د. مفيد مسُّوح وجماليات الإبداع الرحباني

د. جميل راجي قرأها 328
 

د. مفيد مسُّوح وجماليات الإبداع الرحباني

د. جميل راجي

كم من السنين احتاج هذا الباحث ليجمع لآلىء الإبداع وكم من الجهد بذل لجمع (الفكر الرحباني الإنساني الذي أراد أن يثبت منذ أكثر من أربعين سنة أن الطبيعة تقف مع العدل وان انتفاء العدل يعادي الطبيعة ويقاوم قوانينها...) وكم من قرية وحاكورة مغمورة بالورد البري والعليق جرحت أنامل ذلك العاشق لالتقاط (أدب الضيعة، ليس حصراً مكانياً بقدر ماهو اقتراب من الإنسان صانع الحكاية ومستهلكها جيلاً بعد جيل...) ومعزوفات الطرب الأصيل وحكايا التاريخ التي بها من العالمية ما يفوق محليتها ومن المحلية ما يوافق عالميتها، بعرض إنساني شاعري مرهف...

جمع رائد موقع "جماليا" شذرات (التطوع الرحباني النبيل لإحياء التراث المتناثر والمهدد بالضياع...) في سبع عشرة مسرحية منذ عام 1960 الى عام 1977 في جزءين بعنوان "جماليات الإبداع الرحباني"، كباقة من الرحلات ننعم فيها بالبحر وتسلق قمم الجبال ونشمّ نسيم الوديان ونتمتع بعطف الصحراء، فيها المتناقضات الفوق والتحت والجميل والقبيح والمضحك والمبكي، في حوارات تجعلنا، نسخر من شياطين الأرض ومخاتير الظلام وخفافيش الكراهية وقسوة المستبدين، ففي جبال الصوان وعلى لسان فاتك المستعمر: (جبال الصوان مْلِكناها... دفعنا حقّ ترابا رجال... أنا الشتي... أنا البرق... بأمري بِزَهِّر اللوز...)، ونعيش لحظات النصر الجميل للحب والشجاعة والاعتزاز ببطولات التاريخ (جبال الصوان، أيام فخر الدين، بترا...) ونتذكر الماضي بكل ما فيه من إضاءات وعادات وطرق تفكير ووعي (للوعي ونشره مكانة كبيرة في الأدب الرحباني... في التحرر والتطور الاجتماعي... وأكثر ما سلّط الأخوان رحباني الضوء عليه هو العلاقة بين الوعي وحرية الوطن والناس...) ونعشق الطبيعة بكل ما فيها (... من جبال لبنان وقراه وبلداته الى قرى ومدن افتراضية وحارات وساحات عرضت مختلف جوانب وألوان حياة الناس وعلاقاتهم ببعضهم البعض... في أطر العلاقات الجدلية... بأسلوب فني قوي وبسيط سلس محبب تقبلته عقولنا واستساغت لغته وحفظت نصوصه النثرية والغنائية...) ونحلم بالحرية المحمولة على تموجات صوت فيروز وعلى أجنحة الألحان التي تتحاور فيها الآلات الموسيقية المختلفة الدافئة كخمر العيد (الخمر إبداع ولدته المخيلة وثبتته الضرورة... أحاطه أجدادنا بهالة من القدسية لآلهة تتمتع بالظرافة والشاعرية وبالقدرات التي يعجز عنها العاديون...).

وقدم لنا صائد الدرر كل مسرحية على انها قصة مجتمع متكامل فيها السيد والمسود والقوي والضعيف والذكي والساذج، وتتدرج الأصوات والمقامات والحوارات مواكبة الحدث لتوصله بصدق الى أقاصي الروح... بأغان منها الثورية ومنها الفولوكلورية ومنها الابتهالية (... وهي إشارة بليغة من الأخوين رحباني الى أهمية اللجوء الى القدير في أعاليه عند البسطاء الصادقين الطيبين الذين يرون فيه (نبع الينابيع) و (سيد العطايا) و (حامي السلام) والملجأ عند النائبات والرجاء الوحيد حين تضيق فسحة الأمل...).

