قاضية له، ولكنه بدلاً من أن يهوي بسيفه على منكشف منازله تباطأ كمن يشعر بارتخاء ساعده وكان جرجس قد سدد ضربة شديدة إلى عنقه فمال عنها واعترضها بكتفه فجرحته جرحاً بليغاً وقبل أن يتمكن الاثنان من العودة إلى الالتحام ركضت الراقصة ووقفت بينهما وأسرع الناس وكفوهما عن القتال، وأقلت إحدى راهبات الدير لترى ما الخبر فلما رأت إبراهيم ورشيداً والدم يسيل منهما قادتهما إلى غرفة وأحضرت راهبتين أخريين ساعدتاها على ضمد جراحهما، ورأت ما حل بإبراهيم بعض النساء اللواتي التقين به في مغارة (أم بزاز) وحالاً سرى بين القوم الاعتقاد بأن القديسة أم بزاز قد اقتصّت لنفسها من هذا المتكبر الذي لم يشأ أن يطلب بتركها. واتصل الخبر حالاً برجال الدرك المرسَلين خصيصاً لحفظ الأمن أثناء العيد فأسرع اثنان منهم للوقوف على جلية الأمر، وكانا أرمنيَّين لا يحسنان التكلم بالعربية، فأقبلا على الجريحين المضطجعين في سريرين قدمتهما لهما راهبات الدير واقترب أحدهما من إبراهيم، الذي جعل ينظر إليهما باستياء شديد، وسأله: "مين بيضرب أنت؟". وتقدم الآخر إلى رشيد وسأله: "مين بيضربك أنت"؟ فنسي إبراهيم جرحه واستغرق في الضحك، ولم يتمالك رشيد عن متابعته، ولكن لما عاد الدركيان سؤاليهما نفذ صبر إبراهيم فصاح بهما بصوت دوت له الغرفة: "أخرجا حالاً من هنا! وإلا..." وحاول النهوض، ولكن ما كاد الدركيان يسمعان صيحته الشديدة حتى أسرعا بالخروج وعادا إلى المركز حيث قدما إلى الريّس السوري تقريراً لم يفهم منه شيئاً ولكنه أظهر اكتفاءه به. بعيد ذلك جاءت رئيسة الدير فتفقدت حالهما وأوصت بالعناية بهما وقبل أن تترك الغرفة ابتهلت إلى الله أن يرد عنهما الخطر. أخيراً خلت غرفة الجريحين من الناس فالتفت كل منهما إلى الآخر وهو يبتسم وقال رشيد: "منذ هنيهة قلت لي يا إبراهيم أن ما قد قمت به لغز، وأنا نفسي كنت أعتقد أنه أعظم لغز ولكني وجدته لا يستحق الذكر بالنسبة إلى ما قد فعلتَه أنت. فقد كدت تترك الرجل يقضي عليك في حين أن الضربة كانت لك لا له، وهذا أغرب ما رأيته منك". فأجابه إبراهيم: "أوَلمْ تقل لي إن للألغاز لذتَها، فهل ابتدأت تشعر بها كما أشعر أنا بها الآن"؟.

قبل أن يتمكن رشيد من الإجابة فتح الباب ودخلت منه القروية الراقصة واقتربت ببطء من سريري الجريحين ووقفت عند مضجع إبراهيم، وكان إبراهيم ينظر إليها ساكناً متعجباً، لأنه لم يكن ينتظر مجيئها، فنظرت في عينيه وقالت بصوت خافت: "قد رأيت وفهمت... كيف جرحك"؟

-    إنه بالغ ولكنه ليس خطراً

أجاب إبراهيم وهو لا يزال ينظر في عينيها كأنه يرى فيهما لغزاً يريد أن يستجليه.

