ألحزن الموجود والأمل المنشود لدى الشاعر نمر سعدي

د. منير توما قرأها 398
  

ألحزن الموجود والأمل المنشود لدى الشاعر نمر سعدي

د. منير توما *

 
كان الأستاذ الشاعر نمر سعدي الذي يطلق على نفسه اسم وضاح سعدي، قد أهداني باكورة أعماله الشعرية المتمثلة بمجموعتين شعريتين أطلق على الأولى عنوان "أوتوبيا أنثى الملاك" وعلى الثانية اسم "عذابات وضّاح آخر"، وقد تمنى عليّ ان أكتب تعقيباً او تعليقاً على إنجازاته الشعرية هذه؛ ونزولاً عند رغبته تلك، فقد ارتأيت ان أتناول هاتين المجموعتين بالنقد والتحليل لما في ذلك من خدمة أدبية نحو الشعراء الواعدين الذين يسيرون في درب الإبداع الأدبي علهم يصلون الى مبتغاهم الأسمى بخطى ثابتة وروح واثقة.

ان أول ما يسترعي الانتباه في مجموعة "أوتوبيا أنثى الملاك" هو العنوان الفريد من نوعه الذي أعطاه شاعرنا لهذه المجموعة، فالأوتوبيا هي الطوباوية والتي تعرّف بانها اتجاه مثالي، بمعنى خيالي، حيث يشتق من utopia الإغريقية بمعنى المكان المتخيّل الذي لا وجود له على أي أرض، فاليوتوبيا بمعنى الأفضل، منeutopia  أي الأرض الطيبة، او الأصل الطيب، وفي القاموس المحيط "الطوبى" شجرة في الجنة او الجنة نفسها، ومن ثم فطوبى لك بمعنى الخير والسعادة لك. والطوبى على ذلك بالمعنيين معا هي الخيالي والأفضل. وكان أول من استعمل هذا التعبير توماس مور 1478 – 1533 في كتابه "اليوطوبيا"، أي المدينة الطوباوية. وكان فيلسوفاً انجليزياً إنساني النزعة وهو يصور مدينة خيالية ذات نظم مثالية تضمن لأفرادها أسباب الخير والسعادة. وأصبح هذا اللفظ بعد ذلك يطلق على كل كتاب يصور النظام المثالي للمجتمع الإنساني. ومن هنا فان الأستاذ نمر سعدي يبحث عن مكان طوباوي يمتاز بالخير والسعادة يلتقي فيه مع محبوبة في نظام مثالي ملائكي ينشد فيه الأفضل مع ان ذلك يتواجد فقط في دنيا الأحلام والخيال كما يوحي اللفظ.

ويدرك شاعرنا من خلال كلمات قصائده انه يحلم بعالم لا يمكن الوصول اليه في هذه الحياة وان كان ينسج في خياله التأملات المنعمة بالأمل المشوب بحزن ظاهر يعبر عن خيبة أمله في تحقيق أحلامه مع امرأة يعشقها تتمثل فيها السعادة والخير والهناء كأنها أنثى ملاك مع استحالة وجود مثل هذه المرأة، فالملائكة لا جنس لها، لكن شاعرنا يمني نفسه بايجاد الأنثى المثالية ذات الطابع الملائكي الشفاف الجميل والبديع بجسدها ونفسها وروحها:

كان ينظر لي عبر بلور
دمع شفيف يحدّثني عن ضمير المدن
كان يحلم بامرأة لا تمشط أحزانه في الصباحات
الا بما يترقرق في روحها
من حنين الى شفق
أزرق في فضاء الزمن
هي من صيرت قلبه سادنا
للجمال الذي ظلّ
يبكي بدمع سيوف العرب
هي من صيّرت روحه قبلة
لأهلّة نيسان باحثة
عن رياح المصب
آه، أنثى ملاك
تنام على نوم سجني هنا
في تراب السماء
يصلي لها الماء
يرفع من ساعدي
حفنة من شذى نبوي
غدي حفنة من
ضياء المقيمين في ليل
أعضائها
وغدي حفنة من عذاب
سيبذرها في دمي حبها


(ص5-6)


وهنا يمثّل "الحنين الى شفق أزرق في فضاء الزمن" توق الشاعر للوصول الى الضياء العاطفي والفوقية الفكرية حيث يرمز اللون الأزرق الى الحقيقة بإيجابيتها ونورانيتها في عالم الإنسان.

