دعم النهضة الموسيقية- الثقافية في مجتمعنا طريق لتعزيز المجتمع المدني - رسالة شخصية الى رامز جرايسي وعبره الى كل رؤساء السلطات المحلية العربية
رسالة شخصية الى رامز جرايسي وعبره الى كل رؤساء السلطات المحلية العربية
دعم النهضة الموسيقية- الثقافية في مجتمعنا
طريق لتعزيز المجتمع المدني
بقلم: نبيل عودة
وقع بين يديّ كراس صادر عن وزارة العلوم والثقافة والرياضة (قسم ادارة الثقافة) يحمل عنوان: "الاجسام الموسيقية في إسرائيل- تلخيص النشاط السنوي" (نيسان 2009).
الكراس كما يطرح نفسه، هو تلخيص سنوي لنشاطات الفرق الموسيقية، التي حققت نجاحات في إسرائيل وخارجها.
الكراس أثار لدي الرغبة اين يقف مجتمعنا العربي داخل إسرائيل، من مجمل ما يستعرضه هذا الكراس وهل يأخذ بعين الاعتبار النهضة الموسيقية الغير مسبوقة في مجتمعنا العربي حيث نشهد منذ عقدين من السنين، مع تأسيس فرقة الموسيقى العربية بإدارة الاستاذ سهيل رضوان، نشاطاً مبنياً على قاعدة موسيقية علمية، بعيداً عن الارتجال، وبتخطيط وبعد رؤية حضارية أعطت، خلال العقدين الماضيين، نتائج هامة بنشوء الكثير من الفرق الموسيقية الجادة والجوقات الغنائية، بما في ذلك اتجاه مبارك لدراسة الموسيقى الغربية في الأكاديميات الموسيقية المعروفة في إسرائيل، وتأسيس جمعية "اورفيوس" في الناصرة، التي أصبحت نشاطاتها معلماً موسيقياً حضارياً في مجتمعنا، وانطلق بعض الفنانين الى فضاء العالمية. ويمكننا القول بلا تردد اليوم ان الفن الموسيقي أضحى يحتل الساحة الفنية الثقافية في مجتمعنا، ويمكن اعتباره اليوم الوجه الأبرز للنشاط الفني الثقافي في مجتمعنا العربي داخل إسرائيل.
في مدينة الناصرة يمكن الاشارة الى "جمعية تطوير الموسيقى العربية" وفرقتها "فرقة الموسيقى العربية"، وجمعية "اورفيوس" لنشر الثقافة الموسيقية متعددة الحضارات. وبالطبع هناك فرق أخرى لا نغفل جهودها.
الكراس المذكور يشمل فقط فرقة الموسيقى العربية.
من المعروف ان فرقة الموسيقى العربية ستحتفل في شهر تشرين الثاني 2010 بمرور عقدين على تأسيسها. هذه الفرقة أضحت معلماً هاماً في المسيرة الموسيقية للأقلية العربية. قامت على إثرها العديد من الفرق العربية في مختلف اأرجاء البلدات العربية متأثرة ومستفيدة من الانجازات التي حققتها فرقة الموسيقى العربية. بالطبع لن أطرح في هذه المقالة ما هي مميزات فرقة الموسيقى العربية لأن ما يلفت انتباهي الآن أسلوب تعامل المؤسسات العربية الرسمية وغير الرسمية مع هذه النشاطات وكيفية انعكاسها الحضاري الراقي على تشكيل شخصية أجيال المستقبل.
من استعراض الكراس فوجئت بأمرين: اولهما كما ذكرت ان فرقة الموسيقى العربية هي الوحيدة التي يشملها الكراس بين ستة عشر فرقة موسيقية المعترف فيها في إسرائيل. وإغفال سائر الفرق الموسيقية والغنائية والتي حققت إنجازات كبيرة في مسيرتها الفنية. وثانيهما، وهو الأمر المقلق بان فرقة الموسيقى العربية هي الفرقة الوحيدة، بين الفرق الرسمية حسب الكراس، المحرومة من دعم السلطة المحلية التي تنشط في إطارها. وأجزم ان الفرق الأخرى أيضا لا تحظى بأي دعم من سلطاتها المحلية.. ولا أعني بالدعم تسهيلات بسيطة مثل تقديم قاعة، او فتح المجال للتمرن.