- أشكرك وأتمنى لك شفاء سريعاً

قالت ذلك وتحولت إلى رشيد وسألته: "وأنت أيها السيد كيف جراحك؟ لا أظن أنها ذات بال شكراً لك" (شفاك الله عاجلاً). ثم نظرت إلى إبراهيم طويلاً وعادت أدراجها مسرعة فشيعها الاثنان بأنظارهما إلى أن توارت وراء الباب ولم يعودا ينبسان بينت شفة. بعد قليل كان رشيد قد نام أما إبراهيم فأصيب بأرق شديد وهواجس منعته من النوم، فاستلقى وأطلق فكره في مجال التصورات وكان بين حين وآخر يستعيد ما مر به في العشية ويسائل نفسه: (أما كان علي أن أضربه لينال جزاءه؟ ولو فعلت ذلك فبأي عينين كانت تنظر إلى الفتاة)؟ وطال به الأمر حتى نبا جنبه عن الفراش فنهض وخرج من الغرفة ومشى الهويناء في الرواق المؤدي إلى غرفة الطعام وهو لا يدري إلى أين يذهب حتى إذا بلغها أراد أن يعود ليصعد إلى السطح وكان إلى جانب باب قاعة الطعام مربع منكشف اتخذه بعض القرويين محلاً لهم وكان مُناراً بقنديل ضئيل النور، فاقترب إبراهيم من ذلك المربع وجعل يتأمل النيام وأكثرهم من النساء والفتيات ولا فرش تحتهم سوى بسط، أغطيتهم شراشف خفيفة، ونظر تحت ضوء القنديل رأس فتاة تدلى منه شعر مسود ستر بعض وجهها الأسيل وعنقها الجيداء، وللحال عرف الراقصة القرية وكانت نائمة بين أترابها، فخفق فؤاده لهذه المفاجأة وتقدم من حافة المربع المرتفعة وقعد عليه يتأمل وجه الفتاة وعينيها الساحرتين فتململت الفتاة تحت نظره ولكنها لم نستيقظ، لأن النوم كان مثقلها. وبقي إبراهيم في مكانه ساهراً يكلأ الفتاة ويسامر نجواه حتى انقطعت ضوضاء القوم في الخارج وهدّأت الرجل، وفيما هو كذلك لاحظ أشباحاً تقترب نحوه ثم تعود أدراجها وبدا له أن لهذه الأشباح قصداً وأنه يرى بينها قامة جرجس وطريقة خطوة فما برح مكانه حتى طلع الفجر وقامت الراهبات إلى صلواتهن. في ذلك الصباح برحت الراقصة وزمرة من رفيقاتها الدير عائدة إلى قريتها وغادر إبراهيم ورشيد صيدنايا إلى دمشق حيث أُسعفا بالعلاج ورجعا بعد ذلك إلى بلدتهما في لبنان وبعد مدة قصيرة شفيت جراحهما شفاءً تاماً.

منذ ذلك الحادث طرأ على حياة إبراهيم تغير كبير لم يُخفَ على أحد من الذين كانت لهم به صلة، فتبدلت أطواره من النشاط والانشراح إلى الفتور والتأمل وانقطع عن التحدث إلى رفقائه، كما كان يفعل من قبل، وصار يفضل الصمت وأخذت علائم الكآبة تظهر على محياه، فلاحظ أصحابه ذلك منه وعبثاً حاولوا أن يعيدوه إلى سابق عهده، وانتقل رشيد إلى بيروت لمتابعة دروسه فلم يعد إبراهيم يراه وظل وحده في البلدة يستعيد حوادث صيدنايا ويحاول أن يستجلي غوامضها، ثم ابتدأ يشعر بسأم مما هو فيه فجرب أن يصرف صيدنايا عن فكره ولكن عبثاًُ، ففي الشتاء في لبنان، لا يستطيع ذو العاطفة أن يبعد فكره عن التصورات لأن تساقط الثلج في الخارج وتوهج نار الموقد في الداخل والسكون الذي يشمل الطبيعة، كل هذه العوامل تطلق للفكر مجال التصور وتفتح إلى التنفس طريقاً للمؤثرات، فرأى أن يسلو بالمطالعة وكاد ينجح لولا صور كانت تنتصب أمامه فتقاطع مطالعاته أو أفكاره الأخرى وتجلب معها كل الذكريات التي اكتنفتها، ألا وهي صور الفتاة الراقصة في صيدنايا حين كانت ترقص وحين زارته بعد جرحه وزودته نظرة لم يفقه معناها في الحال ولكنه أخذ يشعر بتأثيرها أكثر فأكثر مع مرور الزمان وابتدأت معانيها تنجلي له مع تعاقب الأيام حتى صار يشعر لأول مرة في حياته بذلك الشعور السري العجيب الذي يدفع الوعل إلى الهيام على وجهه في أيام الربيع، حاكاً بقرونه الجديدة سوق الأشجار وأغصانها حتى إذا التقى بوعل آخر حاله كحاله التحم وإياه بعركة فاصلة تشتبك فيها قرونهما اشتباكاً يقضي على كليهما بالهلاك، بل أنه أبصر في الحلم وعلاً عظيماً وقف على قنة جبل عال وقد أعلولت قرونه إلى الجو، ثم رآه ينقض على وعل آخر عظيم مثله، فسرّه ذلك وأقلقه معاً.