ويعود شاعرنا الى ذكر "الشفق الأزرق" وكأن شوقه او تلهفه الى الاستنارة العاطفية والفكرية يؤرق كيانه ويستحوذ على مخيلته:

ربما ربما في أوتوبيا
بلا كلمات
التقيها اذا فرقتنا الحياة
فيغمرني ضوء نجمتها
ربما ربما التقيها انا
في أوتوبيا الممات
نرتدي شفقاً أزرق
ونطير بأجنحة من
دموع الحرير لأنثى الملاك

(ص 9)


وربما يكون تركيز الشاعر على اللون الأزرق نابعاً من كون اللون الأزرق هو رمز هدوء واطمئنان النفس على صعيد التفسير النفسي لا سيما وانه يقرن "أوتوبيا الممات" باعتبارها رمزاً للجنة في العالم الآخر مع "الشفق الأزرق" رمز الأمل في الوصول الى مبتغاه في تحقيق السكينة والسعادة مع محبوبته في عالم طوباوي آخر يختلف تمام الاختلاف عن عالمنا هذا.

من اللافت في قصائد مجموعة "أوتوبيا أنثى الملاك" ان شاعرنا يتطرق بشكل بالغ الى ذكر أسماء أدباء وشعراء وفلاسفة عالميين في الأدب القديم والحديث أمثال البير كامو وسفوكليس وبودلير وهومير وأفلاطون ورمبو وكيتس وفيرجينيا وولف وناظم حكمت ومظفر النواب وغيرهم. علاوة على تسخيره للميثولوجيا العالمية والدينية لخدمة أغراضه الأدبية والشعرية في طرح أفكاره كذكره عشتار ويهوذا ونرسيس وإيزيس وغيرهم. ومن المؤكد ان شاعرنا أراد من الإتيان بأسماء هؤلاء الأدباء والشعراء والفلاسفة وأبطال الميثولوجيا، الإيحاء بانهم جميعاً كانوا من دعاة مجتمع طوباوي يتمتع بالسعادة والخير والفضيلة والحب.

الا ان الواقع المرير لم يتح لهم تحقيق أحلامهم وخيالاتهم المثالية في الحب والطمأنينة وسلام النفس بنفس الكيفية التي يشعر بها شاعرنا من الإحباط والحزن والمعاناة وخيبة الأمل. لكنه مع ذلك ما زال مستمراً في البحث عن مدينته الفاضلة السعيدة التي يتوق فيها الى امرأة معشوقة تشاركه السعادة، كما فعل غيره من المبدعين على مدار سنوات حياتهم:

وجه من الأبنوس
ضوء نافذ في جلد هذا الليل
عطر موصل للحب والماضي
يوزع ما تناثر من شفاه الأقحوان
على شفير الأرض...
نهر طافح بدموعنا الأولى
تعلقه الغيوم عليك...
يسبح في فضائك وجه أفلاطون
تكتبني رؤاك قصيدة رعوية
مائية الألفاظ مرجانية
وجه من الأبنوس في جلد الظلام
يشع عطراً موصلاً للحب والماضي..
امتشقتك من بروقي
والبروق طفولة أخرى
كتاب الروح والأبنوس
أوتوبيا السراب.


(ص 58)


وفي هذه القصيدة تتبدّى رمزية الاستحالة في تحقيق الأحلام والخيالات التي تعتمل في ذهن الشاعر. و"البروق" هنا هي إشارة الى قوى لا يمكن السيطرة عليها او التحكم فيها تؤثر في العواطف.

