كيف يمثل إسرائيل من يعامل كإرهابي؟
· هل العربي في إسرائيل، بمن فيهم اسكندر قبطي،
مواطنون أم مقيمون بلا حق في وطنهم؟
· ما يجري في مطار اللد ليس أمنا بل إهانة
رافقت قبل ايام ابني لتوصيل حماته الروسية الى مطار بن غوريون في اللد، وهي امرأة في الستين من عمرها جاءت لزيارة ابنتها وحفيدها، وقضت معهما ثلاثة أشهر (دون ان تقوم بعملية انتحارية ضد المواطنين اليهود في إسرائيل)، بل التزمت ابنتها وحفيدها وبيوت مختلف أبناء عائلتي مكرمة معززة، حتى بدأت تتوهم ان إسرائيل هي جنة عدن الموعودة.
في مطار اللد كانت الأولى بالصف، وبما انها مشبوهة لتواجدها بين العرب في الناصرة، وبذلك لا تختلف عن مخرج فلم "العجمي" اسكندر قبطي، لذلك كان لا بد من تنشيف ريقها بأسئلة غبية حمقاء، قبل الوصول الى ماكينة التصوير بالأشعة، حيث مررت حقائبها، وطُلب منها التوجه إلى منضدة التفتيش، ففعلت.
استغرق التفتيش والنبش بالملابس أكثر من نصف ساعة. مررت على الملابس أداة تحملها صبية أمنية تتحدث الروسية لأن ضيفتنا الروسية لا تعرف لغة غيرها.
تفقدت الصبية الأغراض داخل الحقيبة بواسطة أداة الكترونية، وبعد ان فشلت في العثور على يورانيوم مخصَّب أذنت لضيفتنا الروسية ان تعيد الأغراض إلى داخل الحقيبة، وبما انه من المستحيل، بعد نبشها بهذا الشكل، إعادة الأغراض التي استغرق ترتيبها يوماً كاملاً إلى ذات الترتيب، وقد بدت ضيفتنا الروسية جاهدة تحاول إغلاق الحقيبة بالقوة، فقد طلب ابني (نسيبها) ان يساعدها بإقفال الحقيبة، متحدثاً مع الصبية الأمنية باللغة الروسية، فأذنت له.
ولكن.. انتبهت الصبية الأمنية الى ان ابني قال لي ضاحكا باللغة المشبوهة بأن الحقيبة لم تعد تتسع لكل الأغراض. وفورا مثل القط الذي يكتشف فأراً شهيا طلبت الصبية من ابني هويته.
أعطاها الهوية، تأملتها وتأملت ابني الممتد القامة والمغري للنساء بلا شك، فظننت الظنون، ولكنها كبتت ما في نفسها وعقدت حاجبيها، وانطلقت بالهوية الى رجل أمني لأن النساء "قليلات عقل ودين" حتى لو كانوا من أمن مطار اللد.. وليس لدى العرب فقط.
جاء رجل الأمن مع الهوية وحقق بعدة أسئلة مع ابني، وأعاد له الهوية وطلب منه ان يخرج من منطقة التفتيش عن المتفجرات، المتوقع دائماً ان يحملها العرب وضيوفهم.
ابتعد ابني عن حماته التي لم تفهم الجلبة حولها، ولسوء حظ ضيفتنا، طلبوا منها ان تعود مرة أخرى لتمرير الحقيبة بماكنة التصوير بالأشعة لكشف القنابل التي أدخلها ابني لحقيبة حماته ربما ليسرع رحيلها وورثتها.
عادت مرة أخرى، ومرروا الحقيبة المسكينة، وأعادوها إلى منضدة رجال وصبايا أمن المطار، وافتح ياسمسم مرة أخرى وانبش بالأغراض عن القنابل او أسلحة الدمار الشامل التي أُدخلت من العربي الإرهابي الذي هو ابني بالمناسبة، وتقدم شاب يبدو ذكياً او متذاكياً ليسأل عني بما اني أتحدث مع الإرهابي..
