مَن عبد المعين الملوحي؟

شوقي بغدادي - فيصل الملوحي قرأها 685
  

مَن عبد المعين الملوحي؟

بقلم: شوقي بغدادي

تعليق: فيصل الملوحي  

حين أسترجع عبد المعين في ذاكرتي تعودني أول ما تعود صورة وجهه وقد تضرّج بحمرة الحياء، عندما قلّده السفير الفيتنامي وساماً رفيعاً في حفل أقيم منذ سنوات تقديراً لجهوده في خدمة الأدب الفيتنامي المجهول عندنا، بتعريب كثير منه.

وتعود في ذكرى ثانية في حديقة (السبكي) حيث كان يجتمع بعدد من أصحابه في ضحى يوم معين من كل أسبوع، يجلسون فيه متقاربين حتى الظهر يراقبون البط السابح في البحيرة الصغيرة، والأطفال يمرحون ويصخبون حولهم، مستغرقين في المشهد مبتسمين له كأنهم يرون فيه بعضاً من حياتهم الهاربة، وقليلاً ما كانوا يتكلمون. انضممت إليهم مرتين أو ثلاثاً كي أستمع إلى عبد المعين الذي كان أنشطهم في التعليق على ما يدور حوله وما كنت أعرضه من موضوعات، فإذا غادرتهم صاحبتني كلماته وبشاشته طويلاً.

وحين كنت أزوره في بيته لم يكن أمتع من الجلوس إليه وهو وراء مكتبه يحدثني عن مشروعاته الكتابية، ويطلعني على بعض مخطوطات كتبه الناجزة التي لم تنشر، وما أكثرها. يجدر بي أن أذكر هنا صدور مئة عنوان وعنوانين من الكتب الضخمة والمتوسطة والصغيرة، وبقي كما عرفت من ابنه (منقذ) مئتا مخطوطة لكتب لم تُنشر، فأية أرقام فلكية هذه! تصوروا هذا الرجل! وحين كنت أعبِّر له عما كان يدور في ذهني من دهشة وإعجاب كان يضع نظارتيه جانباً ويحدثني بهدوء عن برنامج حياته اليومي الذي يبدأ من البكور إلى الليل، وهو مُكبّ على أوراقه وكتبه، فلا يخرج من داره إلا لغرض هام، فأتأمله وهو محاط برفوف الكتب كمن ينظر إلى راهب انقطع لعبادته.
غير أن الملوحي لم يكن له هذه الصورة في ريعان شبابه، فالذين عرفوه في ذلك العهد يتحدثون عن شاب كافح في حياته بألوان متنوعة من النشاط.

تزوج وهو في الثامنة والعشرين عن حب كبير من (بهيرة الجماليّة) أخت حافظ الجمالي، فاختطفها الموت الصامت بعد عام واحد من زواجهما، فأطلق عبد المعين لحزنه وغضبه العنان، فنظم قصيدة مطولة في رثائها متأججة بالمشاعر الكاوية التي بلغت به حد الشك بالحكمة الإلهية. فلم تجرؤ أية صحيفة عهدئذ على نشرها، وصارت من الممنوعات، فعلا ذكرها، واتسع تداولها حتى لم يبق في ذلك العهد في حمص ومعظم المدن السورية مثقف أو مهتم بنكبة الشاعر إلا كانت لديه نسخة من الملحمة العاطفية الخطيرة (600 بيت)، وقال فيها الدكتور جميل صليبا: (لم أسمع لشاعر شرقي أو غربي قديم أو حديث أعظم من هذه القصيدة، لقد ضمنَتْ له الخلود). ومنها:
"الروضُ والأطيارُ والأنهـارُ قد رضيـتْ هـوانـا
ومضتْ كما كانت تفيضُ  من الحنــانِ على سوانا

والشمسُ مـا زالتْ تغيــبُ  كما تغيـبُ وتشـرقُ
والغصنُ يزهـو حيــنَ يلـثمُهُ الربيـعُ ويـورقُ"

أما الأبيات الغاضبة حتى الشك فأنا لا أجرؤ على ذكرها هنا، والشاعر نفسه تخلّى عنها (توقّف عن ذكرها بعد أمد). وحين ماتت ابنته ورود، في عز شبابها رثاها بقصيدة طويلة ولكن مختلفة في موقفها من العناية الإلهية، فكانت مقتصرة على مشاعر الفجيعة والآلام وحدها، وكانت في الوقت ذاته تعبيراً عن تحوّل عبد المعين الملوحي من فورة الشباب المتطرفة إلى عمق الرجولة وإيمانها العريق بالعناية الربانية، دون التخلي عن مواقفه الفكرية الثائرة على الظلم والاستبداد، الطامحة إلى مجتمع تسوده العدالة والحرية.