كما ان البرق يتضمن معنى التبصر في كيفية جعل الحياة تسير بانتظام
وهذا إيحاء طوباوي لما يدور في خلد الشاعر من تمحور حول الأمل البعيد المستحيل الذي ينشده. ومن الملاحظ ان شاعرنا يقرن هنا الأبنوس بالبرق، ولعلّ في هذا تلميحًا الى لون خشب الأبنوس الأسود الذي يرمز الى المجهول والغموض والرهبة في مقابل البرق الوهاج الذي يشع ناراً ونوراً يستضاء به ويتم الاحتراق من خلاله. وقول الشاعر ان "البروق طفولة اخرى" هو إشارة الى الحب الذي يلمع ثم يخبو، وبالتالي فانه يرمز الى الافتراق والانفصال كما يفترق الحبيب عن محبوبته بعد عهد الطفولة بكل ما فيه من براءة ومحبة وفضيلة.

ويأتي شاعرنا على ذكر الشاعر الفرنسي الكبير شارل بودلير في مقطع من قصيدة "تقاسيم على ماء جريح" (ص 61)؛ ومن حيث ان بودلير هو شاعر اللذة والألم وقصائده غنية بالصور، والخيال البكر، والعاطفة المتأججة الجامحة، فان الأستاذ نمر سعدي يستخدم في هذا المقطع من القصيدة المذكورة عبارة "زهور الضباب" كإشارة الى مجموعة بودلير الشهيرة "ازهار الشر" حيث يريد شاعرنا هنا ان يلمح الى انه لا يرفض الحب العاطفي الجسدي المتأجج، بل انه ينشد في محبوبته المرأة تلك الشعلة البدنية التي يعشقها الحبيب كما يعشق الإنسان نفسه بنرجسيته (نارسيسيته) الكامنة:

أحتويك انا من زهور الضباب
وبودلير ينظر من فرجة
القمر المعدني
شع ملحك في كل جسمي
وغاب
في بحيرة نرسيس وجهك
مليون عام وعام
يقبل نرسيس في نحرك القمر البابلي

(ص 63-64)


وحينما يقول الشاعر "شع ملحك في كل جسمي"، فان الملح هنا يشير ويرمز الى ان الشاعر عليه ان يلوم نفسه على شيء في الحياة الواقعية لم يقم بارتكاب خطأ فيه. وهذا يؤكد ان الشاعر العاشق لا يستطيع مقاومة حبه الجسدي تجاه المرأة التي يعشقها لان هذه هي طبيعة الإنسان الذي يعشق نفسه من خلال عشقه للمرأة كنرسيس الذي أعجب بذاته وعشق نفسه وهو ينظر في البحيرة التي ترمز هنا الى المرأة التي يرى فيها الشاعر نفسه متيماً بهواها وذائباً في عشقها. اما "القمر المعدني" او "القمر البابلي"، فانه يمثل الأنثوية البدائية واللاوعي، وبالتالي يرمز الى تجدّد الطاقة التي تغمر نفس الإنسان في كل زمان ومكان وفي العالم الطوباوي الذي يرجوه الشاعر له ولمحبوبته المثالية ايضاً.

ويستمر الأستاذ نمر سعدي بنغمة الحزن والابتئاس والمعاناة والإحباط في مجموعته الشعرية الثانية "عذابات وضّاح آخر"، ويبلغ الذروة بنغمته هذه في المقطوعة التالية:

وانت يا وضاح
قطرة ماء انت في البحر
وفي الفضاء
ذرة رمل لم تزل تبعث في
السديم عن أضواء
عن جرعة من عطش الأمطار
تهطل من أهداب
شمس عمرك الصفراء
لتزرع العالم – هذا العالم
المدفون تحت الزمن المنسي
في رماده الحارق
بالأشجار


(ص19)


ويكثر شاعرنا في هذه المجموعة من استخدام الألوان كالأصفر والأحمر والأسود بكل ما في هذه الالوان من رمزية نفسية تعكس ما في داخل الشاعر من اختلاجات واحاسيس ومشاعر كامنة. فهو ينعت شمس العمر بالصفراء، واللعنة بالحمراء، والثلوج بالسوداء:

خمرية شواطئ الأحلام
والقصور
يا ضارب في لعنته الحمراء
كالاعصار
يا الطالع من شفاه جرح
امرأة النوار
من برقها المبتل بالأشجار...
خمرية شواطئ القلب
التي تبحث في ثلوجها السوداء
عن منار


(ص25)


كما انه يقرن وجه المرأة بالقمر الأسود:

