ادوارد سعيد في ذكرى بقائه

شاكر فريد حسن قرأها 1,221
 

ادوارد سعيد في ذكرى بقائه

بقلم: شاكر فريد حسن

Shaker%20F.%20Hasan.JPG 

مرت ست سنوات على رحيل المفكر والأكاديمي والمثقف الفلسطيني، المعطاء والفذ والمتوهج فكراً وهاجساً فلسطينياً، ادوارد سعيد، الذي ترجل عن صهوة الحياة وهو في قمة إبداعه وتوهجه وعنفوانه، تاركاً وراءه إرثاً فكرياً حضارياً سيبقى منارة ثقافية للأجيال الفلسطينية والعربية القادمة.

 Edward.Saeed.JPG

يعتبر الراحل د. ادوارد سعيد من كبار المثقفين والأكاديميين المعاصرين، ومن أبرز المدافعين والمقاتلين عن حرية الفكر والمعتقد والإبداع، ومن المحاربين ضد كل أشكال وألوان الفساد والقهر والاستبداد والاضطهاد الإنسان ي والبشري.

آمن ادوارد سعيد بالثقافة الإنسان ية، كضرورة لعالم اليوم والغد، وأعطى صورة حقيقية جديدة للنخبة الفكرية الفلسطينية المثقفة، وكان صاحب عقل تثاقفي، وتمتع برؤية شاملة وثقافة جامعة، وكانت حياته إنسان ية وغنية، فكراً وثقافة وعطاءً، وممارسة ومسلكاً، واعتُبر من صفوة المثقفين وخيرة مناضلي الشعب الفلسطيني. وقد حارب نهج المغامرة والانهزام والاستسلام، وانتقد القيادة الفلسطينية في كتابه غزة ـ أريحا، ودافع عن حقوق الإنسان، وذاد عن المثل الإنسانية والقيم النبيلة الرفيعة، وساهم مساهمة كبرى في مسيرة النضال الوطني التحرري الفلسطيني. وقال عنه، بحق، شاعرنا الفلسطيني الراحل محمود درويش: "لم ينجب التاريخ الثقافي الفلسطيني عبقرية تضاهي ادوارد سعيد المتعدد المتفرد، ومن الآن وحتى إشعار آخر، سيكون له الدور الريادي الأول في نقل اسم بلاده الأصلية، من المستوى السياسي الدارج الى الوعي الثقافي العالمي. لقد أنجبته فلسطين ولكن بوفائه لقيم العدالة المهدورة على أرضها، وبدفاعه عن حق أبنائها في الحياة والحرية، أصبح أحد الآباء الرمزيين لفلسطين الجديدة" .

ولد ادوارد سعيد في القدس، زهرة المدائن وعروس الشرق، سنة 1935، وأنهى دراسته الثانوية في مصر. وفي سنة 1957 هاجر الى الولايات المتحدة الأميركية، وهناك تعلم في جامعاتها ونال شهادة البكالوريوس من جامعة برنستن، ثم أكمل تحصيله الجامعي وحصل على الماجستير والدكتوراة في الأدب المقارن من جامعة هارفرد، وبعد ذلك أصبح أستاذاً في جامعة كولومبيا الأميركية بموضوع الأدب الانجليزي.

لادوارد سعيد كتابات ضخمة عديدة في الأدب والنقد والسياسة والفكر، ومن أهم وأبرز مؤلفاته: "صور المثقف، الاستشراق، مسألة فلسطين، الأدب والمجتمع، تغطية الإسلام، العالم/ النص/ الناقد، بعد السماء الأخيرة، رواية السيرة الذاتية، الثقافة والإمبريالية، سياسة التجريد أو الإسلام الأصولي، سلام أميركي، السلام والسخط، غزة ـ أريحا ، تعقيبات على الاستشراق، عالم المعرفة "وغير ذلك.

في كتابه "صورة المثقف" يعالج ادوارد سعيد إشكالية المثقف وتمثلاته في ظروف الامبريالية، فيقول: "نحن كلنا نعيش في مجتمع، وننتمي الى قومية لها لغتها وتقاليدها ووضعيتها التاريخية الخاصة بها. فإلى أي مدى يكون المثقفون خدّامَ هذه الواقعيات؟ والى أي مدى يكونون عداءها؟ ويصح القول ذاته في علاقة المثقفين بالمؤسسات الأكاديمية، الكنيسة، النقابات المهنية، وبالقوى الدنيوية التي اختارت في أيامنا هذه ضم الصفوة من المثقفين اليها على نحو غير عادي. ونتائج ذلك ـ كما عبر عنها ولفرادوين ـ ان الكتبه على كل الناس يتهجمون/ وللدولة بولائهم يزعقون. وبرأيه، ان الواجب الفكري الأساسي هو البحث عن تحرر نسبي من مثل هذه الضغوط. ومن هنا كان تصويره للمثقف كمنفي هامشي وهاو، وخالق لغة تحاول قول الحق للسلطة". أما في كتابه "الثقافة الإمبريالية" فيكشف فيه مدى معركته الفكرية ضد الاستعمار الثقافي وغير السياسي وراء الفكري. وهذا الكتاب هو تتمة للمسار الفكري الذي بدأه بكتاب "الأستشراق"، ويعيد فيه إحياء القضايا والاشكالات، التي طرحها وتناولها في الاستشراق، ولكن في سياق أوسع وأرحب.

ادوارد سعيد كان وسيظل كبيراً، بما أعطى وقدم، وبأهمية ما أعطى في عمقه وجدته وشموليته ودقته وريادته، وبمعاركه الثقافية الإنسانية ضد العنصرية المتخفية وراء الاستعمار والامبريالية. انه أحد الأصوات التي حملت القضية الفلسطينية والهم الفلسطيني الى أنحاء المعمورة جميعها.

وغني عن القول ان ادوارد سعيد بكتاباته وتنظيراته وتحليلاته المتنوعة وبنشاطه الفكري والسياسي قدم نموذجاً حياً وساطعاً للأكاديمي النخبوي، والمثقف العضوي، والمفكر الحر، والعقل المستنير الباحث عن الحقيقة الغائبة، والمؤصل للثقافة الوطنية والديمقراطية الإنسانية .

وصدق الشاعر سميح القاسم في قوله: "لم يكن ادوارد سعيد مجرد أكاديمي، بل كان أحداً من أسماء الفكر الحسنى، وجمع في شخصيته بين سمات الأكاديمي العميق والمفكر المتميز وسمات المناضل الملتصق بشعبه ووطنه التصاقاً ألغى التشرد والمنفى".

فسلام عليك يا ادوارد سعيد، وستبقى في ذاكرة ووجدان شعبنا ومثقفيه، ولن تموت!!..

shaker.fh@hotmail.com