يا لها من حياة لا توصف...؟ أيكون نص غابريا غارسيا ماركيز عبارة عن وصايا...؟
يا لها من حياة لا توصف...؟ أيكون نص غابريا غارسيا ماركيز عبارة عن وصايا...؟
عبد السلام فزازي
أجل غارسيا ماركيز، يشهد الله أنك كنت دائماً حالة استثنائية.. عنعنة لا تشبه باقي العنعنات.. صرخة لا تأبه أبدا بالذي كان، ولكنها كانت تغوص عميقاً في الذي يجب أن يكون.. كنت بمثابة طائر الحرمل يرحل بعيداً عن الأنام كي يمارس التفكير في ملكوت الله عبر مثالة الاستعارة.. لم تكن تستهويك أنانية الكائن السبئي كما يقول الشاعر المغربي الدكتور محمد السرغيني.. ولم تكن تحركك غير الكتابة الواعية، الناطقة/ الصامتة..
غارسيا ماركيز اخترقت ذاكرته الذاكرة الجمعية.. ذاكرة الحكام.. ذاكرة السياسة والسياسيين.. ذاكرة من لا ذاكرة له، ورسم عالمه في بحبوحة: مائة سنة من العزلة/ cin anos de solidad، عزلة من رأى ما رأى، وسمع ما سمع خارج سياسة الاحتمالات.. كانت كتابته غالبا ما تورط المتلقي في معانقة الحاسة السادسة حيث تحتم عليك الاعتمار في جوانيتها كي تدوزن إيقاعات الرجل التي لا تأتي طواعية.. لأنها كانت تتطلب قارئا ناقدا قبل أن يكون مبدعا..قارئا يقرأ بروحه قبل الاستسلام لجوارحه المشتركة بين الأنام.. لم يكن غارسيا ماركيز مبدعاً مفهومه العادي والحال أنه كان يقرأ المستقبل في عيون متلقيه، خارج منطق اللغة طبعا، لأن اللغة كانت تنطلق من تضاريس وجهه وشاربه، وعيونه، وأنامله... ولأجل كل هذا أقول إن:
الإبداع الذي لا يهزك هزاً ليس خليق أن يقال له إبداع.. والنص الذي لا يغوص بك عميقاً في دهاليز مثالة الاستعارة لا يعدو أن يكون لغواً سرعان ما تمحوه الذاكرة.. الذاكرة الواعية طبعاً.. والمواضيع مطروحة في الطريق، أو بالأحرى واحتراماً للجاحظ: المعاني مطروحة في الطريق.. ولكن قولبها، وحبكتها، ومعماريتها، أشياء ليست في متناول الجميع.. رحماك يا متنبي حين صدحت وبدون لف ولا دوران: ليس كل ما ننعته بالشعر هو أصلاً ينتمي لجنس الشعر، وهنا يجب أن نستحضر جوانية هذا الجنس الأدبي العظيم.. أما هذا النص الرائع روعة صاحبه فيدخل في غمار أطروحة المتنبي، لأنه غاص بنا بعيداً وهو يستعرض تفاصيل الكينونة التي أكاد أسميها خرساء، لكنها تحمل أكثر من دلالة.. نص مختصر لا يمكن استيعاب تفاصيله الكونية المتلقي العادي، ذلك أنه استطاع أن يقدم لنا موضوعاً مبنياً على مرجعيات ثقافية لا تعد ولا تحصى، ولعمري مثل هذه النصوص تجعلك أمام خيار صعب كي يمكن لك فك آلياتها النقدية.
وهكذا يحق لنا أن نتكلم عن جمالية النصوص، ودوزنتها عبر إيقاعات متعددة تكون في آخر المطاف عبارة عن سيمفونية تهزك هزاً وترفعك رفعاً وأنت تتملّى بقراءتها المنفتحة على أكثر من مرجعية.. ولعل كلمة الزعيم هنا تفضح كينونتنا الضعيفة سيما أمام قوة لا توصف.. وما هم أن يكون في نظر الناس حالة استثنائية لأنه في آخر المطاف تلخص حياته حين تقام عليه صلاة الجنازة إلى لا شيء.. آه حين يعلن الفقيه: صلاة الجنازة، جنازة رجل، ليخرجه من التعريف إلى النكرة.. وما هم أن تزخرف قبور الناس حين يودع في ثقب الأرض وكأنه لم يكن شيئاً شأنه شأن باقي الكائنات كائناً من كانت.. ما أروع الموقف حين يوارى في التراب بعد أن جف قلمه وطويت صحفه، ويدخل متاهة النسيان، ويخلفه آخر يكون مصيره نفس المصير.. ولعل المتأمل في هذه المشاهد سيعرف لا محالة أننا نشبه تماماً المسافرين، كل واحد سينزل في محطة معينة إلى آخر مسافر، ولعمري الحياة عبارة عن سفر له بداية ونهاية، ومصيرنا النزول مهما كبرت المسافات.. والمبدع أعطانا حقيقة يجب تدبرها بنظرة عميقة، إنها حقيقة حارس المقبرة أو كما يحلو لي أن أسميه بحارس مدينة الأموات، هو الكائن الوحيد الذي يعيش يومياً هذا السيناريو الرباني سيما حين يعاين الحشائش تكبر فوق الرخام، وهنا يجب أن نستدعي علماء النباتات ليكشفوا لنا سماد الأجساد التي تزهر فوق هذه القبور حتى ولو كانت في الفيافي القاحلة.. مرجعية دينية لا يمكن استحضارها بضربة لازب.. أجل إنها قوة الخالق التي سوت الإنسان في أحسن تقويم، وجعلت من ثنائية الروح والجسد عبرة لأولي الألباب، فحين تودع الروح الجسد فإن لهذا الجسد وظيفة طبيعية لا يكنهها إلا القليل.. وفي آخر المطاف يستحضر المبدع حضور مرجعية حنكتها التجارب/ الشيخ/ ليوقظ فينا حقيقة مثلى تتجلى في أن أصل الإنسان نطفة ويتحول في آخر المطاف إلى ما كتبته منذ 2006 في روايتي: صهيل الذاكرة قائلاً:
«الصلصال هو الصلصال يا أبنائي المتعبين والرائحة تختلف، لعلكم نسيتم أن نهاية الإنسان هي التحول إلى جثة مرمية في أي مكان..! فما سر الاختلاف إذن حول سبب النهاية وأنتم تعلمون أكثر من غيركم أن مصيركم يختزل إلى جثة فوقها ذباب..؟».
