الشرق الأوسط في الخطاب السياسي الأسترالي

يوسف أبو عمّار - جماليا - سدني قرأها 1,235
 

يحتل الشرق الأوسط عامة، والبلاد العربية تحديداً، موقعاً متراجعاً بالنسبة للسياسة الأسترالية عموماً، اذا استثنينا الكيان العبري من المنطقة. والأسباب الدافعة لذلك عدة، منها ما يعود للخطاب السياسي الأسترالي، ومنها ما تفرضه سياسات الدول العربية الشرق_أوسطية. فالسياسات العربية، الخاطئة غالباً، تعتبر أستراليا قارة نائية وبعيدة ولا تشكل ثقلاً في السياسات العالمية الدولية، إضافة الى عوامل أخرى سآتي على ذكرها في سياق النص.

ان الاعتقاد بان أستراليا بعيدة ولا تشكل ثقلاً، او تلعب دوراً في السياسات العالمية، أمرٌ خاطىءٌ والأدلة كثيرة. فأستراليا منذ ان كانت مستعمرة بريطانية خاضعة للتاج البريطاني شاركت بعدد كبير من الجنود، سواء ضد العثمانيين في الحرب العالمية الاولى، او في ما تلى ذلك من صراعات شهدتها منطقتنا. ولا تزل أستراليا معنية بالشأن العربي بالرغم من بعدها، وما مشاركتها في غزو أفغانستان والعراق الا دليلاً على وجودها هناك. اما لماذا يحتل الشرق الاوسط أسفل الأولويات لأستراليا، فهو سؤال صعب الى حد ما في ظل شح، بل ندرة، المعلومات والدراسات، سواء العربية منها او الأسترالية والغريبة عموماً.

 منطقة الشرق الاوسط، والعربية منها تحديداً غير مستحبة للسياسيين الأستراليين، خاصة مع وجود الكيان العبري والمشاكل العسكرية والحروب التي تشهدها المنطقة بسبب ذلك. وهناك أمر بالغ الأهمية ربما تجدر الإشارة اليه هو تجذر جالية يهودية كبيرة تقطن أستراليا، منذ اكتشافها، والسيطرة الواسعة لهذه الجالية على القضايا الاقتصادية، ولا يفوتنا ذكر عملاق الإعلام الاسترالي روبرت ماردوخ. وبالرغم من ذلك تقدم أستراليا مساعدات مالية للفلسطينيين مثلاً، فقد قدمت ما يزيد عن العشرين مليون دولار، لكنها بالمقابل قدمت أكثر من ذلك لاندونيسيا، اذ زادت المساعدات عن المليار دولار. وترتبط أستراليا بعقود اقتصادية مع بعض الدول العربية، خاصة الخليجية منها، لكن معظم ذلك لا يشكل نسبة عالية في الميزان التجاري الاسترالي اذ حسب احصائية تعود للعام1993 بلغ حجم التبادل ثلاثة ونصف بالمئة فقط.

الجديد في عالم السياسة اليوم بالنسبة للشرق الاوسط هو الارهاب الذي لا يفرق بينه، لدى معضم الأستراليين، وبين الإسلام والعرب بشكل عام. فالمفاهيم الخاطئة موجودة، حتى لدى البعض ممن زار البلاد العربية، نتيجة سوء فهم للمصطلحات او للترجمة بين العربية والانكليزية. فالمسلم هو عربي بالتاكيد والعربي هو ارهابي بكل ما للكلمة من معنى. ويعود ذلك الى تشرذم الجاليات العربية وتقوقعها كل داخل صومعته وتعاليمه. فمثلا تجد من ضمن اللغات المعترف عليها في الأوراق الحكومية الأسترالية اللغة اللبنانية واللغة العربية، ويصعب على الأسترالي معرفة الفرق لان بعض الأقوام، الذين كانوا اول المهاجرين، كانوا يميزون انفسهم عن باقي العرب بانهم يتحدثون اللبنانية، حتى قبل ظهور ما يصطلح على تسميته بالارهاب. ومن الجدير بالذكر الحديث عن لقاء لفئة معينة مع نواب في البرلمان الاسترالي لشرح رفضهم لحرب تموز، وبان من يقاتل إسرائيل في هذه الحرب هم الايرانيون وعملاؤهم في لبنان. لذا لا يفكر السياسيون بان يوْلوا الشان العربي كبير اهتمام لولا وجود النفط الذي لا تحتاج اليه أستراليا كثيرا، وتستعيض عنه بالانتاج المحلي وانتاج دول الجوار. لكن هناك السوق العربية والخليجية تحديداً التي تطمح اليها أستراليا والتي فازت بعدة عقود لبناء منشآت متعددة او أسواق السيارات الأسترالية التي تشكل سيارات الأجرة في الخليج والامارات تحديداً أكبر المستوردين لها. وهناك استثمارات خليجية بدأت حديثاً في أستراليا في مجال الخيول والسباقات التي تستثمر فيها دول عربية وخليجية، وموخراً ستستثمر دولة قطر في مجال الزراعات، خاصة الحنطة في الحقول الاسترالية الشاسعة المدى.

ويبقى الشان السياسي الذي يجب ان ينتجع عن العوامل الاقتصادية، او استغلال ذلك لصالح قضايانا العربية. لكن هذا الامر لا يحصل في ظل سفراء عرب يسيّرون شؤونهم الخاصة بعيداً عن قضايا الأمة، وآخرين لم يتمكنوا من إيجاد موقع لهم في السياسات الاسترالية نحو انفتاح على قضايانا. والغالبية من الدول العربية لا يوجد لها تمثيل دبلوماسي في أستراليا، كما لا يوجد لأستراليا تمثيل في هذه الدول، اذ ان حجم الجالية القليل لا يدفع لفتح قنوات دبلوماسية. ولا نغالط الواقع اذا اعتبرنا ان للضغوط السياسية الإسرائيلية دور في إبعاد أستراليا عن عالمنا العربي. وبالرغم من ازدياد أفراد الجالية العربية حتى أصبحت اللغة العربية ثاني لغة بعد الإيطالية في أستراليا بنسبة عدد المتكلمين بها، لكن ذلك لم يوفر الجو العام للعب دور كبير لأستراليا في بلداننا او للعب دور لبلداننا في السياسة العامة لأستراليا تجاه تاييد ودع مواقفنا.

والملفت للنظر هو تزايد عدد المنخرطين في السياسات العامة للبلاد، حتى ان البعض تبوأ مركزاً وزارية او نيابية، لكن هذا لم يؤدِّ الى تغيير في الموقف الأسترالي العام في الاستراتيجية السياسية المرسومة للبلاد. وكان من الممكن القيام بذلك لو توفرت الإرادات، ذلك ان السياسات الأسترالية العامة بدءاً برسمها بداية التسعينيات من القرن الماضي. لكننا وللأسف فقدنا هذه الفرصة، وما زلنا لا ندرك المعنى الحقيقي لا تكون لدينا علاقات سياسية موسّعة مع أستراليا ودول الجوار، وما زلنا لا ندرك التأاثير الذي تشكله السياسة الأسترالية في دول المنطقة وصولاً حتى الصين. فالولايات المتحدة الاميركية تعتمد اعتماداً كليا على أستراليا في إدارة قضايا المنطقة وتولي كانبيرّا اهتماماً بالغاً دون ان تدع الآخرين يلمسون ذلك.