ظلت الحال بإبراهيم على هذا الموال إلى أن حسر الثلج عن وجه الأرض وأورق الشجر ونور الزهر واكتست الأرض حلة سندسية، فلها إبراهيم قليلاً بمناظر الطبيعة، فكان يخرج للتفرج كل صباح ومساء ولكنه لم يعد إلى مرحه السابق، وزال هذا الفصل وجاء الصيف وعاد رشيد من المدرسة ألا أن الصديقين لم يجتمعا إلا نادراً إلى أن لم يبق لعيد صيدنايا سوى أيام معدودة، ففي صباح يوم جميل أقبل رشيد على إبراهيم عند الفجر ودعاه إلى النزهة، لأن له ما يريد أن يحدثه به، فلبى إبراهيم الدعوة وسار الاثنان إلى إحدى الغابات البعيدة ليكون انفرادهما تاماً وهناك أضطجعا تحت أشجار الصنوبر، فقال رشيد: “هل تذكر ذلك الشاب الذي بارزناه في صيدنايا في العام الماضي”؟. - “أذكر”. - “كنت وعدتك بأن أحدثك في الأمر الذي دعاني إلى مبارزة ذلك الشاب وقد رأيت أن أفي بوعدي الآن: أنت لابد تذكر الفتاة التي دخلت إلى غرفتنا ونحن جريحان وتفقدت حالنا”، فخفق قلب إبراهيم خفقاناً شديداً ولكنه ظل صامتاً ينتظر تتمة حديث صديقه الذي تابع: “أعلم أن هذه الفتاة رصيفة التلمذة وكانت تأتي كل سنة إلى مدرسة البنات القومية في بيروت، وذلك الشاب الذي بارزته من بلدتها ومن عائلة لها نفوذ كبير فيها وأظنك لم تنس أنه يدعى جرجس، ففي ذات يوم جاء جرجس إلى بييروت وذهب إلى مدرسة البنات حيث قابل الفتاة بحجة أنه يحمل إليها كتاباً من أبيها، وفي اليوم التالي قام بزيارة أخرى للفتاة، وكنت أنا هناك في زيارة لنسيبة لي هي صديقة حميمة للفتاة، فجرى له معها حديث حاد انتهى بأن الشاب حاول اختطافها فأسرعتُ وحلتُ بينه وبين تنفيذ ما عقد العزيمة عليه، فحقد عليّ جرجس منذ ذلك اليوم وصار كلما رآني تهدَّدني وتوعَّدني إلى أن كان ذات يوم اتفقنا فيه على المبارزة فاقترحت أن يكون ذلك في دير صيدنايا فقبل وهكذا كان كما تعلم، أما الفتاة فلم تكن تعلم شيئاً من أمري ولكني وقفت من نسيبتي على الكثير من أمرها، فعلمت أن الفتاة تدعى نجلا وأنها مضطرة إلى مجاملة جرجس لأن أمه كانت قد اعتنت بها في صغرها بعد وفاة أمها وهي كانت ترجو منها أن تفعل ذلك من أجلها، والظاهر أن أم جرجس كانت تأمل أن تولد هذه المجاملة حباً ينتهي بزواج الاثنين لأنها أحبّت صفات نجلا وأخلاقها، وكانت الفتاة تحب الأم وتفعل ما يرضيها ولكن البون الشاسع بين نفسها ونفس جرجس جعل مبادلتها إياه الحب أمراً مستحيلاً. وعلمت أيضاً أن أم نجلا كانت قد نذرت عن ابنتها زيارتين لدير صيدنايا وأن الأبنة تريد أن توفي نذر أمها وهو ما جعلني أقترح على جرجس أن تكون المبارزة هناك، لأني كنت موقناً أنه سيتبعها إلى هناك، ولقد ماتت أم جرجس منذ بضعة أشهر وزال ما كان يدعو نجلا إلى مجاملة أبنها فكتبت إلى صديقتها نسيبتي تقول أن جرجس يلاحقها الآن ملاحقة شديدة تتألم منها وذكرت لها في آخر الكتاب أنها ذاهبة إلى صيدنايا في عيد العذراء لكي تقوم بالزيارة الثانية من ِأجل أمها، ويقيني أن جرجس سيتبعها إلى هناك هذه المرة كما في المرة السابقة ويحاول اختطافها هناك لأنه قد لا يجد فرصة أوفق من هذه للقيام بذلك”.

