"رحلة في رحاب العالم الرحباني"- الندوة الثانية - "القيم الإنسانيّة وصورة المخلّص في المسرح الرحباني"
لبنان الآن - الجمعة 12 آذار 2010
(الجامعة اللبنانية الأميركية - LAU)
نظّم "مركز التراث اللبناني" في الجامعة اللبنانية الأميركية (LAU) الندوة الثانية في سلسلة محاضراته الشهرية "رحلة في رحاب العالم الرحباني" مع الباحثَين الدكتور مفيد مسّوح والدكتورة أمل ديبو - قاعة "إيروين هول" - حرم الجامعة في بيروت. الى جانب حضور مميز من المثقفين ومحبّي "الفنّ الرحباني"، جاءت المشاركة ايضا رسميّة حيث مثّل رئيس مجلس النواب الدكتور رياض غنّام، ومثّل رئيس الحكومة مدير عام وزارة الثقافة الدكتور عمر حلبلب، ومثّل وزير الداخليّة الأستاذ ربيع الشاعر، في حين مثّل قائد الجيش العقيد جوزف الشاعر، والمدير العام لقوى الأمن الداخلي الرائد الياس طوق. كما حضر أيضاً الوزير السابق الياس حنا، رئيس الجامعة الدكتور جوزف جبرا، وكل من الفنانين الياس وغدي وأسامة الرحباني...
الشاعر هنري زغيب
إفتتح الندوة مدير "مركز التراث اللبناني" الشاعر هنري زغيب بالقول إننا "نلتقي هنا اليوم للمرّة الثانية في إطار هذه السلسة الرحبانيّة "في رحاب العالم الرحباني". موضحاً أنّ "الرحلة في العالم الرحباني طويلة وواسعة، والغرض من هذه المحاضرات أن تصدر لاحقاً في كتاب المأمول منه أن يكون أكاديمياً". وأشار إلى أنّه لهذا السبب "طَلَبَ من الفنان الياس الرحباني أن تكون مشاركته المقبلة في هذه الندوات ليس كأخٍ ثالث لعاصي ومنصور إنما كتقنيٍ أي كمؤلّفٍ وملحّنٍ موسيقيٍ، سعياً لأن يُشكّل هذا الكتاب مرجعاً للدارسين والباحثين في ما بعد عندما يصبح رسمياً شعر ومسرح وفن الأخوين رحباني، ومنصور بعد عاصي، في برنامج وزارة التربية، كما وقّعت القرار الوزيرة السابقة والنائب الحالي السيّدة بهيّة الحريري". "وكالعادة"، أضاف زغيب، "المحاضرة في "مركز التراث اللبناني" لا تقتصر على المنبر فقط إنما هناك للشاشة مكان، ولذلك يزوّدنا الفنّان غدي رحباني بمقتطفات من الأخوين رحباني ومن منصور".
الدكتور مفيد مسُّوح
المداخلة الأولى كانت للدكتور مفيد مسّوح صاحب كتاب "جماليات الإبداع الرحباني" المؤلّف من جزئين والذي وثّق فيهما كل مسرحيات الأخوين رحباني مرفقة بدراسة أكاديميّة. تناولت مداخلته موضوع "القيم الإنسانية في مسرح الأخوين رحباني"، حيث تحدّث عن "الإنسان في التراث الرحباني والنقاء في خصائص الطبيعة وفي علاقة الناس بها". وفي هذا الاطار "استشهد بمقاطع من "جسر القمر"، و"الليل والقنديل" و"دواليب الهوا" و"هالة والملك" وسواها من الإبداعات الرحبانيّة، وأظهر مواقف فيها تشير إلى الإنسان الرحباني الذي "ما إن يظهر من خلال التصاقه بالطبيعة حتّى تَبْرُزَ صفاته الإنسانية". وفي حديثه عن الوطن بالمفهوم الرحباني قال إنه "ليس أرضاً تحدّها خطوطٌ وفوقها سماء وعلى سطحها مياه، بل أرضٌ يسكنها الإنسان ويعيشُ عليها سعيداً مطمئناً منتجاً مبدعاً مساهماً في تطوير حياته وحياة الآخرين ومشاركاً في المسؤولية عن تنقيتها من الشوائب وحمايتها وتجميلها وتلميع صورها". وتابع: "إنّها الأرض الحرّة غير المحتلة يعيش عليها أبناؤها سعداء فاعلين متحابين"، ومن هنا صرخةُ الأخوين رحباني "في وجوهِ من استَهتروا في اكتمال الوطن بسعادة شعبه". إلا أنّه لفت في المقابل إلى أنّ "الوطن المنكوب في المفهوم الرحباني "ليس حالةً من اليأس والقنوط بل هو وضعٌ موقّتٌ له متطلباته". وبالتالي، وفق مسّوح، "الرحبانيان لا يقفان عند هذا الواقع عاجزين أو متشائمين، بل يواعدان المقهورين بعودة الوطن مع عودتهم في سياق السعي لاستعادة حريّته وكرامته".
وجال المحاضر على مفهوم الأسرة في المسرح الرحباني الذي "تأنّقَ في تصوير البيئة الأسريّة عبر علاقات الأبناء بالبنين والأُسر بعضها ببعض ومجتمعات الضيع المتجاورة وما يملأ حياة الناس اليومية العادية أو في الأعراس والطقوس الاحتفالية". وتوقف عند "مفهوم العمر" وهو هاجسٌ في المسرح الرحباني، مشيرًا إلى أنّ "الوقت الرحباني ليس عابراً إلى زوال بل هو وقتٌ مليء بالخلق والإبداع والعطاء، ومن هنا الشغف الرحباني في ذكر العمر والحياة والتركيز على إخصاب العمر من نتاجٍ إبداعي".
