سحر الكتاب وفتنة الصورة
سحر الكتاب وفتنة الصورة
بقلم: عطية مسُّوح
منذ أن بدأ الإنسان بتدوين تجاربه كتابة، كان غرضه الأهم هو نقل تلك التجارب إلى الأجيال اللاحقة، كي يبدأ كل يجيل بتطوير أساليب حياته ووسائلها من حيث انتهى سابقه.
ظل كثير من التجارب والمعارف ينتقل مشافهة، وعن طريق العمل المشترك بين الأب وأبنائه، أي بين جيل وجيل، فتورّث المهن والمعارف المتعلقة بها وبعض سمات التفكير وأساليب التعامل مع الآخرين، ويضيف كل جيل شيئاً من إبداعه، ليورّثه بالتالي إلى الجيل اللاحق. غير أن الكتابة أحدثت نقلة نوعية كبيرة في هذا المجال، تابعته الطباعة التي جعلت المعرفة الإنسانية بتراكمها وتنوعها في متناول الناس، محدثة ثورة حقيقية في علاقة الإنسان بتجاربه ومعارفه وتراثه، ثم جاءت الشبكة المعلوماتية (الإنترنت) لتحدث الثورة الأحدث والأقوى والأشمل، ناقلة وسائل المعرفة، ومن ثم المعرفة ذاتها من حال إلى حال.
لقد أصبحت وسائل الاتصال الحديثة علماً قائماً بذاته، فيه فروع وتخصصات كثيرة ومتكاثرة، ويعمل فيه متخصصون يمكن أن نعدهم الفئة الأكثر فاعلية بين العاملين في الحقول العلمية المختلفة في عصرنا. وأصبح الكتاب، الذي هو وعاء العلوم والمعارف خلال قرون وقرون، خاضعاً لتقنيات تلك الوسائل، ومرتبطاً بها. وانضاف عنصر جديد إلى عناصر الكتابة السابقة: المؤلف، والنص، والقارئ، وهو عنصر التقنية الحديثة.
يرى كثيرون أن هذا التطور وسّع مجالات الاختيار أمام المؤلف والقارئ. فالمؤلف يمكن أن ينشر كتابه بهذه الوسائل الحديثة، ويتناقله الناس عبر الشبكة دون عناء كبير. ويرى كثيرون أيضاًَ أن الكتاب المطبوع وُضع على هامش الحياة الثقافية أو كاد أن يوضع، وقد يكون هذا صحيحاً إلى حد ما.
غير أن هناك من لا يزال واثقاً من قدرة الكتاب المطبوع على الصمود في وجه هذا التطور العاتي، ودليله على ذلك أن دور النشر ما تزال قائمة في كل الدول المتطورة معلوماتياً، وأن بعض الكتب يطبع بعشرات ألوف النسخ، وأن القراء لا يتناقصون.
غير أن السؤال عن مستقبل الكتاب هو سؤال مشروع، ولا أحد يستطيع التنبؤ بما سيكون عليه الأمر بعد عقد أو عقدين، بل لا حاجة بنا إلى مثل هذا التنبؤ، فالتطور في الوسائل كالتطور في الأفكار وفي كل المجالات، يولّد بعضه بعضاً، ويتسارع ويتعاظم، بل إن تطور الوسائل أكثر سرعة وقدرة على القفز من التطور في المجالات الأخرى.
القلق على الكتاب ومستقبله، أو الترقب إذا أردنا استبعاد كلمة القلق الموحية بموقف مضاد للتقدم التقني، قد يدفع إلى الكتابة حول سيرة الكتاب وتطوره، وتطور علاقة الإنسان به عبر العصور. فصناعة الكتاب تحولت إلى مادة للكتابة، وقد صدرت في السنوات الأخيرة عدة كتب حولها، أما الكتاب الذي حثّني على تناول هذا الأمر، فهو كتاب فرغت من قراءته مؤخراً، يحمل عنوان (سحر الكتاب وفتنة الصورة ـ من الثقافة النصية إلى سلطة اللامرئي) للكاتب الدكتور مازن عرفة.