عند هذا الحد انتهى حديث رشيد، أما إبراهيم فإنه كان يصغي إلى الحديث المتقدم بصمت وإمعان، ثم أنه استرسل في تِأملات عميقة واستغرق فيها استغراقاً لم يعد يعي معه على شيء، فقام رشيد وانصرف على مهل دون أن ينتبه إبراهيم إلى انصرافه، أخيراً انتبه ووجد نفسه وحيداً فتعجب من حاله ونهض وعاد إلى البيت وقد نسي كل القصة التي حدثه بها رشيد، ولكن أمراً واحداً رسخ في ذهنه ورسا رسو الجبال فلم يعد شيء في العالم يتمكن من زحزحته: نجلا- صيدنايا؟. في تلك الليلة حلم إبراهيم كثيراً، ومرة أخرى أبصر في حلمه وعلاً عظيماً على قمة جبل عال، رافعاً رأسه مطاولاً بقرونه السحاب، وحدق إبراهيم في قرونه فوجدها محدودة كرؤوس الحراب، ثم نظر إلى عينيه فوجدهما ترسلان أشعة تشبه الأشعة التي ترسلها الشمس من خلال الغيوم فهي مستقيمة وحادة وكان منظره وهو يتنشق الهواء بلهفة، لعله يجد فيه رائحة مخصوصة يرتاح إليها، منظراً رائعاً يأخذ بمجامع القلب، أخيراً رآه يتنشق الهواء بسرعة بمنخريه اللذين كانا يهتزان للشم ويحول رأسه نحو جهة معلومة وينطلق كالسهم! فتململ إبراهيم في فراشه واستيقظ وإذا الفجر قد لاح. ولكنه لم ينهض حالاً بل ظل مستلقياً يتأمل في حلمه والوعل العظيم الذي رآه. ظل إبراهيم منفرداً خالياً بنفسه، متحاشياً الاجتماع بأي كان من أصدقائه ومعارفه كل الأيام القليلة الباقية لمجيء عيد سيدة صيدنايا، وكان صامتاً وهادئاً وفي هدوئه دلال انصباب الفكر على مسألة معينة هامة، كان ذلك الهدوء أشبه شيء بستار المرسح المسدل الذي يدل على الاستعدادات المتخذة وراءه، فبعث تصرفه هذا على استغراب معارفه أمره استغراباً شديداً، فمن جميع تصرفاته الغريبة لم يستغربوا أكثر من تصرفه الجديد الذي وقفوا حياله حيارى لا يدرون ما يبدون ولا ما يعيدون، وهم الذين يعدون أنفسهم صحبه وتلاميذه ويدافعون عن كل تصرفاته السابقة ويردون التهم التي كان جماعة يحاولون إلصاقها به لمجرد أنهم لم يكونوا يستطيعون فهم أطواره وشذوذه عن هذا البطل الذي كان آية في القوة والبطش ومثالاً للشجاعة والإقدام والقدوة صالحة في الاعتماد على النفس، وأخذ بعضهم يتكهن بأفول نجمه وتداعي بنائه الفخم، فوقع ذلك عند الفريق الذي ظل يوده ويحترمه ويؤمن به واقعاً أثار أسفهم الشديد وكاد يؤدي إلى الشقاق بينهم وبين أولئك المتكهنين. وقع عيد سيدة صيدنايا هذه المرة في يوم أحد، فلما كان الصباح استيقظ إبراهيم باكراً ونهض إلى تمريناته وحمامه البارد، وكان نشيطاً في قوته، رائق النفس، مرتاح البال، ثم بادر إلى لوازم سفره فجمعها في حقيبة يدوية صغيرة وودع أهل بيته بعبارات مقتضبة وتوجه إلى صديق له عنده سيارة وقال له: “هلم نسافر معاً يا أنيس”. “ماذا؟ هذا أنت يا إبراهيم؟ وإلى أين نسافر”؟ “إلى صيدنايا، فإن لي نذراً يجب عليَّ أن أوفيه هناك في هذا العيد”. فاكتفى أنيس بهذا الجواب لأنه كان يعرف مزاج إبراهيم الذي لم يكن يطيق كثرة الأسئلة والكلام في مهماته ومشاريعه فبادر إلى إعداد سيارته وبعد نصف ساعة خرجا بها وحدهما ولم يعلم أمرهما أحد في البلدة، وفي طريقهما عرّجا على دمشق حيث تغديا معاً وشاهدا بعض أسواقها القديمة، ثم تابعا مسيرهما إلى صيدنايا فبلغاها عند العصر وكان الدير قد امتلأ بالخلق وسيارات القادمين لا تزال تتوافد بكثرة، ولاحظ إبراهيم أن الإقبال على العيد هذه السنة يربو على الإقبال في السنة الماضية فطاف وصديقه نواحي البلدة ودخلا الدير وطافا به حتى المساء. عندما دخل إبراهيم الدير وجده غاصاً بالخلف كما في المرة الأولى، والقوم في هرج ومرج عظيمين، ففي ساحاته وعلى سطوحه اجتمعت جماهير