عبر الزمان والمكان.. وعبر الجدران
عبر الزمان والمكان.. وعبر الجدران
بقلم: عطية مسُّوح
مساء الأحد الفائت، وفي حديث قصير مع الصديق الدكتور ماهر الشريف، سألته عما يقرأ هذه الأيام، فقال: اقرأ روايات. وأضاف: إنها وسيلة عظيمة لاكتشاف عوالم جديدة لا يتيسّر لنا اكتشافها ومعرفتها.
وماهر الشريف، المفكر والباحث يقرأ الأدب بشغف، وأظن أنه يعرف كيف يستمتع به ويفيد منه.
وإذا كان الباحث الجاد، وهو يتهيأ لكتابة بحث ما، يتجه بقراءاته إلى ما يخدم بحثه من كتب أو دوريات، فإن بحثه يرتكز إلى مخزونه الثقافي العام، ومنه ما اكتسبه من خلال قراءاته الأدبية المتراكمة، ويعبر عن درجة تماسكه الفكري والمنهجي ومستواه اللغوي.
والباحث الجاد هو من يتابع تقوية قاعدته الفكرية وزيادة مخزونه الثقافي كل يوم، ويحرص على تحقيق التنوع في قراءاته قدر ما يستطيع. ولا أعتقد أن أحداً يستطيع أن يحقق التنوع كما يرغب، كأن يقول سأخصّص ساعة لقراءة الرواية وأخرى للدراسات الأدبية وللفلسفة، وللفكر السياسي. فمثل هذا التنظيم قد تخترقه الضرورة، وقد يطغى جانب على آخر فيبعده أسابيع أو شهوراً. وقد يكون هذا الخلل في تنظيم القراءة مفيداً، إذ يؤدي تراكمه إلى تمكن المثقف من فرع أو مجال يغدو فيه متخصصاً أو كالمتخصص، لكن الإمعان فيه يوصل إلى إضعاف القاعدة الثقافية العامة للباحث، ويظهر أثره في أبحاثه.
وقراءة الرواية وسيلة هامة من وسائل الثقافة العامة، بوصفها طريقاً للاطلاع على عادات الشعوب وثقافاتها وتواريخها.
عمر الإنسان الفرد محدود، ومهما يكن نشيطاً فإن ما يُحصِّل من معارف يظل محدوداً أيضاً، وهو يسعى على المستوى الفردي والجماعي إلى زيادة المعرفة واكتشاف العالم.
والثقافة ومنها الرواية تختصر له الطريق، وهي بهذا المعنى، تطيل عمر الفرد إطالة هائلة، فهو، من خلالها، يتجول في أرجاء الماضي، فيعرف ما كان منذ آلاف السنين، فيعبر الزمن وهو في عصره، ويتجول في أرجاء الدنيا، فيعرف ما يجري هنا وهناك، فيعبر المكان، وهو جالس خلف طاولة القراءة أو مستلق على أريكته، ويخترق حواجز النفس البشرية، فيعرف كيف يفكر ويشعر ويتصرف هذا الشخص وذاك إزاء ما يواجهه، وتضاء له جوانب مظلمة في سلوك الإنسان، وتزال كثير من الحجب التي يخفي بها المرء حقيقته.
وحين يتيسر للإنسان مثل هذه المعرفة، لا تقاس حياته بعشرات السنين التي يعيشها، فحياته الحقيقية تزداد طولاً وغنىً وتنوعاً عما هو ظاهر ومدوّن في سجل الولادة والوفاة.
وكما توفر الرواية للإنسان طول العمر هذا، فهي توفر له القدرة على تجاوز الشروط الاقتصادية الضرورية للكشف والمعرفة. فلا يستطيع الناس ـ إلا قلة منهم ـ تأمين ما يلزم من المال لزيارة كل البلدان والتعرف إلى كل البيئات، ولا يعوّض ذلك ـ ولو جزئياً ـ إلا وسائل الثقافة وعلى رأسها الرواية والبرامج التلفزيونية. فيختصر الإنسان الزمن ويتجاوز الوضع المالي، وهذا ما يرفد إطالة العمر التي تحدثنا عنها.
أما الفن الروائي ذاته، فقد أثبت قدرة هائلة على نقل التجارب من شعب إلى آخر، وتوسيع معارف الإنسان في مختلف حقول العلوم الإنسانية. ولأنه كذلك، فقد تفرّع وتنوع، وامتد إلى حقول التاريخ والبيئة الاجتماعية والطبيعة والنفس البشرية والحياة الفكرية والعقلية، والحياة اليومية بكل جوانبها، فتعززت مكانته بين وسائل المعرفة والثقافة، وعدّه الكثيرون الفن الأكثر قدرة على تصوير الحياة.
وكلما أقبل القارئ على الفن الروائي، ازدادت معرفته، وازدادت قدرته على التمييز بين الصواب والخطأ والموضوعية والانحياز أو المبالغة. وشيئاً فشيئاً يغدو القارئ ناقداً على نحو ما، بل لعله يغدو الناقد الأكثر صدقاً، لأن نقده يقوم على الإحساس والانطباع والتفاعل، فيميل إلى هذا العمل ويحبه وينفر من ذاك، ويميز صدق الكاتب من كذبه. وفي الرواية مجال كبير للصدق والكذب، وفي التجارب الروائية ما يدعو القارئ إلى الحذر، وأهمه طغيان الاتجاه الأيديولوجي على المعالجة الموضوعية، وطغيان المحتوى الفكري على صدق التصوير، وطغيان الهدف السياسي على مقتضيات البنية الفنية.
في مرحلة من المراحل اندفعنا ـ نحن اليساريين ـ إلى قراءة ما عرف برواية الحرب السوفييتية، وأدهشتنا صور البطولة والتضحية والفداء، وقرأنا روايات سوفييتية أخرى عن مرحلة البناء بعد الحرب، وأُخذنا بتلك الروح المبدعة الفعالة التي صوّرها الروائيون، غير أن العودة إلى كثير من تلك الروايات، تُظهر ما ذكرناه من تغليب جانب أو إغفال جانب، لا انطلاقاً من رؤية فنية بل انطلاقاً من سيادة نزعة تسييس الأدب وطغيان الأيديولوجيا.
وقد يجد القارئ ـ مقابل ذلك ـ أعمالاً روائية أخرى، تسفّه نضال الإنسان من أجل التحرر والتقدم والعدالة، وتظهره وحشاً بلا قيم، وتدعوه إلى الفردية المطلقة، وتعزّز فيه نوازع الشر.
لا يظهر ذلك في الرواية فقط، بل هو موجود في كل الفنون، وخاصة في بعض البرامج والمسلسلات التلفزيونية. لكن الثقافة احتوت دائماً على الغث والثمين، وعلى المنوِّر والمضلِّل، وظلت ومع ذلك، الوسيلة التي تساعد الإنسان على أن يُجمِّل حياته ويطيل عمره ويعزز حضوره في هذا الكون، وهي التي تعبر به حواجز الزمان والمكان، بل كل الحواجز.