من المستحيل اليوم في مجتمعنا العربي داخل إسرائيل، مع ما نعانيه من واقع صعب في جميع المجالات، ان لا ننتبه الى اهمية تطوير الوعي الفني والثقافي، والموسيقى هي حجر أساس في مقياس الرقي الاجتماعي والتربوي لكل مجتمع او مجموعة بشرية. عندما أرى عشرات العازفين الشباب والمشاركين مع فرق محترفة في العزف، وبعضهم يواصل دراسته الأكاديمية الموسيقية، وبعضهم أنهى دراسته الأكاديمية او يواصل لدرجة علمية أعلى، وأستمع الى ألحانهم، وإعجاب الأساتذة والنقاد بما يؤلفون، أشعر بفخر كبير.. ولكن المعروف ان تعليم الإبن أو الإبنة الفن الموسيقي، هو أكثر موضوع مكلف ومرهق لميزانية العائلة. واقول هذا عن تجربة ومعرفة. وبالتالي، أبناء العائلات ميسورة الحال جداً، هي القادرة على قبول هذا التحدي المالي المرهق.
ولنعد الى موضوعنا....
الكراس مثير للدهشة حقاً عبر الكشف عن الاهتمام الذي يوليه المجتمع اليهودي للفن عموماً وللموسيقى على وجه الخصوص. الكراس يقول أشياء كثيرة، أهمها ان الرعاية الثقافية والفنية التي يحظى بها الناشئة اليهود تجعلهم يتقدمون ثقافياً وفنياً وتعليمياً أفضل من الناشئة العرب. لا يمكن إبقاء هذا الموضوع للارتجال فقط او لنشاطات مؤسسة او مؤسسات تعتمد على المبادرات الشخصية والتضحيات الشخصية، ولا تجد الدعم والرعاية المناسبين من أهم هيئة مسؤولة في مجتمعها – سلطتها المحلية، التي من المفترض انها تملك رؤية واضحة وواعية لأهمية الفن والثقافة في التربية والتعليم ومستقبل الأبناء.
صحيح ان بعض المسائل تتعلق ايضا بسياسة السلطة التمييزية. ولكن رؤية الصورة الشاملة وغيرتنا على النشء الجديد في مجتمعنا تفرض علينا ان لا نترك هذا الموضوع لحسن نية السلطة وسياساتها. والتي تتجاهل كجزء من سياسة التمييز في التعليم والثقافة أيضا، أهمية الوعي الفني الموسيقي ايضا لأبناء الأقلية العربية. والمؤسف حقاً عدم طرح هذا الموضوع بإلحاح على أجندة مؤسساتنا الرسمية وغير الرسمية لوضع نهج حضاري متكامل ارى به جزءاً من نضالنا من أجل مستقبل ارقى لمجتمعنا العربي داخل إسرائيل.
نتحدث كثيراً عن المستقبل الذي نريده لشبيبتنا، وأراه حديثاً بدون فعل. في الواقع نزداد غرقاً بمقاهي الأرجيلة. نتحدث عن الفجوة التعليمية. الحديث مهما تشعب لن يحقق إغلاق الفجوة بدون عمل دؤوب وبدون تخصيص الميزانيات المناسبة. واضح ان الصورة العامة ترتبط بتخطيط مسبق وسليم للواقع التعليمي والثقافي. ما استهجنه اننا لم نستوعب بعد ما طرحته العديد من الأبحاث الحديثة، بأن الفن وتنمية المواهب الفنية واللامنهجية بما فيها الموسيقى، ينمي قدرات الطلاب التعليمية والثقافية ويوسع عالمهم الشخصي وإدراكهم ووعيهم. ومع ذلك نحن في خمول وجمود ولن تنفع التبريرات أجيال الشباب الجديدة التي لا تجد النوادي ذات النشاطات المناسبة والاهتمام بميولها الثقافية والفنية والعلمية، فتندفع للضياع بلا رقابة في مقاهي الأرجيلة والعنف. واذا وجد النادي، نفتقد للإدارة القادرة على إطلاق النشاط المناسب لكل الأجيال. ومعظم ما يجري أقرب للارتجال، وإغلاق النشاط على حلقة صغيرة لأسباب أهمها غياب الإعلام المناسب.