غفيرةِ، وكانت الدبكة في الساحات آخذة مجراها كالسابق: حلقات للرجال وحلقات للنساء والجماعات المحيطة بها تصفق وتصيح مثيرة الحماسة في الراقصين. فلما شاهد إبراهيم هذه الحلقات خفق قلبه خفقاناً شديداً وثارت في نفسه عاصفة من الانفعال لم تلبث أن تلاشت وعاد إليه هدوءه ورباطة جأشه، فجعل يجيل نظره في الناس بسرعة ولكنه لم يجد من يستقر عليه، وبينما هو كذلك رأته بعض النساء وجعلن يتهامسن قائلات: “أنظرن! هذا هو الرجل الذي جازته القديسة أم بزاز في السنة الفائتة بأن جرح من خصمه في المبارزة” وبأسرع من البرق تنوقلت هذه العبارة وتجاوزت النساء إلى الرجال، أما إبراهيم فإنه لم يسمع شيئاً قط وهو لو سمع شيئاً لما كان أعاره اهتمامه فقد كان له شواغل نفسه ما يغنيه عن شواغل الناس. بعد أن أجال إبراهيم نظره في تلك الجموع طويلاً دون أن يحظى بما يستوقفه ترك مكانه وشرع ينتقل من مكان إلى مكان على غير هدى من أمره وأنيس يرافقه صامتاً، متعجباً حتى أشرفت الشمس على المغيب، وكان أنيس قد لاحظ قلق إبراهيم الداخلي وشرود فكره فقرر أن يبقى في الساحة الكبرى ينتظره ويراقب ما يجري، وتابع إبراهيم تجواله دون أن ينتبه إلى تخلف صديقه عنه، ثم أنه عاد فمر في الساحة الكبرى حيث كان أنيس دون أن يراه أو يفتقده، وجاوزها إلى ممر يؤدي إلى جناح الدير الأيسر من المدخل فمشي فيه إلى آخره، وإذا هناك مدخل إلى غرفة صغيرة فدخل فيه ووجد نفسه في غرفة صغيرة خاوية، وفي مؤخرها باب يؤدي إلى غرفة أخرى فولج هذا الباب ووقف قريباً منه، لأن الغرفة كانت مظلمة لمن يأتي من الخارج فهي أشبه شيء بكهف عميق ولا ينفذ إليها نور النهار إلا من كوة صغيرة في أعلاها لا تطل على الفضاء الرحب بل على حائط من حيطان الدير. بعد قليل ابتدأ إبراهيم يتبين ما في هذه الغرفة على نور شمعات قليلة متفرقة في جوانبها فرأى أن جدرانها مبطنة بصور القديسين فتزحزح من موقفه وأخذ يطوف بالمكان ويدقق النظر في الأطر المعلقة حتى بلغ صورة كبيرة قائمة في وسط الغرفة مضاءة أمامها شمعتان أكبر قليلاً من بقية الشموع، فلم يشك في أن الصورة هي صور العذراء التي تخشى راهبات الدير أن يخرجنها من ذلك المكان المظلم ويعرضن قداستها للنور وخطر الضياع، فاقترب من إحدى الشمعتين ليتمكن من رؤية الصورة عن كثب. وما أن فعل حتى استلفت نظره شخص امرأة كانت واقفة أمام الصورة بين الشمعتين وهي كأنها تتأملها أو تناجيها، فبهت إبراهيم لهذه المفاجأة وتعجب من أنه لم ينتبه إلى وجود إنسان آخر في هذا المكان من قبل وهمّ بالتراجع، ولكن المرأة كانت قد شعرت بوجوده قربها وحولت وجهها إليه لترى من هو، وكم كانت دهشته عظيمة حين تبين على نور الشمعة الضئيل التي بينهما وجه نجلا: الراقصة القروية التي ظلت صورتها مطبوعة على مخيلته بوضوح تام حتى كأنه رآها أمس لا منذ سنة! ولم تكن دهشة الفتاة أقل من دهشته حين رأت قامته وعرفت وجهه، فوقف الاثنان ينظر كل منهما إلى الآخر نظر من هو على يقين من أن ما يراه حقيقة لا حلم. لا يحاول الراوي التعبير عن العواطف التي استولت على قلبي هذين الاثنين في هذه الدقيقة لأنه يعلم أن لبعض العواطف البشرية لغة لا يمكن الاستعاضة عنها بلغة النطق، وهو لا يريد إفساد الأصل بالترجمة بل يفضل متابعة سرد القصة: "أنت هنا”؟ قالت الفتاة بصوت خافت يقارب الهمس، فطرق هذا السؤال مسامع إبراهيم بشكل مخصوص فهم منه: "أعلن قصد مجيئك”؟ فأجابها بصوت لا يعلو كثيراً عن صوتها ولهجة توكيدية ثابتة "نعم، أنا هنا”! عند هذا الجواب لمعت عينا الفتاة الكسيفتان وقالت: "لقد كنت أفكر منذ هنيهة وأسائل نفسي: - هل يجيء”؟

