إغواء الشّعر

عطية مسوح قرأها 10
  

إغواء الشّعر

بقلم: عطية مسوح

نتساءل أحياناً: هل وصل النقد الأدبي إلى مستوى الأدب الذي ينقده؟ وكثيراً ما يأتي هذا السؤال بعد أن يقرأ أحدنا نصاً إبداعياً يراه جيداً، أو يقرأ مداخلة نقدية على نص، أو بحثاً في إبداع شاعر أو قاص.

ولا يخطر هذا السؤال للقارئ فقط، فهو ـ على ما أظن ـ يخطر للمبدع أيضاً حين يجد إبداعه مادة يتناولها بعض النقاد بشيء من التسرّع أو السطحية، أو ينطلقون في قراءتها من أفكارهم هم أو من مقاييسهم النقدية الخاصة التي قد لا تتوافق مع أفكار المبدع ومقاييسه.

بين فترة وأخرى أسأل بعض أصدقائي الشعراء سؤالاً، كنت أتوقع في البداية أن تحتاج الإجابة عنه إلى التفكير والتأني، لكنني أفاجأ كل مرة أن الإجابة تأتي عفوية سريعة، وتختصر تجربة طويلة في علاقة النقد بالإبداع الأدبي.

السؤال هو: هل أفادك النقاد بشيء؟ هل أسهموا في تطوير أدواتك وتعميق رؤاك؟

أما الإجابة العفوية السريعة الموجزة فهي: لا.

المسألة لا تتصل بالعلاقة بين المبدع والناقد. بل تتصل بوظيفة النقد ومهمات الناقد نفسه. والمتابع لما يكتب تحت اسم: نقد أدبي، أو دراسات نقدية، أو قراءات في كتب، يجد أن الناقد ـ غالباً ـ يكتفي بعرض ما يراه هاماً في الكتاب الذي (يدرسه)، بعبارات لا تراعى فيها دقة المصطلحات النقدية، ويصل إلى أحكام سلبية مبالغ في سلبيتها، أو إيجابية مبالغ في إيجابيتها، فيحول نفسه إلى مقرّظ لصاحب النص ونصه أو موبّخ مقرّع.

فهل هذه هي مهمة النقد والناقد؟

يتوهم كثيرون أن الناقد قادر على أن يرفع أديباً ويحطم أديباً. ولو عدنا إلى تراثنا لوجدنا أن المسألة لم تكن على هذا النحو منذ قديم الزمان. فالإبداع الجيد يثبت نفسه برغم تجني النقاد، ولعل المتنبي، وهو من أصابته سهام النقاد في زمنه أكثر مما أصابت سواه، شاهد على ما نقول.

فقد كتب كثيرون عن مساوئ شعر المتنبي، وبينهم نقاد يُعدّون كباراً في زمنهم، لكن نقدهم لم يعلق في ذاكرة الناس ولم يؤثر في تذوقهم لشعر المتنبي الذي ظل خالداً وصاحب أعلى مكانة في الشعر العربي.

ونجد الأمر ذاته اليوم، فلا أظن أن شاعراً أو قاصاً أو روائياً ولا سيما المرموقين، قد تأثر بالنقاد ومواقفهم تأثراً سلبياً أو إيجابياً. ولو اكترث نزار قباني مثلاً لآراء ناقديه لألحق الأذى بإبداعه.

هل يعني هذا أن الشعراء لا علاقة لهم بالنقد الأدبي؟ وهل ندعو إلى قطيعة بين الإبداع والنقد؟

لا.. لأن الناقد إذا أراد أن يمارس مهمته ويقوم بواجبه، ويؤثر في الحركة الإبداعية والمبدعين، فعليه أن يبحث ـ بالدرجة الأولى ـ في نظرية الأدب. ولا غنى للمبدع، شاعراً كان أم قاصاً، عن التعمق في فهم الأدب فهماً نظرياً، يقوم على رؤى فلسفية قد تتفاوت إلى درجة التناقض، كما لا غنى له عن معرفة تاريخ الأدب وتطوّر أدواته وأساليبه عبر الزمن، من خلال دراسة المغامرة الإبداعية للإنسان في مختلف المراحل والأمكنة.

