في ذكرى مجلة الطليعة 1935

عطية مسوح قرأها 2,342
  

في مراحل النهوض، تتحلّى الصحافة بميزة الانفتاح. تفرض ذلك مقتضيات النهضة ذاتها، لأن النهضة الحقيقية تقوم على الاستفادة من مختلف الطاقات، وتسهم فيها كل التيارات القومية والتقدمية.

وكلما كان الزعيم أو المفكر أو الحزب أو أية جهة شعبية أو رسمية أكثر انفتاحاً ومرونة عقل كان دوره النهضوي أكبر وأعمق أثراً.

وينعكس هذا على الصحافة بوضوح. فتكون على درجة عالية من الجدية والتأثير في الرأي العام، لأنها وسيلة النهضويين في طرح أفكارهم والدعوة إليها، وفي الحوار مع الناس وإشراكهم في الأمور العامة.

والعودة إلى المجلات الفكرية والثقافية، التي صدرت منذ أواخر القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين في مصر وبلاد الشام تؤكد ذلك.

ونحن إذ نعود إلى تلك المجلات ونذكّر بها لا ننطلق من نزعة ماضوية، ولا نمجّد ما فات نتيجة إحساس بالخيبة أو الإحباط، بل لأن نزعة الانفتاح والتواصل التي برزت في تلك المرحلة، وخيّمت على النشاط الفكري والثقافي والسياسي إلى حد كبير، ضعفت في المراحل اللاحقة، واشتدت نزعة التقوقع والتمترس في خنادق منفصلة أو متقابلة، نزعة الحذر والعداء وتغليب التناقض، بين القوى المعنية بنهوض الوطن وتقدمه ووحدة الأمة وتماسكها. وكان لذلك ما كان من أثر في ضعف وتائر النمو، إن لم نقل في المراوحة بالمكان وما يعنيه ذلك من تراجع نسبي.

هذا العام هو عام الذكرى الخامسة والسبعين لظهور مجلة (الطليعة 1935 ـ 1939) وهي المجلة التي صدرت بقرار من مؤتمر زحلة 1934 الذي شارك فيه عشرات المثقفين الكبار من سورية ولبنان. أما المحور الذي دارت حوله أعمال المؤتمر ومناقشاته فهو تعزيز النضال القومي والتحرري النهضوي وتفعيل الثقافة العربية، وترسيخ طابعها القومي الحداثي، وحث المثقفين العرب على الاندماج بالحركة القومية.

وتعبيراً عن ذلك جاء أهم قرارين لمؤتمر زحلة وهما (نداء إلى المثقفين) وهي وثيقة فكرية سياسية كفاحية الطابع قومية المحتوى، وقرار إنشاء مجلة فكرية باسم (الطليعة).

وكما كان طيف الحضور في المؤتمر واسعاً ومتنوعاً، كذلك كان اتجاه المجلة التي صدرت عام 1935 منفتحاً، يقوم على التنوّع وحرية التعبير عن الرأي، في إطار ما يخدم التوجهات الوطنية والقومية، ومناهضة الاستعمار والفاشية والرجعية، وتعزيز النزعة العلمانية.

العودة إلى أعداد تلك المجلة، التي استمر صدورها حتى خريف عام 1939 تبين ذلك.

فقد كلّف برئاسة تحريرها، رجل فكر وثقافة تقدمي علماني لا يحمل صفة حزبية محددة هو فؤاد الشايب، ثم تلاه في ذلك رجا حوراني. أما أبرز كتابها فكانوا من روّاد الثقافة القومية التحررية. فإضافة إلى الشيوعي سليم خياطة وعدد من المثقفين الشيوعيين في ذلك الحين، كان القارئ يجد أسماء وطنيين تقدميين مستقلين مثل كامل عياد، ومنظّرين قوميين مثل ميشيل عفلق وصلاح البيطار، وغيرهم.

عبّر ذلك التنوع عن وحدة الحركة القومية التقدمية في ذلك الوقت، والتفافها حول ثلاث مسائل كبرى، هي: النضال للتحرر من الاستعمار الغربي (الفرنسي والإنكليزي)، والنضال من أجل الوحدة العربية، والنضال ضد التخلف والرجعية ومن أجل العدالة والتقدم والنهوض بالمجتمع العربي ليواكب العالم المتقدم.

ولا أظن أن الباحث الذي يقرأ الواقع العربي الراهن سيخرج بغير المسائل الثلاث هذه بوصفها محاور النضال العربي الرئيسة.