هذا وكان للحبّ في المحاضرة حيزٌّ واسع ركّز مسّوح عليه في المسرح الرحباني بأنّه "يعكس ثقافة الحياة والتفاعل معها ويرافق الناس في أوقاتهم عبر المكان والزمان والطقوس والفنون". وركّز على "كون الفنّ الرحباني هو ابن الوعي، لذا ركز المسرح الرحباني على دور الفنّ في تطوير المجتمع وتثقيف النفس وتنقية الروح ورفع مكانة الوطن ونشر ثقافة السلم والمحبة والفرح. وختم بالقول: "إنّه الفنّ الرحباني في خدمة البناء والتطوير وفي توعية الناس وتوجيه طاقاتهم إلى خدمة الوطن وحمايته وتمتين ارتباط المواطنين بأبنائهم وفي تجميل حياة الناس وملء أوقات راحتهم بالفرح والسعادة ما يُشيعُ روح المحبة والسلام".
الباحثة أمل ديبو
أما المداخلة الثانية فكانت للباحثة أمل ديبو عن "الخلاص في المسرح الرحباني"، والتي انطلقت من أنّ "النفَس المسرحي قاعدة في الأعمال الرحبانية يمُدّها بالنسغ الحيوي الآتي من قلب الإنسانية، والمتصاعد إلى ما وراء محدوديتها، بلوغاً إلى الإنسان المطلق المتحرّر من عقالاتها، الساكن أرض الحلم الواصل إلى الخلاص". وأضافت: "من هنا نرى أنّ غربة ملكة بترا وزنوبيا هي غربة الملوك، وغربة المتنبي هي غربة الشعراء والأنبياء وغربة سقراط هي غربة الفلاسفة، وهؤلاء جميعاً أتوا إلى البشر من أجل خلاصهم من نير العبودية والجهل لكن البشر في جهلم وحيوانيتهم لم يقبلوهم، ذلك لأنهم أتوا من العُلى ولم يعرفوا للخلاص سبيلاً سوى الموت". غير أن الموت في المسرح الرحباني، تابعت ديبو، "ليس نهايةً إلاّ للجسد في لحمه ودمه، بل هو بداية الرمز وبداية الأسطورة وبداية الحكاية ومفتاح المسرحية الرحباني". كما نوّهت بأنّ المسرح الرحباني هو "الساحة العامة التي تنطرح فيها هموم الناس وأوجاعهم ومطامح الحكّام وجشع الطامعين وبطش الظالمين ومخاوف الناس ومقاومة الطيّبين". وأشارت إلى أنّ عبقرية الرحبانيَين "كشفت المأزق على مستويين متلازمين: مستوى المسرح الذي تتوزّع عليه أدوار الشرّ والخير بين الأشخاص ومستوى قلب كلّ إنسان تتصارع فيه قوى الخير الشرّ".
وإذ شدّدت على أنّ "في كلّ مسرحية رحبانية قضية هي وجهٌ من وجوه المأذق يرتدي لعبة فنيّة وموضوعاً معيناً في زمنٍ معيّن بعضه واقعي وبعضه الآخر رمزيّ أو وهميّ"، أصرّت ديبو على عدم التوقّف عند مسرح الأخوين وحسب، بل ركّزت أيضاً على مسرح منصور بعد عاصي، منوّهة بأعماله من "صيف 840" مرورًا بـ"سقراط إلى "وقام في اليوم الثالث" وصولاً إلى "المتنبي" وسواها من الأعمال التي شدّد فيها منصور بدوره على صورة المخلّص ومفهوم الخلاص لدى كلّ مخلّص "يطارد المستحيل ويرفض المساومة حيثما يقبل الناس بالحلول المهدئة أو حتّى بالتفاوض".
أوضحت أنّ "المتنبي وسقراط والمسيح في مسرح منصور الرحباني أهلُ رسالةٍ من دون روايةٍ خيالية، إنّهم حقيقةٌ فنيّة تغدو في مواجهة الموت أسطورةً تحمل الحياة، إنهم واحدٌ في محاصرة الشرّ، عيونهم معلّقةٌ على المطلق، مجنّحون لكن أرجلهم مربوطة بالسلاسل، يتوثّبون في قتالٍ مرير مع الشرّ، سلاحهم كلمةٌ شعرية في طلب العلى (المتبني) أو في طلب الحقيقة (سقراط) أو في طلب الحب المجاهر بأنّه الطريق والحق والحياة (المسيح). وجميعهم غرباء وحيدون في نبوءتهم ورسالتهم مؤتمنون على كلمة الحق الذي حرّرهم من الخوف فلم يجدوا لتأكيد كلامهم وتجسيد حبّهم الأكبر إلاّ الموت سبيلاً".
وفي ختام مداخلتها وصفت ديبو "المسرح الرحباني بأنّه ليس من هذا العالم بل إنّه في العالم وللعالم، وعلى خشبته يتمُّ الخلاص من مأزق الوجود الذي تتصارع فيه قوى الخير الشرّ، وبالتالي في المفهوم الرحباني الفنّ وحده مبدعُ الخلاص إذا التزم الحبّ، ويبقى أنّ الحرية هي القضية الكبرى، قضية الحياة الحقّة وقضية الفنّ الأولى، بها أبدع الرحبانيان صوراً للمخلّص قناديل مضاءةً في عتمة ليلينا العربي".
يشار إلى أنّه عُرضت في الندوة مقاطع على الشاشة من حوارات تلفزيونية مع عاصي ومنصور الرحباني ومن أعمالٍ مسرحية غنائية للأخوين وأخرى من أعمال منصور الرحباني.