Gabriel Garcia Marquez
اعتزل الروائي الشهير غابرييل غارسيا ماركيز الحياة العامة لأسباب صحية بسبب معاناته من مرض خبيث. ويبدو أن صحته تتدهور حالياً.
ومن على فراش المرض أرسل رسالة وداع إلى أصدقائه، ولقد انتشرت تلك الرسالة بسرعة، كالنار في الهشيم، وذلك بفضل الأنترنت، فوصلت إلى ملايين الأصدقاء والمحبين عبر العالم.
أنصحكم بقراءتها لأن هذا النص القصير الذي كتبه ألمع كتاب أمريكا اللاتينية، مؤثر جداً وغني بالعبر .
نص الرسالة :
"لو شاء الله أن ينسى إنني دمية وأن يهبني شيئاً من حياة أخرى، فإنني سوف أستثمرها بكل قواي. ربما لن أقول كل ما أفكر به لكنني حتماً سأفكر في كل ما سأقوله.
سأمنح الأشياء قيمتها، لا لما تمثله، بل لما تعنيه.
سأنام قليلاً، وأحلم كثيراً، مدركاً أن كل لحظة نغلق فيها أعيننا تعني خسارة ستين ثانية من النور.
سوف أسير فيما يتوقف الآخرون، وسأصحو فيما الكلّ نيام.
لو شاء ربي أن يهبني حياة أخرى، فسأرتدي ملابس بسيطة واستلقي على الأرض ليس فقط عاري الجسد وإنما عاري الروح أيضاً.
سأبرهن للناس كم يخطئون عندما يعتقدون أنهم لن يكونوا عشاقاً متى شاخوا، دون أن يدروا أنهم يشيخون إذا توقفوا عن العشق.
للطفـل سـوف أعطي الأجنحة، لكنني سأدعه يتعلّم التحليق وحده.
وللكهول سأعلّمهم أن الموت لا يأتي مع الشيخوخة بل بفعل النسيان.
لقد تعلمت منكم الكثير أيها البشر... تعلمت أن الجميع يريد العيش في قمة الجبل غير مدركين أن سرّ السعادة تكمن تسلقه.
تعلّمت أن المولود الجديد حين يشد على أصبع أبيه للمرّة الأولى فذلك يعني انه أمسك بها إلى الأبد.
تعلّمت أن الإنسان يحق له أن ينظر من فوق إلى الآخر فقط حين يجب أن يساعده على الوقوف.
تعلمت منكم أشياء كثيرة! لكن، قلة منها ستفيدني، لأنها عندما ستوضب في حقيبتي أكون أودع الحياة.
قل دائماً ما تشعر به وافعل ما تفكّر فيه.
لو كنت أعرف أنها المرة الأخيرة التي أراكِ فيها نائمة لكنت ضممتك بشدة بين ذراعيّ ولتضرعت إلى الله أن يجعلني حارساً لروحك.
لو كنت أعرف أنها الدقائق الأخيرة التي أراك فيها ، لقلت " أحبك" ولتجاهلت، بخجل، انك تعرفين ذلك.
هناك دوماً يوم الغد، والحياة تمنحنا الفرصة لنفعل الأفضل، لكن لو أنني مخطئ وهذا هو يومي الأخير، أحب أن أقول كم أحبك، وأنني لن أنساك أبداً.
لأن الغد ليس مضموناً لا للشاب ولا للمسن. ربما تكون في هذا اليوم المرة الأخيرة التي ترى فيها أولئك الذين تحبهم . فلا تنتظر أكثر، تصرف اليوم لأن الغد قد لا يأتي ولا بد أن تندم على اليوم الذي لم تجد فيه الوقت من أجل ابتسامة، أو عناق، أو قبلة، أو أنك كنت مشغولاً كي ترسل لهم أمنية أخيرة.
حافظ بقربك على من تحب، أهمس في أذنهم أنك بحاجة إليهم، أحببهم واعتني بهم، وخذ ما يكفي من الوقت لتقول لهم عبارات مثل: أفهمك، سامحني، من فضلك، شكراً، وكل كلمات الحب التي تعرفها.
لن يتذكرك أحد من أجل ما تضمر من أفكار، فاطلب من الربّ القوة والحكمة للتعبير عنها. وبرهن لأصدقائك ولأحبائك كم هم مهمون لديك.