يوسف الجباعي لن يأتي
يوسف الجباعي لن يأتي
جوزف أبي ضاهر
ما كنت أصدّق أنني سأذهب الى صيدا، ولا يستقبلني، ولا ألتقي به. فالزيارات الى عاصمة الجنوب تتمّ، عمومًا، بدعوة منه، وبدوره يخرجها عن المألوف، شكلاً ومضمونًا، ووقتًا يتحوّل زهوًا.
يوسف الجباعي الهادئ كبحيرة زهر، تخبىء في عمقها فرحًا، وشعرًا، وكأس صفا، تشرب عصافير الكلام منه، وتظلّ على اشتياق. كان ملفتًا في تواضعه وصبره، وصمته، وطيب عفويّته، وثقافته.
***
اللقاءات معه تكثّفت في هذا الصيف، بفضل مهندسها ابراهيم زود، فمن صيدا الى دير قوبل، وضهور الشوير، ودوما، فعين أبو ميزان، وغادير، وضهور الشوير ثانية، والصيف يركض، ونحن «نهوشل»، ورفيقا يوسف حبيب وعصام، تجذبهما ذكريات باريس وما تبعها، ولا يغضّا طرفًا عن واقع يرسما فيها شيئًا من حلاوات الحضور وظرف المناسبة، فيشاركهما على خفر يُلمح، ولا يفضح. وأما السيّدات فلهنّ ضوء المكان كله.
***
ـ«أبو علي يشاغب»، يقول يوسف ضاحكًا، ويشدّ طرف الحديث الى الشعر، ثم يهمس: الشعر أبقى من السياسة، ويقرأ من آخر ما كتب، ومما لا يمكن نشره في المجلة التي يشرف على تحريرها، فيسبقني السؤال إليه:
ـ لماذا لا تصدر هذا الشعر في كتاب؟ وكنت أعرف أنه جهّز كتابًا، ووضعه على لائحة الانتظار.
يجيب: «لاحقين... هلأ بيهمّني انتهي من جمع قصائد خالي زين العابدين شاكر، وهو من أبرز الشعراء الشعبيّين الذين كتبوا المونولوغ، وقد عُرف قبل عمر الزغنّي بلقب «شاعر الشعب»، وصدرت له عشرة كراريس فيها قصائده وأغانيه التي لحّن بعضها وغنّاه ابن الجنوب صديقه الفنان سامي الصيداوي. لكن شهرته بقيت محصورة في صيدا وضواحيها، ربما لعدم توفّر التغطية الاعلاميّة اللازمة».
يضيف يوسف: «آمل أن نتشارك في تحضير ديوانه وإلقاء الضوء على شعره، وإبراز دوره في هذا المجال»... وسلّمني نسخًا عن الكراريس للاطلاع عليها.
***
يوسف الجباعي الأستاذ الجامعي، الشاعر والأديب، شارك في الحياة العامّة، مهتمًا بما يراه مفيدًا لمنطقته ولأهلها، وقد شغل في مجلس بلدية صيدا مركز نائب الرئيس، ثم استقال، وابتعد، واعتبر نفسه في إجازة تتوزّع بين التأمل والكتابة، فالرياضة والسباحة والحياة البيتية، واللقاءات التي كان لي فيها حظ رفقته، ولو لفترة لم تزد على السنوات الأربع.
***
الأسبوع الفائت رحت الى صيدا، ولم أصدّق أنني لن ألتقي به، وأحادثه، وأرى ابتسامته. الاحتمالات تكون دائمًا كثيرة، تتأهب، تتراجع، وتغيب من شدّة قسوتها.
هذا ما حدث، وبدا الاحتمال حقيقة حتى الوجع.
كانوا كلهم هناك، وهو لم يكن: رفيقة عمره هند، ابنه مازن، ابنته شادن، وبعض الرفاق والأحبّة. شاهدت في وجوه الكل صورته، وفي لحظات لمحت ابتسامته في وجوهنا، تركها لنا، وراح، من دون أن يغيّر شيئًا.
راح الى خارج وجهه وجلده وقصائده... باغتنا. لم يكمل حلمه، بل أحلامه، وبمثل الهدوء الذي عاش فيه، غاب منه.
لن يأتي الى لقاءات يوم السبت، على غير عادته، لكن مكانه سيظلّ، وسيظلّ حضوره بيننا أقوى من الغياب، ووسع محبّته ومحبتنا.