وجهها والقمر الأسود عن
بعد يضيئان الطريق
بفتات الصدف الأزرق
في جسمي العميق
بنبات غجري لامع تحت ندى
الصبح كتموز الغريق
طالعاً كنت من الفكرة من
جوف المساء الحجري
عارياً الا من الشوق الى
كواكب الماء على شواطئ الغرب
ومن عينيّ نبيّ


(ص 42)


ومن هذه المقتطفات الشعرية، يتضح ان شاعرنا تغلب على عباراته أجواء وأوصاف الحزن والغموض. فاللون الأسود هو رمز الأسى والحزن وفيه إيماءات الى ضرورة تغيير أسلوب الحياة لا سيما وان القمر يمتاز بتقلب الأحوال فلكياً. كما ان الثلج الذي يعطيه شاعرنا لوناً أسود هنا، يتضمن رمزية للبرود العاطفي والخوف من الوحدة بغياب المحبين؛ وفي هذه الحالة غياب المحبوبة عن الحبيب الذي يرتجيها لتؤنس سواد وحدته، ولكن الثلج يوحي بأن الحبيب قد ادرك ان حبه لتلك المرأة التي اعتقد انه احبها، قد خفت واعتراه البرود. فالسواد جاء هنا لتأكيد الوحدة والعزلة والانفراد، وبالتالي مواجهة تغييرات وصعوبات في حياة الشخص.

ومع كل هذا، فان الشاعر يخاطب المرأة التي يهفو اليها قائلاً:

روحك في جسمي..
تضيء النفق الأسود..
بالنوارس البيضاء..


(ص 55)


وهنا يكمن مبعث الأمل الذي ينشده الشاعر في محبوبته، تلك المرأة التي ستخرجه من عالم الوحدة والخيبة بروحها البيضاء النقية الصافية التي ترمز اليه النوارس البيضاء التي ترمز أيضاً الى الحظ الجيد والى آفاق الروح الحرة ذات المعنى العاطفي التحريري للنفس المثقلة بالأحمال، والتي تصبو الى الانطلاق والتحرر من قيودها وأغلالها.

وكلمة اخيرة حول المجموعة الشعرية الثانية للأستاذ نمر سعدي، وإطلاقه عليها عنوان "عذابات وضّاح آخر" حيث ربما يكون شاعرنا قد قصد إيراد اسم "وضاح" تيمنا بالشاعر "وضاح اليمن" (708 ميلادية) والذي عرف بجماله الآسر، وكان يتقنع لشدة جماله. ومن الجائز ان سبب إكثار شاعرنا من ذكر اللون الأسود في أوصافه يعود الى هدف تلميحي أراده شاعرنا عمداً وهو استرجاع صورة وضاح اليمن كعاشق شديد الوسامة يخفي جماله بقناع أسود، وهو الذي يرجح انه كان محظوظاً في الحب بعكس وضاح الآخر الذي يصوره شاعرنا والذي يعاني الحزن والكآبة ويأمل ان يجد ضالته المنشودة في حبيبة تبادله الأحاسيس والعواطف الجياشة وتعيد له نشوة الروح ولذة الحب. ولنا في حب وضاح اليمن لأثيلة، قرينة نستخلصها من الأبيات التالية التي قالها وضاح اليمن في حبيبته أُثيلة:


صبا قلبـي  ومـال إليك ميلا     وأرّقنـي خيـالك  يـا أُثيـلا

يمـانية  تلم بنــا فتبــدي    دقيـق محــاسن وتكنّ غيلا

ذرينـي ما أممت بنـات نعش    من الطيف الذي ينتـاب ليـلا

ولكـن ان أردتِ  فهيـّجيـنا      اذا رمقت بأعـينهـا سهيـلا

وختاماً، يتضح لنا، ان الأستاذ نمر سعدي يتمتع بشاعرية واعدة، ويستحق كل ثناء وإطراء وتشجيع على هاتين المجموعتين، راجين له مزيداً من الإبداع والتقدم في عالم الشعر، مع أصدق التحيات وأطيب التمنيات له بالتوفيق والصحة والازدهار.



الجمعة 16/9/2005  - (كفر ياسيف) الداخل الفلسطيني

* شاعر وناقد فلسطيني حائز على عدة جوائز عالمية في الشعر