"سوسيولوجيا الغزل العربي" للطاهر لبيب - الشعر العذري نموذجاً

عادل نصار قرأها 6
 

"سوسيولوجيا الغزل العربي" للطاهر لبيب

الشعر العذري نموذجاً

عادل نصار

يدحض المفكر التونسي الطاهر لبيب في كتابه "سوسيولوجيا الغزل العربي/ الشعر العذري نموذجاً"، الصادرة ترجمته حديثاً عن المنظمة العربية للترجمة، مقولة انتماء ظاهرة الحب العذري الى الدين الإسلامي الذي ظهر في كنفه هذا الشعر. يختار لأجل توكيد نظريته هذه، مدخلاً لافتاً، من طريق الدخول في اللسانية العربية اذا جاز القول، مشيراً الى ان اللسان العربي أكد الذكورية منذ البداية وفي زمن الجاهلية وقبل ظهور الإسلام، مركّزاً على أهمية دور الرجل في هذا المجتمع  وعلى خصاله وأعضائه الجسمانية التي تدلّل على تفوقه على المرأة.

ينتقل الكاتب الى جذر العذرية في العصر الجاهلي متمثلاً في الإطار الملحمي الذي شغله الأبطال العرب في تلك الفترة والذين لا يعرفون سوى الحروب مجالاً لإثبات رجولتهم أمكنة وأزمنة، مستحضرين الحبيبة في الذاكرة والوجدان كتعبير عن أهليتهم لها عبر استذكار ظروفهم في تلك المعارك من خلال الشعر وحده الذي جعل البطل يعرّف عن نفسه به، ووصل به الأمر الى حدّ أن ذوقه الجمالي آنذاك لم يكن يقبل ان يكون لغير العرب شِعر يستحق الإعجاب.

خلافاً لما هو سائد في طبيعة النظر الى الشعر العذري بأنه خرج الى العلن متأثراً بما كرّسه الدين الإسلامي الوليد من عفّة حيال المرأة وعدم الوصال معها، يؤكد الكاتب ان المرأة في الدين الجديد وتحديداً في المرحلة الأموية من حكم الإسلام، وهو التاريخ الرسمي لولادة هذا النوع من الشعر، أعطيت مكانة جديدة، وقد تغيّرت علاقتها بالرجل الى حد كبير فأصبح الاقتراب منها ممكناً وأصبحت تحدد المواعيد وتقبلها وترتاد المجالس وتظهر في الحج تقرباً من الله.

هناك تأكيدات في القرآن وفي عادات المسلمين تؤكد ذكورية الرجل وتشجيع ممارسة الجنس بكثرة، وهناك روايات متعددة وردت واستشهد بها الكاتب تظهر قدرات ذكورية مبالغاً فيها لدى بعض الأنبياء، وتضخيمية لمواصفات عضو الرجل. على عكس ما هو حاصل لدى العذريين الذين أصبح الرجل لديهم لا يكتفي بالخضوع لحبيبة مفرطة في مطالبها، وإنما يتنازل أيضاً، فعلاً وقولاً، عن تجليات ذكوريته التي سكنت اللسان العربي. فهو، أي العذري، وقد أصبح باحثاً عن المستحيل، يرى حبيبته في الحلم  كلما لاح له منها قربُ منالها، وهنا يكمن في رأي الكاتب الاختلاف مع النظرية التي تقول ان جذر العذرية انما منشأه الإسلام.

اما الأسباب الفعلية وراء نشوء مثل هذه الظاهرة في أوج صعود الإسلام، فيردها الكاتب الى أسباب أخرى اجتماعية واقتصادية وسياسية، ويدخل في تحقيق حول نسب الشعراء العذريين فيكتشف انهم في غالبيتهم ينتمون الى قبيلة واحدة هي قبيلة بني عذرة  التي كانت تعيش على الزراعة وتدفع الأتاوات لبني قريش ولم تبرز منهم قطّ شخصية سياسية، كما انهم لم يدخلوا في الإسلام فور نشر الدعوة، والبعض يقول انهم دخلوا فيه بعد وفاة النبي، وانهم كانوا ميالين الى اللامبالاة حيال الأوضاع التي تجري حولهم، مما جعلهم من الهامشيين. وهي هامشية واقعية، في رأي الكاتب، تسعى وراء أريستوقراطية أخلاقية مرادفة للامبالاة تجاه المنافسات الكبرى بين البدو والحضر من حول العذريين في العصر الأموي.

اذاً، يرد الكاتب أسباب بروز ظاهرة الحب العذري الى وقائع اقتصادية واجتماعية مما سمح بولادة هذا الحب البعيد عن الجنس، وليس الى أسباب دينية او ورع إيماني بحت.

يختم الكاتب كتابه هذا بسؤال المعنيين بالتغيير اليوم في مختلف المجالات والتأثر بالغرب، هل يلامسون في طموحاتهم هذه ما يشعر به أبناء الطبقات والشرائح الاجتماعية؟ ذلك ان هناك مجموعات لا يكاد يعنيها الأمر في شيء، وهي لا مبالية تجاه ما يحصل سوى انها قد تستأنس بالخطب التي قد توجه اليها، وهي خطب شعرية فيها من البلاغة ما فيها، الأمر الذي قد يعزّز الحنين لديها الى الماضي الذي هو مهرب حيوي من واقع مخيب للآمال لا يجدون فيه ملجأ غير ملجأ الذاكرة (نوستالجيا). اللامبالاة هي تجاه الزمن.