- هل شككت في مجيئي”؟

- "أرجو أن تحملني على الإباحة بجميع الهواجس التي انتابتني بين عيد سيدة صيدنايا الأخير وهذا اليوم”. فأخذ إبراهيم يدها بين يديه وقال: "لقد جئت وفي نيتي أننا إذا التقينا فلا فراق، فما هي نيتك أنتِ”؟

- أنت الشخص الوحيد الذي تمنيت من كل قلبي أن يبقى إلى جانبي دائماً، فقد أرعبني الكثيرون وملأوا نفسي اشمئزازاً وخوفاً”!.

ضمها إبراهيم إلى صدره بلهفة وطبع على شفتيها قبلة حارة وأجابها:

- إننا لن نفترق ولن يخيفوك بعد الآن”!.

خرج وإياها من الحجرة وهو يطوقها بيمينه القوية. كان الليل قد غشي تلك النواحي ولكن القمر كان قد طلع وأضاء نوره هذه البقعة، فاجتاز إبراهيم ونجلا الممر المؤدي إلى الساحة الكبرى وهما على الحالة التي كانا عليها حين خرجا من غرفة العذراء ولم يلتفتا إلى أحد من الأشخاص الذين كانوا واقفين أو مارين فيه، أما هؤلاء فإنهم حالما رأوهما شغلوا بهما عما كانوا فيه وجعلوا يتبعونهما بأعينهم مشرئبي الأعناق نحوهما، مستغربين مظهرهما الذي لم يكونوا قد رأوا مثله من قبل، فلما بلغا الساحة وجدا ما لم يكن في حسبانهما: ففي وسطها وقف جرجس البطل المبارز في السنة الماضية نفسه وهو يحمل بيده اليمنى سيفاً مصلتا وباليسرى ترساً وذراعاه متقاطعتان وأمامه على الأرض سيف وترس آخران كان الرجال المحيطون به يتشوقون ليروا من ذا الذي سيلقطهما، فلما رأى إبراهيم هذا المشهد ضم الفتاة إلى صدره ووقف يحدق إلى جرجس ولفيفه تحديق النسر، حينئذ أ درك الرجال والجمع الذي وراءهم أن شيئاً غير اعتيادي سيأخذ مجراه، وكما بسحر ساحر انقلبت سِحَنُ الرجال الذين يحفون بجرجس من الهيئة الهزلية التي كانت عليها إلى هيئة جدية جعلت وجوههم تشبه تماثيل الشبه. ولم يشأ إبراهيم أن يبقى واقفاً في مكانه فمشى برفيقته بضع خطوات محاولاً أن يتابع سيره فاعترضه جرجس وهو لا يزال على الشكل المتقدم وصفه وقال له: "إن ذاك السيف الذي تراه على الأرض ينتظرك لإنهاء البراز الذي بدأناه السنة الماضية في مثل هذا اليوم”. ما كاد جرجس ينتهي من عبارته هذه حتى أحس إبراهيم أن نجلا ارتعشت مع أن ذراعه اليمنى مطوقتها، فالتفت إلى من حوله وإذا أنيس واقف إلى جانبه وفي يده عصاه الكبيرة التي لا تفارقه فقال