هكذا يمكن للناقد أن يجد لنفسه مهمتين كبيرتين:

الأولى هي البحث في نظرية الأدب، وهو مجال واسع دائم التطور، تغني البحثَ فيه تجاربُ المبدعين ذاتها.

والثانية هي دراسة التجارب الإبداعية بوصفها أمثلة أو نماذج في سياق البحث في نظرية الأدب، أو دراسة مرحلة من المراحل، أو مبدع من المبدعين بقصد تأكيد فكرة ما تتصل بهذه النظرية.

وحين يقول مبدع ما: إنني لم أستفد من النقاد. فلأن معظم النقد الأدبي الرائج في المجلات والصحف في بلادنا لا يصبّ في المهمتين المذكورتين، بل يبتعد عنهما.
يرى كثيرون أن مهمة النقد الأساسية هي مساعدة القارئ على تمييز الجيد من الرديء، أو وضع اليد على مواطن الجمال والسمو أو مواطن الضعف والهبوط في النص. وهذا صحيح، لكنه يقتضي الموضوعية وعدم التأثر بالأهواء، وقد لا تتوفر هذه الخصلة توفراً كافياً لدى كثير ممن يتناولون الأعمال الإبداعية، كما أنه يقتضي الحذر من فرض ذائقة الناقد على القارئ.

لكن الأكثر ضرراً هو أن يمارس المبدع النقد ويضع نفسه في موضع الناقد المقوم للمبدعين وإبداعاتهم لأنه سينطلق في نقده من تجربته الإبداعية ذاتها، أي أنه سيميل، وربما لا شعورياً، إلى جعل إبداعه هو أنموذجاً يقيس عليه. وفي هذه الحال يمكن للمنقود أن يسأل الناقد: أتطبق أفكارك النقدية هذه في إبداعك؟ وهل يأتي إبداعك على النحو الذي تطلبه من غيرك؟.

هنا يمكن لنا أن نتذكر ونذكر، أن كثيراً من النقاد اقتحموا حقول الإبداع الأدبي، فلم يوفقوا. ربما كان لبعضهم محاولات شعرية محدودة قبل أن يدخلوا مجال النقد ويتخصصوا فيه، وعندما أصبحوا نقاداً قالوا: إذا كنا نملك هذه القدرة الكبيرة في التنظير، وفي نقد المبدعين، فلمَ لا نبدع؟ وما الذي يمنع أن يكون إبداعنا عظيماً؟
هكذا ورّط عباس محمود العقاد نفسه في كتابة الشعر بغزارة، وأصدر عدة دواوين، ومثله فعل المازني، وغيره، ويفعل بعض النقاد والفلاسفة، فيأتي شعرهم أدنى بكثير من مستوى النقد الذي ينتجونه والفكر الذي يحملونه.

سحر الشعر وعظمته، يغري باقتحام ميدانه، ويستدرج المثقفين إليه، دون أن يعرفوا أن دور الموهبة فيه أكبر من دور الصنعة والتعلم والحذق. وإذا كانت (هواية الشعر) مرحلة يمر بها كل مثقف، أو يحاول أن يكتشفها في نفسه، فإن المثقف الموضوعي والناقد المدرك يعرف أن الإنسان لا يمكن أن يكون موهوباً في كل مجالات الإبداع، وإذا وجدنا ـ في حالات نادرة ـ شاعراً يبدع في الرسم كما يبدع في الشعر، أو موسيقياً شاعراً، فهذا مما لا يقاس عليه.

إن إغواء الشعر والإبداع شديد وخطير، وربما كان من سمات المثقف والناقد الجاد أن يحصّن نفسه من شرك هذا الإغواء.

نعود إلى ما بدأناه، فمشكلة الإبداع مع النقد مشكلة معقدة، وربما كان المبدع الحقيقي هو من لا يهتم بمواقف النقاد إزاءه، فيكتب بحرية، انطلاقاً من موهبته المصقولة بالثقافة والمغتنية بالتجارب، أما الناقد فله أن يقرأ الإبداع كما يشاء.