الكتاب يحيط بموضوعه إحاطة شاملة، ويقدّم للقارئ معلومات هامة عن علاقة الإنسان بالمعرفة عامة، وبالكتاب خاصة، وعن تطور وسائل المعرفة المتنوعة، ولا سيما الكتاب والصورة، بما توحي به هاتان الكلمتان من تطور يتجاوز حد التراكم الكمي ليصل إلى الانتقال من نوع إلى نوع، وهذا ما يسمى بثورة المعلومات.
الكتاب عرض لتطور المعرفة البشرية في عدد من جوانبها، وليس في علاقة الإنسان بالكتاب فقط، ولكنه، في مجال هذه العلاقة يركز على ثلاثة مستويات، فهو يعرض تطور خبرة الإنسان متجلية في تطور تقنيات الكتابة، وتطور الوعي الإنساني متجلياً في محتويات الكتابة، وتطور ممارسة الإنسان متجلية في تفاعله مع الكتابة ومحتويات الكتب.
أما جوهر الكتاب فهو تمجيد الإنسان بوصفه ذاتاً قادرة فاعلة مبدعة، فقد عكس المؤلف التجربة الإنسانية في مجال القراءة والكتابة والتأليف والصلة بالكتاب ووسائل المعرفة الأخرى، وعرضها عرضاً واسعاً، سهلاً وممتعاً.
وما عدا تمجيد الإنسان، فليس في الكتاب موقف يريد الكاتب إملاءه على القارئ أو إغراءه به، وهذا ما يضفي على الكتاب سمة الموضوعية بعيداً عن الرؤى الأيديولوجية المسبقة.
ولا يأتي تمجيد الإنسان من خلال عبارات إنشائية تمجيدية، بل من خلال متابعة دور الإنسان في تنظيم خبرته ومعارفه وتعامله مع الواقع، أي من خلال الصلة بين الفكر والواقع والتجربة.فبين هذه الأقانيم الثلاثة المكونة للحياة الاجتماعية والمميزة للإنسان، علاقة جدلية لا يتحقق التقدم إلا من خلالها، والكاتب يتلمس هذه العلاقة ويتابعها، ويقدم للقارئ تجلياتها في أكثر من مجال، وخاصة في مجال العلاقة بالكتاب ووسائل المعرفة.
أما الزاوية الثانية التي يبرز فيها تمجيد الإنسان، فهي علاقة القارئ بالنص. فالمؤلف لا يرى النص المكتوب، أي نص كان، إطاراً مغلقاً يتعامل معه تعاملاً سلبياً، أي تعامل المتلقي القابل أو الرافض، بل يضع يده على دور القارئ في تحليل النص وتأويله، أي فيما يمكن تسميته بإعادة تأليف النص.
وإذا أمعنا النظر في هذه المسألة، فسوف نجد أن كل قارئ واعٍ هو كاتب آخر للنص، يصوغه في ذهنه حسب تصوراته عن موضوعه، وحسب سويته وخبرته. والنص، بهذا المعنى، يستقل عن كاتبه، وهذا ما توحي به مقولة (موت المؤلف)، بل إن النص يستقل عن ذاته من خلال الإيحاءات والتأويلات التي تنبعت من أجزائه وتفاصيله ويكتشفها القارئ ويطورها، فلا يبقى النص في ذهن قارئه هو النص ذاته بل هو تأويلاته المتنوعة المختلفة من قارئ إلى آخر.
لا أريد أن أقدم عرضاً لهذا الكتاب الكبير، فهو جدير بالقراءة.
هامش:
سحر الكتاب وفتنة الصورة
تأليف: د. مازن عرفة.
إصدار: دار التكوين ـ دمشق 2007.
464 صفحة من القطع الكبير.