له: "أعطني عصاك وخذ هذه الفتاة إلى السيارة وأنا أكون هناك بعد دقيقة”، وتناول العصا وتقدم أنيس من الفتاة على السيارة وأنا أكون هناك بعد دقيقة”، وتناول العصا وتقدم أنيس من الفتاة ليقودها ولكنها أبت الذهاب وقالت لإبراهيم: "إما أن نبقى معاً أو نذهب معاً” فنظر إليها إبراهيم بحنان وقال لأنيس: "إذن ابق إلى جانبها إلى أن أعود”، ثم تحول إلى جرجس وقال له: "لا حاجة إلى ذاك السيف فإن هذه العصا تكفي لتأديبك فخذ مكانك سريعاً”!. أراد جرجس أن يمتنع لكن إبراهيم أمسكه من عضده وضغط عليه بأصابعه الفولاذية وهزّه بشدة وقال له: "إذا لم تقبل اضطررت إلى ضربك كما يُضرب الأولاد الصغار الطائشون، فأدرك جرجس من قوة خصمه ولهجته الثابتة أن لا مناص له من الإذعان فالتفت إلى رفقائه وقال لهم: "اشهدوا أني بريء مما سيحدث”، ثم تراجع إلى متوسط الساحة وتقدم إبراهيم أيضاً بضع خطوات وقبض على عصاه من طرفها الدقيق وأدار رأسها الضخم في الهواء. أخذ جرجس أولاً في اللعب بسيفه وضربه على ترسه وما كاد ينتهي من ذلك ويتحول إلى المجاولة، حتى أقبل إبراهيم نحوه بخفة الأسد وثباته وجاوله مرة واحدة فقط أطبق بعدها عليه مديراً عصاه بسرعة ومهارة عظيمتين، ثم فرّ منه وعاد فكّر عليه كرّة لم يكن ذاك يتوقعها وباغته مباغتة خبلته حتى لم يعد يحسن الدفاع وحانت الفرصة فأهوى عليه بضربة شديدة أصابته في قمة رأسه وألقته على الأرض صريعاً، وبينما الناس في دهشة عظيمة مما حدث ذهب إبراهيم إلى رفيقه وأحاط نجلا بذراعه اليمنى كما في الأول واجتاز بها الممر المؤدي إلى الخارج وتبعهما أنيس يحمل عصاه التي استعادها. في هذه الأثناء كان رجال جرجس قد تغلبوا على دهشتهم فخرج أربعة منهم في اثر إبراهيم، فتصدى أنيس بعصاه لاثنين منهم وكرَّ إبراهيم على الاثنين الآخرين فأمسكهما من عنقيهما ودق رأسيهما الواحد بالآخر دقاً أفقدهما الصواب وألقاهما برفق على الأرض، فلما رأى الاثنان الباقيان ما حل برفيقيهما فرَّاً هاربين ودخلا الدير وهما يقولان: "إن الشيطان يحميه”! فأجابتهما إحدى النساء المشاهدات "بل العذراء تحميه”! وسمع جوابها بعض القرويين فعدّوا هذا الحادث من عجائب سيدة صيدنايا الكلية القداسة وهم لا يزالون يروونه من هذا القبيل.

