من حكايا هذا الزمان: خطبة من زمن العولمة

ياسين الوسلاتي قرأها 987
 

من حكايا هذا الزمان:

خطبة من زمن العولمة !!! *

ياسين الوسلاتي

هي فتاة لم تبلغ العشرين من عمرها بعد، شقراء، ممشوقة القوام، رائعة الجمال، تمنّاها زوجة كلّ من رآها من الشبّان الذين يفكّرون في الزواج... تقدّم إلى خطبتها العشرات ولكن لم يستقرّ رأيها على واحد منهم يخفق له قلبها وتتوفّر فيه المواصفات المطلوبة وترى فيه فتى أحلامها... لا تريد أن تتسرّع في قرارها لأنّ من ستوافق عليه خطيباً لها سيكون زوج المستقبل وشريكاً لها في حياتها المقبلة وهي لا تريد أن تندم على ما ستخطوه من خطوات ولذا لم تشأ أن تنفرد بأخذ القرار المناسب ورأت أن تشرك في ذلك أفراد العائلة.

أمّا هو فشاب لم يتجاوز بعد الثلاثين من عمره.. كان مهندساً في الإعلامية يعمل في إحدى الشركات المختصّة في ترويج أجهزة الحاسوب وإصلاحها... يبدو وسيماً طويل القامة تميل بشرته إلى السمرة قليلاً... ينتمي إلى عائلة عريقة ومحافظة وميسورة ومعروفة... اقتنى شقّة بإحدى العمارات ويمتلك سيّارة فاخرة... قرّ عزمه على الزواج وأخذ يبحث عمّن تسعده في حياته... رآها ذات مرّة في إحدى الحفلات العائلية فأعجب بها أيّما إعجاب لما تتّسم به من جمال فتّان يسحر الألباب ويُذهب العقول، وأخبر والدته بالأمر فوافقت على زيارة عائلة الفتاة قصد خطبتها...

كان معزّ جالساً على أريكة فاخرة في قاعة الجلوس وعلى يمينه تجلس والدته وعلى شماله أبوه وأمامهم يجلس أبو رانية وأمّها وبينهم وضعت طاولة امتلأت بما لذّ وطاب من المأكولات والمشروبات. أمّا رانية فكانت في غرفتها تتجمّل ـ على ما هي عليه من جمال ـ بارتداء أفضل ما لديها من ثياب. و كانت هذه عادتها كلّما تقدّم إليها أحد لخطبتها: تتريّث قليلاً في غرفتها وتلبس أجمل ما تملك من ثياب وتكون آخر من يلتحق بالحاضرين حتّى تضمن لنفسها صفة النجمة التي يهتمّ بها كلّ الحاضرين... خرجت رانية من غرفتها رشيقة أنيقة ترفل في حلل من الثياب يزيدها جمالاً على جمال وألقت التحية على الحاضرين بكلّ ثقة في نفسها وجلست على أريكة خاصة بها وُضعت في مكان بحيث يراها كلّ من في القاعة...

ابتدأ أبو رانية الكلام متوجّها إلى الضيوف قائلا لهم: "طبعاً جئتم ـ و أهلا بكم ـ لخطبة ابنتنا العزيزة رانية. وهذا شرف عظيم لنا. ومعزّ شاب لطيف ومؤدّب".

فتكلّم أبو معزّ وقال: "إنّ ابننا قد قرّر الزواج ولم يجد أفضل من رانية ـ التي هي تبارك الله كاملة الأوصاف ـ حتّى تكون له زوجة وأمّا لأبنائه.

كان السيّد عبد الواحد (أبو رانية) يمسك ورقة بيده وحينما أتمّ السيّد إبراهيم (أبو معزّ) كلامه قال له:

ـ سيّد إبراهيم، ينبغي أن تعلموا شيئاً هاماً وهو أنّ ابنتنا الغالية تقدّم إلى خطبتها العشرات ولكنّها مازالت لم تحسم أمرها بعد وقد طلبت منّا أن نساعدها على الاختيار المناسب. ولذا تكوّنت لجنة عائلية تتركّب منّي شخصياً ـ وأنا رئيسها ـ إضافة إلى زوجتي المصون وابني وابنتي الكبرى. ومن مهام هذه اللجنة دراسة ملفّات المتقدّمين للخطبة وإنجاز تقارير حولها تتضمّن أهمّ المعلومات حول كلّ مترشّح ورأي كلّ عضو من اللجنة فيه...

بينما كان معزّ وأبواه يستمعون إلى السيّد عبد الواحد وقد أصابتهم الدهشة ولم يصدّقوا أنّهم جاؤوا لخطبة فتاة وإنما كأنهم بصدد المشاركة في بتة عمومية أو مناقصة حامية الوطيس يريد كل طرف مشارك فيه أن يفوز بالصفقة..

