التـّـجـاوز
التـّـجـاوز
عطية مسّوح
يحدث التقدم ـ على أيّ صعيد كان ـ إلا بالتجاوز. فالتجاوز هو مبدأ التقدم وطريقه، وهو بالتالي سمة المبدعين وجوهر الإبداع.
من هنا نقول إن المتحلّين بنزعة التجاوز هم القادة الحقيقيون في مجتمعاتهم، في ميادين الثقافة والعلم والفكر والسياسة والاقتصاد والإدارة، سواء أكانوا في الصفوف الأولى أم في صفوف تالية لا يوحي الوجود فيها بأي دور قيادي.
ونقيض نزعة التجاوز هو القبول بالمألوف السائد، والتقيد به والاعتياد عليه، أكان عرفاً أم قانوناً، أم فكرة سائدة أم منظومة أيديولوجية.
وبقدر ما نجد المألوف مريحاً والتقيد به سهلاً، لا يجلب المتاعب، ولا يعكّر الحياة، نجد تجاوزه صعباً ومتعباً، ومقترناً بالقلق والأرق والصعوبات الحياتية، بل نجد أن النزعة التجاوزية تقتضي أن يتحمل صاحبها من الأذى ما لا يطيقه إنسان عادي، ولا عزاء له سوى راحة ضميره وتفاؤله.
وأصحاب النزعة التجاوزية، أي روّاد التغيير والتجديد، يتمتعون بحساسية بالغة، لا نجدها عند غيرهم. وهذه الميزة هي التي تمكنهم من الإحساس بأن ثمة ما أصبح قديماً، ومعوقاً للتقدم، وينبغي تجاوزه. وهو إحساس يكون على مرحلتين، قد يقصر الزمن بينهما وقد يطول نسبياً.
المرحلة الأولى: هي الإحساس بالقديم. أي تلمس نقاط ضعفه، والبدء بإدراك تحوله إلى معوق لمسيرة التطور الإيجابي. وهو إحساس قد يتأخر كثيراً عند الآخرين، فيعانون ويتأذون ولكنهم لا يعرفون مصدر المعاناة والأذى، ويدفعهم ميلهم السكوني إلى الظن بأن الخطأ موجود في الناس الذين لا يحسنون التعامل مع المألوف الذي قد يكون نظاماً أو قانوناً أو غير ذلك. ويقولون إن الأمور كانت بخير في ظل هذا المألوف، لكن الناس تبدلوا، فالعيب في الناس إذاً، وهم الذين يجب أن يغيّروا أنفسهم، وليس العيب في النظم أو القوانين أو غيرها.
هذا أمر على درجة كبيرة من الأهمية في مسألة الريادة وفي الدور الذي يقوم به الرائد، أي المتمتع بالنزعة التجاوزية. فالإحساس بالقديم، وتحديد نقاط ضعفه، ومعرفة ما يجب تجاوزه، في وقت مبكر، وتبصير الناس به كي يتكون تيار تغيير واسع، هذا الإحساس والمعرفة هما نقطة الانطلاق، أي المرحلة الأولى التي لا بد منها في النشاط التجاوزي.
أما المرحلة الثانية: فهي الإحساس بالجديد. والبدء بتحديد ملامحه، وهذا هو الأصعب. إذ إنه يقوم على التصوّر بالدرجة الأولى، ويلعب فيه الخيال التجاوزي، أو الخيال الثوري إن صحت التسمية، دوراً كبيراً.
فإذا كانت عيوب الواقع واضحة، ومشكلاته القائمة مادة للدرس بعد أن يحسّ بها الرواد، فإن معرفة ما يجب أن يكون هي الأصعب، لأن لكل مشكلة أكثر من حل ممكن، بل لأن الحلول قد تتعدد بتعدد الباحثين، ولأنها ـ كلها ـ غير مجربة وفيها احتمالات للخطأ والصواب.