jamaliyat%20-%20MM.JPG

وأشار الناقد المتميز الى تفاعلات المدرسة الرحبانية بالأخذ والعطاء مع غيرها من المدارس الراقية... فأغنية (حبيتك بالصيف) انتشرت انتشاراً عالمياً وقد نسجت على لحنها أغنية باللغة الفرنسية أداها المغني الفرنسي الشهير Jean Francious Michael في عام 1971 تحمل عنوان Coupable  ونالت من الإعجاب قسطاً وافراً، ومن أغاني الموسيقار العظيم سيد درويش (1892-1923) غنت فيروز (طلعت يا ما اْحلى نورها، زوروني، الحلوة دي، يا شادي الألحان)، وكانت أغنية (سألوني الناس) هي الأغنية الأولى التي لحّنها كاملة زياد الرحباني في السابعة عشرة من عمره، و(نطّرونا كتير كتير) في التاسعة عشرة من عمره، واقتبس الأخوان رحباني من الموسيقا الغريغورية والتي اعتدنا التعايش معها في القداس الكنسي تقديراً لمكانتها، وفي مسرحية ناطورة المفاتيح تقدم زاد الخير أغنية جميلة تعرج بلحنها الطربي الى جملة موسيقية مستقاة من أغنية (أنت عمري) للسيدة أم كلثوم ومن تلحين الموسيقار محمد عبد الوهاب، هذا وقد غنت صاحبة الصوت الملائكي من شعر سعيد عقل وجبران وعنترة بن شداد والزمخشري والأخطل الصغير وغيرهم، مما ليس سهلاً الا على من تعمق في النحو والصرف والإعراب والشعر. وانطلاقاً من أن الإنسان هو القيمة العليا في الحياة، وان هذه القيمة تنبع من العمل والاخلاص والصدق، فقد مجّد الرحابنةُ صنّاعَ الحضارة وليس أصحاب المجد الشخصي (لم يكتب الأخوان رحباني لأشخاص بعينهم احتفاءً أو مديحاً وما قدماه بصوت فيروز أو غيرها لم يتعد الأغاني التي تمجد الإنسان وبسالة حماة الأوطان وطليعية بناة الحضارات كشعوب، فكانت أناشيد وطنية نزيهة كما هي الحال في أغاني الشام (عشر أغاني) وبيروت والإمارات والكويت والقاهرة...، وقدّما في أعمالهما هدايا للصيادين والنساجين والبنائين والحذائين وعمال المرافىء ورجال الإطفاء وأفراد الشرطة والخياطين وغيرهم...).

وثَّق جامع الشذى، ليس فقط عبق وأريج وأفكار الرحابنة سفرائنا الى النجوم بل أيضا عوالج نفسه والمدرسة الفكرية الإنسانية التي ينتمي اليها بكل ما فيها من سمو وتفاؤل ولم يقتصر عمله المضني على الجمع والتحليل والمقارنة بل تعداه ليكون واحداً من عائلة الإبداع الرحبانية، فانغمس في كل قصيدة رحبانية حتى كأنه أحد أبياتها أو السواغ الجامع لحلاوتها والشاهد فيها على أحاديث الفقراء وهمسات المستضعفين ومفسر أحلامهم والمحامي المدافع أمام أصنام الظلام، والمضيء على ما فيها من عِبَر وقوانين ومنطق وفلسفة (لقد أراد الأخوان رحباني تأكيد قانون (نفي النفي) في مسرحية صح النوم في نتيجة الصراع الذي حسم في النهاية لصالح الجديد المتمثل بقرنفل حاملة الختم المغسول وأمينته، بعقلية جديدة ودون خوف من الغربة...) وشارك في جمع أزهار الحقول وفي اقتلاع أشواك الحياة وفي إبراز مكنونات الناس البسطاء الظرفاء في قوالب يفوح منها شذى الحب والقيم الكبرى لبناء مجتمع العدالة والإفادة من النقد ومن الوعي لا من الجهل الساذج...

بالفعل لقد أنجز كاتبنا عملاً ضخماً وجباراً جديراً بالقراءة والاستمتاع الهادىء والهادف، يستحقّ عليه الشكر! ومن أنا لأشكر؟! أليس الصمت أبلغ؟! اذا كان العبقري الرحباني الراحل منصور الرحباني قد أقرّ بأن "مفيد مسوح أوصل الرسالة في أمانة".

ملاحظة: الشواهد بين قوسين هي للدكتور مفيد مسوح من الكتاب موضوع المقال.