وواصل السيّد عبد الواحد كلامه: "وإثر ذلك ترفع تلك التقارير إلى الغالية رانية لتدرسها بتأنّ ثمّ تدوّن ملاحظاتها بشأن كل متقدم لها وبعدها تنضمّ العزيزة رانية إلى اللجنة وتطلع أعضاءها على ملاحظاتها ويجري نقاش مستفيض ينتهي باختيار متقدّمين اثنين تجري بشأنهما عملية تصويت بين أعضاء اللجنة ليقع اختيار واحد منهما خطيباً لابنتنا الغالية ويكون صوت رانية الأخير بحيث إذا تعادلت الأصوات (اثنان لكلّ متقدّم) تعطي صوتها لمن تراه الأفضل. أمّا إذا كانت النتيجة ثلاثة أصوات لواحد أو أنّ كلّ الأعضاء اتّفقوا على مترشّح واحد فإنّها تضمّ صوتها للأغلبية."

صمت السيّد عبد الواحد قليلاً ثمّ أنشأ يقول: "هذه إجراءات الخطبة والمراحل التي تمرّ بها أمّا الوثائق المطلوبة لتكوين ملفّ الترشّح فأترك زوجتي العزيزة تبلغكم بها."

تكلّمت السيّدة زبيدة (أمّ رانية) قائلة: "بإيجاز شديد وببساطة بالغة نطلب من كلّ مترشّح لخطبة ابنتنا الغالية ما يلي: بطاقة عدد 3 (بطاقة حسن سيرة وسلوك) لم يمض على استخراجها حين تقديم مطلب الترشّح أسبوع واحد ونسخة من بطاقة التعريف الوطنية وآخر أربع بطاقات راتب تتضمّن كلّ البيانات الضرورية وشهادة في الدخل السنوي فيها بيان للوضعية الجبائية ومضمون ولادة أصلي لم يمض على استخراجه من دفاتر الحالة المدنية شهر واحد وشهادة من مشغّل معزّ تبيّن أنّه ليس مطالباً بسداد قرض بنكي أو أي نوع من القروض وشهادة ملكية في الشقة التي يقطنها والسيّارة التي يقودها وشهادة تثبت تسوية وضعيته لدى الخدمة العسكرية ونسخة من قرار ترسيمه في خطّته الحالية وثلاث صور شمسية حديثة واستمارة بأربع صفحات يتسلّمها من رئيس اللجنة وعليه أن يملأها بكلّ دقّة ويجيب عن أسئلة الاختبارت النفسية التي يتضمّنها بكلّ جديّة وشهادة طبيّة حديثة تبيّن عدم إصابته بأيّ مرض خطير أو معد أو مزمن أو وراثيّ وأنّه في كامل قدراته الذهنية والعقلية والجسمية والـ... وقرص ليزري لا تقلّ مدّته الزمنية عن ساعة فيه نبذة عن حياة معزّ اليومية وعلاقاته في البيت والشارع والعمل صورة وصوتاً. هذا فقط ما نطلبه. وتوضع كلّ تلك الوثائق وشريط الفيديو في ظرف يغلق بإحكام وتكتب عليه من الخارج عبارة: "لا يفتح/ خاص بلجنة خطبة الغالية." ويقدّم إلينا في أجل أقصاه شهران علما وأنّ اللجنة لا تنظر في أيّ ملفّ تنقصه وثيقة أو أكثر من الوثائق المطلوبة.

توقّفت السيّدة زبيدة عن الكلام وفسحت المجال لابنتها رانية التي قالت بكلّ رقّة ودلال:

ـ آما ألا نكزن قد أثقلنا عليكم بكثرة الطلبات. ولمعرفة ردّنا على الملفّ الذي ستقدّمونه بإمكانكم زيارة موقعنا على الانترنيت (www.raniaelghalia.com) بعد شهرين ونصف من الآن أي يوم أبلغ سن العشرين وأحتفل بعيدي ميلادي وآمل أن يقع الاختيار على ملفّكم (كانت رانية تقول هذه العبارة الأخيرة مجاملة لكلّ مترشّح للخطبة).

نهض الجماعة متثاقلين محملقين في بعضهم البعض وقال أبو معزّ: "يبدو أنّهم نسوا أن يطلبوا صكّ ضمان من البنك مؤشّراً عليه بقيمة ألف دينار لا يسترجع حتّى إذا لم يــرسُ العرض على صاحب الصكّ".

بعد شهر ونصف تقريباً وصل ظرف معزّ إلى لجنة خطبة الغالية وبحضور كلّ أعضائها فُتح الظرف فوجدوا فيه ورقة مكتوبٌ عليها العبارة: "عشنا وشفنا ياغالية والديك..." وقرصاً ليزريّاً سُجّلت فيه وقائع حفل زفاف معزّ وبعض المشاهد واللقطات التي أخذت لمعزّ وزوجته إيمان وهما يمضيان أسبوع عسل في سعادة بالغة بإحدى المناطق السياحية الرائعة....

* هذه القصة القصيرة كنت قد كتبتها منذ ست سنوات تقريباً، ونشرت لي منذ حوالي ثلاث سنوات بجريدة الصريح التونسية.