الدراما العربية جودة يقتلها العنف

بلقيس حميد حسن قرأها 852
  

الدراما العربية جودة يقتلها العنف

بلقيس حميد حسن

قد استفز الكثير من الفنانين العرب او المهتمين، لو قلت ان الدراما السورية هي الأجمل بين كل الكمّ الهائل الذي تعج به الفضائيات العربية، فهي الوحيدة التي استطاعت نقل السينما الى البيوت فمنحت الفقراء بطاقات التعرف على كل صراعات المجتمع، وعلى تنوع الحيوات فيه بدون دفع أجور لا يحتملونها لدخول دور الثقافة والعرض، ألى اسعار بطاقات طائرات والدخول في أفخم الفنادق مثلما تعرفوا بأنماط العيش لأفقر العوائل وأغناها..

لقد جعلت الدراما السورية الفن السابع يغدو ثامناً، عرضت معاناة الناس أكثر مما رأيناها في السينما، فنحن قوم أغلبيته فقيرة وتبحث عن الفنون بأقل الأسعار، وعن طريق الدراما سرنا في أزقة مهملة، مليئة بمياه آسنة، رأينا حياة المرأة العربية المنتهكة حقوقها في كل الطبقات الغنية والفقيرة والمتوسطة، تعرفنا على زيف بعض المتلاعبين بأفكار البسطاء من السياسيين، دخلنا قصور وفلل رجال الأعمال الذين يستغلون سواهم من الناس وعرفنا مشاكلهم الداخلية وخياناتهم للضمير وانتهاكهم لأبسط حقوق الإنسان، كما رأينا الإجرام الذي لا يعرف وطناً والذي لا يستطيع الإنسان الوقوف ضده إلا بالقيم والمبادىء الإنسانية النبيلة..

ليس هذا فحسب انما هناك جمال آخر تمنحنا اياه الدراما السورية وهو فن الشارات التي تذيبنا رقة ومتعة، حيث نستمع الى أشعار تنبض بروح الإنسان، وتمتاز بإثارة فلسفة الحياة، في مجتمع ينوء بالممنوعات، نستمع الى إقصاء وتهميش لأرواح تواقة للحب والحياة والعطاء. انها ليست شارات لمسلسلات فقط انما هي تحف فنية بألحان موسيقية راقية وكلمات تعيدنا الى زمن ازدهار الشعر والكلام العربي والفن الذي غادرنا الى حيث التردي وضياع العذوبة.

لا ينكر ان هناك أعمالاً خليجية هامة خاصة المسلسلات التي تكتبها الفنانة المبدعة "حياة الفهد" حيث تركز على أحداث أبرزها معاناة المرأة في مجتمعاتنا الذكورية القاهرة لها، كما تعكس قسوة التقاليد التي لا زالت تفتك بغالبية المجتمعات العربية وترميها الى العذابات والمشاكل الاجتماعية التي لا تنتهي، خاصة حينما تنقلنا مسلسلات هذه السيدة المليئة بالروح الإنسانية غالباً الى زمن ماقبل البترول، حيث بساطة الحياة وصدق الناس ولطفهم وحميميتهم، مما يمنح المسلسل متعة ونكهة خاصة تضيف للمشاهد معرفة في التراث والتاريخ، وحينما نقارنها بمسلسلات خليجية أخرى نتلمس التغيير الحاصل في علاقات الناس بعد مرحلة النفط التي قلبت الحياة بدول الخليج بشكل لا يمت للماضي بصلة، بل بالعكس زادت من خشونة البعض وجلافتهم التي لم تستطع دعة الحياة والسيارات الفارهة والتبريد ان تشذب من بداوتها فترى غالبية المسلسلات الخليجية مليئة بالصراخ وعدم الاحترام في التعامل بين الناس والعويل والعنف ضد البعض، وكأننا بمسلسل عراقي وليس خليجي ينعم بالهدوء السياسي والأمن والثراء، حتى ليتعب المشاهد من كثرة ما بها من الصخب..

ان الدراما التي تتناول قضايا الإنسان وهمومه وتعرضها بوضوح وشجاعة مؤكدة على أهمية حقوق الإنسان تقدم خدمة كبيرة في تعليم الناس على احترام إنسانيتهم وتساعدهم على فضح الفساد وكسر طوق الخوف من اية سلطة او ظلم، فالحكومة او السلطة أوجدت لخدمة الإنسان وتنظيم حياته على اساس التعايش والسلام والعدالة الاجتماعية، وماعدا ذلك فالسلطة لا تساوي شيئاً بالمقياس الإنساني، فهي حتى وان منحتهم المال والقصور، كما في بعض دولنا العربية التي يغتني بها بعض الناس فيملكون كل شيء، لكنها لا تعلمهم احترام حقوق الآخرين كما يجب، ولا تقنن لذلك أي قانون وكأنما هي ليست على هذه الأرض، وبالتالي يتصرف هؤلاء الأغنياء بلا إنسانية بل يستعبدون مستخدمين عندهم من دول فقيرة يجري قهرهم في تلك القصور بصمت وبدون رحمة..

ولكنني كتبت مقالتي هذه لا لمدح الدراما السورية ومسلسلات المبدعة حياة الفهد، انما لأسجل هنا نقطة سلبية على مجمل الدراما العربية، لأنها تعرض العنف ضد النساء او الضعفاء أمام كل الفئات العمرية من البشر، وبطريقة تجعل العنف ظاهرة متوارثة مقبولة من قبل الصغار حينما يمارسها الكبار على الشاشة، والفضل في انتباهي لهذه النقطة هو انني كنت في بيت عائلة من المعارف ولديهم أطفال ولدوا في أوروبا، لم يعتادوا على متابعة مسلسلات عربية، ولأنني كنت أتابع أحد المسلسلات السورية فطلبت منهم متابعتها بالوقت، وصادف ان في حلقة ذلك اليوم مشهداً فيه اعتداء بالضرب على امرأة، فما كان من صغارهم الا انهم ارتعبوا وطلبوا إطفاء التلفزيون صارخين بلغة اوروبية:

عنف، وهم يرتجفون لاجئين الى حضن أمهم!

عجبت لأن أطفالنا لم يتأثروا كتأثر أطفال الغرب برؤية العنف!

هل لأن أطفالهم لم يعتادوا على رؤيته في المدارس والشوارع والبيوت؟

هل لأنهم يرفضونه جملة وتفصيلاً، عقلاً وسلوكاً؟!. أمِن هنا ينشأ الطفل سوياً بدون ازدواجية كالتي يمتاز بها عالمنا العربي بنسبة كبيرة من سكانه؟

بحثت في كتب علم النفس فوجدت ان من يتعود على رؤية العنف يمارسه شخصياً وهكذا يستمر مسلسل العنف في بلداننا.

من هنا أوجه نداءً لكل المخرجين والمهتمين بالشؤون الاجتماعية والنفسية في العالم العربي، وكي لا يساهموا بدون معرفتهم بنشر العنف، ان يعبروا عنه بأسلوب إخراجي آخر لا يعرضه بشكل مباشر يؤثر على نفسية الأطفال ويجعله واقعاً عادياً مقبولاً لديهم، وإلا ستنقلب فوائد الدراما العربية الى عكس الأهداف المنشودة منها..

26-12-2009

www.balkishassan.com