فبرغم مضي خمسة وسبعين عاماً، وبرغم تحرر الأقطار العربية من الاستعمار المباشر الذي كان يسمى انتداباً، فإن يد الخارج، يد السياسة الاستعمارية، ما تزال تعبث بالدول العربية بنسب متباينة، كما برزت القضية الفلسطينية بعد التحرر من الاستعمار المباشر بوصفها المحور الأكثر أهمية وحرارة في النضال التحرري العربي. كما تشهد العقود الأخيرة عودة للاحتلال العسكري المباشر في عدد من البقاع العربية، وهو ما يؤكد أن التحرر من الاستعمار ما يزال مسألة نضالية أساسية.

لكن القوى العدوانية وإسرائيل، تستفيد من التشتت العربي، وتسعى إلى تعميقه، ويضعف شيئاً فشيئاً إحساسنا نحن العرب بأهمية التضامن والوحدة، ويقوم الحكام العرب بدور كبير في ذلك، إذ يتركز اهتمامهم على مصالح الحكم في أقطارهم، وعلى ضمان استمرارهم في مواقعهم، ويؤكد هذا أن قضية الوحدة العربية ما تزال هدفاً ملحّاً، برغم ما أثبتته تجربة القرن العشرين من أن الطريق الواقعي المأمون إلى هذه الوحدة، هو طريق السعي التدرّجي التراكمي، أي التقارب المبرمج والمدروس، وتفعيل المؤسسات العربية المشتركة، التي قد يكون إطارها المناسب هو الجامعة العربية ذاتها.

وإذا كانت التجربة قد دلّت على أن الشعارات الكبيرة مثل (الوحدة الفورية) أو (الوحدة الاندماجية) أو (الوحدة الشاملة) وغيرها لم تؤدِّ إلا إلى مزيد من الانقسام والتباعد، فإن الوحدة العربية تظل هدفاً عظيماً.

أما المحور الثالث الذي التفّ حوله النهضويون القوميون العرب، أي النضال ضد التخلف والرجعية، فهو محور يزداد أهمية وإلحاحاً، بل هو الذي يجعل المجتمع قادراً على تحقيق نجاحات في المحورين السابقين. فهشاشة المجتمع وتخلّفه تجعلانه هدفاً سهلاً لمن يريد التطاول عليه. وفي إطار النضال ضد التخلف والرجعية، تأتي قضية ترسيخ مبدأ المواطنة، وتقوية النزعة العلمانية في المجتمع، وتحديث القوانين، وحماية حقوق المواطنين في التفكير والتعبير عن الرأي والنشاط الحزبي والسياسي بعيداً عن العنف.

ويتعاظم إحساسنا بأهمية هذه الأمور حين نرى تنامي النزعة التكفيرية أو التخوينية، واشتداد الموقف السلبي من الاختلاف والتنوع وحق الاجتهاد والتفكير.

كان مؤتمر زحلة حلقة هامة من حلقات النضال من أجل التحرر والوحدة والنهوض، وكانت مجلة (الطليعة) التي أصدرها تعبيراً فكرياً وثقافياً عملياً عن وحدة التيار القومي التقدمي، هذه الوحدة التي يتعاظم إحساسنا بأهميتها في الظروف الراهنة، خاصة بعد أن لمسنا جميعاً الأثر السلبي لعدم المحافظة عليها منذ أواخر ثلاثينيات القرن العشرين.

لقد انقسم التيار القومي التقدمي إلى شعبتين شعبة ماركسية شيوعية يأخذ عليها الآخرون تقديم الأيديولوجيا على الواقع وإيلاء اهتمام كبير للتطابق مع السياسة السوفييتية، وتقديم قضية الاشتراكية على الوحدة القومية، وشعبة قومية يأخذ عليها الآخرون ضعف الاهتمام بالعدالة الاجتماعية، والتعامل مع قضية الوحدة العربية تعاملاً عاطفياً حماسياً بعيداً عن الواقعية مما ألحق بها الأذى وأبعدها عن مجال التحقق.

لقد أشار المفكر والباحث محمد كامل الخطيب في دراسته التي حملت عنوان (الانقسام الكبير) إلى ما وجده عوامل في حدوث ذلك الانقسام، ومن المفيد للقارئ العودة إلى تلك الدراسة التي يتضمنها كتابه (وردة للمختلف).

لكن المفيد حقاً، ونحن نستذكر مجلة (الطليعة) في ذكراها الخامسة والسبعين، أن نسعى لتكريس نزعة العلمانية وتحقيق مبدأ المواطنة في مجتمعنا العربي، وأن نعمل على توحيد الجهود، في إطار المحافظة على التنوّع والتعدّد، من أجل النضال التحرري التقدمي الوحدوي وفق مقتضيات ظروفنا الراهنة. وهذا ما كرست له (الطليعة) ومنظمو مؤتمر زحلة جهودَهم.