ومن هنا يمكن تفهم الدوافع التي حفزته إلى الانسحاب من الحزب الشيوعي (السوري ـ اللبناني آنذاك) مبكراً في عام 1947 بعد خلافه مع الحزب آنذاك حول موقف الشيوعيين من الاحتلال الفرنسي الاستيطاني للجزائر. وبهذا المعنى توصل الملوحي شيئاً فشيئاً إلى توازن في مواقفه السياسية والفكرية بعامة واعتدال، وإلى جمع بين طموحه القومي العربي، ومشاعره المتدينة المتزنة، والحفاظ في الوقت ذاته على حماسته اليسارية المتلهفة لعدالة اجتماعية وحريات عامة. وهكذا صار صعباً في بعض الأحيان على المتعجّلين ممن كانوا يتابعون سيرة الملوحي أن يفهموه جيداً، أن يفهموا جمع هذا المفكر في موقف واحد بين تيارات الفكر المتضاربة في زمانه كي يصنع رؤيته الرصينة المتوازنة!.

لا يرى الحقيقة ملكاً خالصاً لأحد أو لفئة، أو لحزب، أو حتى لدين أوحد، وإن كان مسلماً مؤمناً.

كل هذه التحولات، وما هي تحولات بالمعنى الدقيق، إنّما هي عوامل إنضاج أو استعدادات فطرية كامنة أصلاً في تكوينه الذاتيّ ولنشأته في بيئة متدينة محافظة. نقول: إنَّ الملوحي برغم كل هذه التحولات لم يقطع مع الفكر الماركسي تماماً، بدليل عنايته الشديدة في تقديم الأدبين الصيني والفيتنامي شبه المجهولين في شارعنا الثقافي كما في مكتباتنا، وهذا ما دفعه في أواخر حياته إلى تأليف كتاب طريف يحمل هذا العنوان: (لماذا أصبحتُ شيوعياً؟).

وهو المنسحب من الحزب في سن مبكرة، المحافظ على استقلاله بعيداً عن الانتماء إلى أي حزب منذ عام1947. كأنه لم يصنّف هذا الكتاب إلا ليقول: إن الحزب الذي علينا أن ننتميَ إليه هو بحق القادر على صهر أقانيم الوطنية والقومية المدعمة فكراً وعملاً بروح العدالة الاجتماعية والحرية والديمقراطية والإيمان الروحاني بالحكمة الأليفة- وإن لم نفهمها دائماً - في ورقة عمل واحدة، ثمّ ليقول: إنه لم ينسحب من الحزب إلا لأنه اكتشف أن هذه الرؤية المتكاملة لم تتكوّن في الحزب الذي انتهى إليه، لكنه في الوقت ذاته لا يرى حزباً أفضل منه أو أقدر على مراجعة حساباته وسد الثغرات في برامجه الفكرية والعملية، ليؤدّيَ دوره الوطني القيادي اللائق في التغيير والإصلاح والتقدم. (هذا تخمين ليس له سند من علم).

إذا ذكرنا كتبه الكثيرة المحققة عن التراث العربي والمصنّفة فيه نفهم النهج الملوحي في التعبير عن نزعته القومية الأصيلة. وإذا درسنا مواقفه في تطورها فسنجد أنفسنا قطعاً حيال ظاهرة إنسانية فريدة في نوعها تكاد تلخص الحكمة البشرية التي لا نصل إليها عادة إلا بعد مكابدة طويلة. ولربما قيل هنا: إن الملوحي لم يصل إلى اليقين الذي كان يبحث عنه طوال حياته، ولكنْ أيُّ إنسان ـ سوى الأنبياء ـ يستطيع الزعم بضمير مرتاح واثق كل الثقة أنه وصل إلى الحقيقة المطلقة؟ لذا كان من الأفضل حين ندرس تحولات عبد المعين الملوحي بين الدين والقومية والماركسية، بين الانتماء للحزب الشيوعي باكراً والانسحاب منه باكراً أيضاً ثم العودة إلى الحديث عن انتمائه السابق في كتابه (كيف أصبحت شيوعياً؟) وكأنه يعتذر ضمناً عن انسحابه، ولكن من دون أن يعلن عن عودته النظامية إلى الحزب (هذا تخمين ليس له سند من علم!) أن نقول: إنّ عبد المعين كان من المخلصين الجادين في بحثهم عن الحقيقة، ثمّ عن خلاصه الوجودي، وإنه كان دائماً صادقاً مع نفسه ومع الآخرين. فكانت  له الجرأة والوعي في انتقاد نفسه قبل انتقاده غَيْره، والشجاعة في الرجوع  عن أفكاره المتطرفة ـ كما في رثاء (بهيرة) (هذا تخمين ليس له سند من علم!)ـ إلى رؤية فكرية معتدلة متصالحة مع الحكمة الإلهية في رثاء ابنته (ورود)، فالحقيقة ـ  كما تبدت له مع الزمن والخبرة ـ لا يحتكرها أحد، وينبغي لخاطبها أن يفتح نوافذ بيته ليستنشق الهواء الطلق الآتي من كلّ  صوب، و قيمة الإنسان الحقيقية إنما تقاس بقدر الجهود التي يبذلها في خدمة الآخرين، لا لصالح (ذاته = أناه) وحده، وهذا ما يعنيه تكريس حياته لخدمة تراث أمته وتبصيرها بقيمة الذاكرة القومية والوطنية واحترام العقل الإنساني والحرية الفردية.

هذا عبد المعين الملوحي! فمن لي بمثله؟