"حمار"... عطية مسوح

المحامي إسماعيل الحجو قرأها 272
 

"حمار"... عطية مسوح

بقلم: المحامي إسماعيل الحجو  

منذ أربع سنوات تقريباً طلب مني الصديق محمود وهب، الذهاب للسهر عند الشباب، والمقصود بذلك الذهاب إلى مكتب الصديق صقر عليشي حيث يجتمع الأصدقاء لقضاء السهرة في يوم محدد من الأسبوع، وبعد أن أنهينا عملنا، أخذنا ما فيه النصيب من المأكولات وغيرها، كما هي العادة، ورسخت في ذهني هذه السهرة لسببين اثنين، الأول أن إحدى الحضور هي الشاعرة المميزة الموقرة (العلي) فاجأتني بعد أن جلسنا بوقت قصير، بتوجيه سهام النقد نحوي، قائلة: (أراك مطقوم وشايف حالك)؟ أربكني السؤال الناقد، فأجبتها): إنني ألبس رسمي لأنني كنت في جلسة مجلس الشعب وحضرنا دون أن يتسنى لي تغيير ملابسي، متهرباً من الدخول في سبب نقدها لي، لأنني أعتقد أنها تريد نقد السلطة التشريعية في تقصيرها بتقديم ما يلزم ممثلة بشخصي. ومازالت نظرتها، بعينيها الهادئتين، ترعبني حتى الآن. أما السبب الثاني فكان من الصديق العزيز عطية مسوح، فقد بادرنا في منتصف السهرة بالسؤال عن أجمل الحيوانات؟ فأمطرناه بإجابات من كل حدب وصوب، فمنا من قال الغزال، وآخر الحصان، وثالث البلابل، ورابع الكلب...إلخ. إلا أن أبا المجد خيّب ظننا جميعاً ورفض جميع الإجابات، وبهدوئه المعهود ورزانته الدائمة، قال: اسمعوا يا شباب، الحمار هو أجمل الحيوانات، لأنه الرفيق الدائم للإنسان، فهو أكثر الحيوانات عراقة وشهرة وجداً، فهو أممي لوجوده عند كل الأمم. وإنساني لارتباطه بصداقة الإنسان، وشعبي لأن كل أفراد المجتمع من رجال، ونساء، وأطفال وشيوخ يحبونه لطبيعته المسالمة، ويقوم بأعمال لايستطيع القيام بها إلا هو، ويقاد ولايفكر في القيادة، أذناه كبيرتان، وسمعه أكثر حدة من سمع كل الحيوانات، وعيناه مكحلتان، وجفناه ناعسان، ومع ذلك لايسمع ولا يرى، ويسير الحيط الحيط ويقول: يارب الستر!

كان عنصراً فعالاً في الحروب، ومازال صديق المهربين، خاصة مهربي (المازوت) والمواد الغذائية، والأسلحة، وعلى الرغم من أنه ذكي، حذر، حميم، متحمس، وعنيد من الصعب تهديده وإرغامه على فعل شيء ضد رغبته، فهو يتجنب السياسة، وحظي بمكانة لم يرتق إليها غيره من الحيوانات. ففي بريطانيا يسمح للحمار بالسير طليقاً في حدائقها، دون سواه، وفي بعض مقاطعاتها حددت له أيام العمل بستة أيام في الأسبوع، تبدأ من الساعة العاشرة صباحاً حتى الساعة السابعة مساءً، والحمار هو شعار الحزب الديمقراطي الأمريكي، كناية عن الصبر.

وهو الحيوان الوحيد الذي يرى الشياطين والجن، وبصدر نهيقاً يسمع لمسافة ثلاثة كيلو مترات، وعلينا الاستغفار عند سماع نهيقه، لطرد الجن والشياطين، ورغم غفلة الإنسان وجحوده تجاه الحمار، فإنه بدأ بإعادة الاعتبار له، فكان عباس محمود العقاد يقدر الحمير ويدافع عنها، وكتب عنها قصة قصيرة، وأكثر من مقالة، وكان حمار الحكيم مثلاً في المودة، ويروي توفيق الحكيم في روايته صداقته لحماره مع أحاديثه التي يعتبرها أسهل من كلامه مع البشر.


وفي المغرب شُكلت جمعية (أصدقاء الحمير) سخرية من النظام. أما في أم الدنيا فهناك جمعية الحمير المصرية ذات البعد الحقوقي والإنساني، وأبرز الفنان المطرب سعد الصّغير صفاته في أغنيته الشهيرة (بحبك يا حمار)! إلا أن أحد العرسان طلّق عروسه في حفل الزفاف لأنها رقصت معه على أغنية (بحبك يا حمار) وهي تمسك بربطة عنقه، فما كان منه إلا أن تناول (الميكروفون) ورمى عليها الطلاق بالثلاث؟ ناسياً أن (اللي ما فيه من صفات الحمار ماهو رجال). وإن جهلنا بالحمار يجعلنا نطلق صفة الحمار على كل غبي وضعيف ومتهاون، مع علمنا أنها ليست من صفات الحمار ولاتمتُّ لحامل المشرقة بصلة.