أنوّه ان هدف كتابتي ليس فقط فرقة الموسيقى العربية بصفتها الوحيدة التي شملها الكراس، وبكونها الفرقة التي فتحت الطريق أمام النهضة الفنية المباركة في مجتمعنا بجهود شخصية وجماعية مهما كانت تؤمن بقدراتها واستعدادها للتضحية الا ان استمرار ابتعاد الاهتمام الرسمي من مؤسساتنا الرسمية وعلى رأسها السلطات المحلية العربية يعوق هذه النهضة وقد يقود الى شللها.
هل هذا ما تريدونه يا رؤوساء سلطاتنا المحلية؟
الكراس يستعرض مثلا الميزانيات التي تمنح للفرق الموسيقية، استعراضها يبدو بمثابة السخرية السوداء. كل الفرق الموسيقية اليهودية التي تحصل على ميزانيات كبيرة من وزارة العلوم والثقافة تحصل على ميزانيات اضافية كبيرة من سلطاتها المحلية لا تقل أحياناً عن قيمة المبلغ الذي تحصل عليه من الوزارة عدا الخدمات المتنوعة الاخرى.
تعالوا نقرأ بعض النماذج:
سيمفونية حيفا ميزانيتها من الوزارة 3 مليون شيكل تشكل 43% من ميزانية الفرقة. تحصل على 3.5 مليون شيكل من البلدية اي 49% من ميزانيتها والباقي تبرعات.
فرقة مشابهه بحجمها ونشاطها لفرقة الموسيقى العربية وتعمل بمجال الموسيقى الشرقية هي "الفرقة الأندلسية" ميزانيتها تقارب 3 مليون شيكل وتحصل على دعم من البلدية يقدر ب- 1.3 مليون شيكل.
فرقة الموسيقى العربية (الفرقة الوحيدة الرسمية في إسرائيل) ميزانيتها 341 الف شيكل وتحصل من بلديتها على صفر. فعدا التمييز الفاضح من الوزارة، هناك غياب مقلق، من السلطة المحلية.
لا يمكن تبرير غياب مؤسسة هامة مثل بلدية الناصرة وسائر السلطات المحلية عن دعم النشاط الموسيقي الثقافي الفني بشكل فعال ومباشر. رؤيتي ان هذه قضية وطنية مصيرية ستقرر كيف سيكون مبنى مجتمعنا وانساننا في السنوات القادمة. ولا أنسى ان الشعار الانتخابي الذي أوصل الإدارة الحالية لبلدية الناصرة كان من أجل مجتمع مدني حضاري.
آمل ان تصل الرسالة اولا لرئيس البلدية المهندس رامز جرايسي، وعبره، بصفته رئيس هيئة رؤساء السلطات المحلية العربية الى سائر الرؤساء.
حان الوقت لبحث جاد في دعم النهضة الموسيقية والثقافية في مجتمعنا لإحداث نقلة نوعية تعود بالخير على شبابنا وعلى مجتمعنا وعلى تقدمنا.
لا يمكن استمرار تجاهل الفرق الجادة، وعلى رأسها فرقة الموسيقى العربية التي تعتبر مدرسة موسيقية متنورة، بسجلها التاريخي الفني الباهر منذ تأسست قبل عقدين من الزمان.
نبيل عودة – كاتب ناقد واعلامي – الناصرة
nabiloudeh@gmail.com