أما إبراهيم ونجلا وأنيس فتابعوا سيرهم إلى السيارة وركبوها وساق أنيس في طريق قرية ن... حيث تقطن نجلا، فبلغوها بعد سير ساعتين تقريباً وترجلوا أمام بيت قروي معتدل وطرقت نجلا الباب وبعد هنيهة فتح الباب ودخلوا البيت ولم يكن فيه أحد سوى والد نجلا الشيخ. في صباح اليوم التالي جرى عرس بسيط جداً جمع الفرح والرضى ولم يجمع شيئاً من الضوضاء، وأصبح إبراهيم ونجلا زوجين.

لا يستطيع من لم يشهد الحادث بنفسه أن يتصور مبلغ دهشة أهل بيت إبراهيم عندما عاد مصطحباً نجلا وقدمها إليهم بصفتها امرأته، ولا شدة وقع ذلك عند معارفه والذين كانوا يعرفون عنه، خلا رشيداً فإنه قدّر الحادث وأخذ ينتظره منذ علم أن إبراهيم برح البلدة يوم العيد، وأقبل كثيرون يريدون تهنئته ولكنه كان حالماً يشعر بقدوم أحد لزيارته يأخذ نجلا ويخرج وإياها من الباب الخلفي ويذهب الاثنان يتنزهان في الغابات، فأدرك أهل البلدة الحيلة وأخذوا يرصدونهما يكادون يذوبون شوقاً إلى رؤية الفتاة التي أصبحت امرأته. ولم يكن بينهم من لم يتوقع أن يراها بدينة رجراجة، فلما أتيح لهم أن يلحظوها ووجدوها فتاة ضامرة الحشى، لطيفة الجوانح بهتوا وانصرفوا وهم يشكون فيما رأوا. أخيراً أجمع الناس الذين يجعلون أنفسهم دائماً المثل الطبيعية للأطوار البشرية على أن الحادث أمر غير طبيعي، ولم يعدم الشبان الذين كانوا يحسدون إبراهيم والشابات اللواتي كان يغيظهن بتصرفه السابق شيئاً جديداً يضيفونه إلى اختلافاتهم الماضية. أما إبراهيم ونجلا فلا يزالان يعيشان سعيدين جداً، وكلما عاد إبراهيم إلى نفسه تذكر صديقه رشيداً وتلك الحكاية التي قصها عليه في الغابة والوعل العظيم الذي أبصره في الحلم، أما صور الجمال التي كانت أفكاره السابقة تحوم حولها فقد نسيها بتاتاً.

عام 1930

m.s.n.angel@hotmail.com