أبلغة ابني مَن أكون، طلب هويتي ليتأمل منظري في صورة الهوية، قدمت له بطاقة الصحافة، وقلت له اني أتمنى ان يواجه كل مواطن إسرائيلي، في سائر مطارات العالم، وبغض النظر عن قوميتهم او دينهم، نفس ما يواجهه عرب إسرائيل من إهانات في مطار بن غوريون، واني سأكتب مقالاً، أرجو ان يجد له آذاناً صاغية خارج إسرائيل، بأن تقوم حركة دولية تطالب مطارات العالم باعتبار كل من يحمل جوار سفر إسرائيلي إرهابياً يجب ان يهان بالتفتيش والتعذيب والمهانة والتعويق. وان ما يجري ليس أمنا بل إهانات (بالعبرية يبدو النص أجمل "بطحون" تعني "أمن" و"علفون" تعني "إهانة" – أي: "هذا ليس بطحون هذا علفون").
استغرق التفتيش الثاني أكثر من 25 دقيقة، وبدت الضيفة بوضع بائس وحيرة قاتلة، وعلى حافة البكاء، ولكنها بالتأكيد سعيدة لأن الأمن لم يهتد لسلاح الإبادة الجماعية، من فواكه مجففة، ومكسرات، وقهوة عربية، وزيت زيتون وزيتون أسود وأخضر ومختلف الهدايا البسيطة، التي نجحت بتهريبها في حقيبتها..
هذا أعادني لتصريحات مخرج فلم "عجمي" اسكندر قبطي، الذي مر قبلنا بمطار بن غوريون معرضاً نفسه بالتأكيد، وبلا ضرورة للاستفسار، لعذاب شبيه. وكان رد فعله البسيط جداً والمنطقي جداً والتلقائي جداً: "انا لا أمثل إسرائيل". وكانت ابنتي الكبرى قد اجتازتت عذاباً أليماً وهي في الثالثة عشر من عمرها أثناء سفرها إلى مخيم موسيقي في الولايات المتحدة بعد فوزها بالمكان الأول في مسابقة عزف على البيانو للناشئين تنظمها هيئة أمريكية، زملاؤها اليهود عبروا خلال دقائق والمخربة ابنة المخربين تعوقت ساعة ونصف بتفتيش مهين في حقيبتها وعلى جسدها... ولو سُئلت تلك الصبية الناشئة وقتها فيما اذا كانت تمثل إسرائيل في مخيم الموسيقيين الشباب، لأجابت بالنفي بدون مساعدتي على تلقينها ما يجب ان تقول.
هل كانت تتوقع وزيرة الثقافة ليمور ليفنات ان يمثل إسرائيل من تهينه إسرائيل في مطاراتها وتعتبره إرهابياً حتى يثبت العكس؟ وهل تحتاج سياسة إسرائيل العنصرية لممثل مشبوه بالإرهاب لكي يمثلها؟.
هل تحتاج حكومة عنصرية مشكلة من وزراء عنصريين، يحاولون كل الوقت تشريع قوانين لفرض قيود عنصرية على المواطنين العرب الى مثقف عربي وفنان عربي ليمثل عنصريتها؟.
هل تتوقع وزيرة ثقافة من مثقف ينتمي الى شعبه، ويحمل هموم شعبة، ويواجه منذ بداية وعيه واقعاً تمييزياً وسياسة اضطهاد قومي ابرتهايدية، ان ينسى ان مدينته وسكانها العرب هم الأكثر حرماناً من ناحية الخدمات والميزانيات والمدارس والنوادي ومستوى الحياة والدخل؟.
مرة أخرى، موضوع إهانة العرب (بحجة الأمن) المبالغ فيها في مطار بن غوريون لم تعد تحتمل. أوجه ندائي للقراء العرب، ان يوصلوا كلمتي لكل مجتمع إنساني على وجه الأرض، بما فيه المجتمع اليهودي في إسرائيل، بان يجري التعامل مع كل حامل لجنسية إسرائيلية، عربي او يهودي لا فرق، بنفس أساليب العذاب والمهانة التي خصصت للعرب وضيوفهم، في مطارات إسرائيل.
ويبدو انه بدون ان يشعر المواطن اليهودي بما يعبره المواطن العربي، لن تُحلَّ مشكلة العقلية العنصرية في المطارات الإسرائيلية.
بالطبع لن نقبل ان نهان وأن نمثل إسرائيل التي تهيننا وتعتبرنا مجرد إرهابيين مشكوك بولائهم!!.
نحن نمثل شعبنا بمطالبة الشرعية فقط.
نبيل عودة – كاتب وناقد واعلامي – الناصرة
nabiloudeh@gmail.com