والإحساس بالجديد يحتاج إلى شجاعة عالية، وهذا ما يميز أصحاب النزعة التجاوزية، فهم يدخلون في تناقض مع عامة الناس أولاً، لأنهم يقترحون حلولاً غير مجدية، تناقض المألوف، وتتعارض مع التكوين النفسي والعقلي للناس، ولكن عليهم أن يبحثوا ويطرحوا حلولاً، هذا واجبهم الريادي، وهذه مهمتهم التاريخية، سواء أكان الأمر متعلقاً بقضية عامة كبيرة، أم بقضية جزئية صغيرة.
الشجاعة مطلوبة لأن في طرح الجديد مخالفة للمألوف لدى الناس من جهة، ومطلوبة لأن في الحلول المقترحة نوعاً من المغامرة، فهي قابلة للخطأ والصواب كما ذكرنا، وسيتحمل مقترحها مسؤولية النتائج المترتبة عليها. وقد يمر زمن حتى تستوي هذه الحلول وتتجه في الاتجاه الصحيح. فالإحساس التجاوزي والشجاعة صنوان، ولا يتحقق الأول إلا باقترانه بالثاني.
ومقابل الإحساس التجاوزي هذا، نجد إحساس أصحاب القديم ودعاته. إنه الإحساس بالخطر على (قديمهم) أي على الواقع الذي ألفوه وحققوا فيه منافعهم. وحاملو هذا الإحساس نوعان:
نوعٌ ألِفَ القديم واعتاده، واطمأن إلى قيمه، بل ارتبط عنده الواقع بهذه القيم التي صارت جزءاً من وجدانه. وهو يخاف من أي مساس بالواقع لأنه قد يمس هذه القيم.
ونوع آخر له مصلحة ببقاء القديم وعلاقاته، جزئياً أو كلياً. ومصالحه هي مقياس الخطأ والصواب في نظره. هذا النوع يحس بالخوف من أي وعي تجاوزي يظهر عند مفكر أو سياسي وينتشر في أوساط الناس، وهو في سعيه إلى تثبيت القديم، يحارب أية بادرة تجديدية، وقد يفرض عليها معركة مبكرة كي يقتلها قبل نضوجها واتساعها.
مشكلة النزعات التجاوزية إذاً أنها تصطدم بحاجزين، حاجز القوى ذات المصلحة بالقديم، وهي تعرف مصلحتها وتتمسك بها، وحاجز أوساط واسعة من الناس ذات المصلحة بالجديد، لكنها لا تعي مصلحتها، فتتحول إلى رصيد لتلك القوى.
وأؤكد مرة أخرى، أن الأمر لا يتعلق بالنزوع إلى التجاوز الشامل فقط، أي إلى تغيير نظام سياسي أو اقتصادي معين، بل يتعلق أيضاً بالتجاوز الجزئي، في مسألة فكرية أو سياسية أو تنظيمية أو إدارية أو قانونية محددة.
وأخطر حجة يرفعها المحافظون دعاة تثبيت القديم في وجه النزوع التجاوزي، هي أن الحلول التي يقترحها التجاوزيون ـ أو المجددون ـ ليست ناضجة أو مكتملة. وقد تنطلي هذه الحجة على الكثيرين، ويقتنع بها سواد واسع من الناس، لكنها حجة زائفة. فالتجاوز لا يمكن أن يكون مرسوماً بدقة كما يُرسم خط على ورقة، والحلول المقترحة لا يمكن أن تكون مكتملة الجوانب ومضمونة النتائج، لأنها غير مختبرة، ولا اختبار لها إلا في التطبيق العملي، وهي تنضج وتكتمل من خلال التطبيق. بل أقول أكثر من ذلك، أقول إنها حين تنضج وتكتمل تصبح قديماً، وتبرز فيها نقاط ضعف من نوع آخر، لأن التطور تجاوزها، ومصالح استمرار التقدم تقتضي تبديلها. إنها عملية مستمرة، واستمرارها هو الحداثة والتقدم.
هذا هو الدور العظيم لأصحاب النزوع التجاوزي، الذين يتمتعون بحساسية كبيرة، وشجاعة ونكران ذات، فيستحقون التقدير والتمجيد.