مأزق العلمنة
مأزق العلمنة
سامي العباس
لا يمكن اختزال المأزق الراهن للماركسية والليبرالية "كفرسَي رهان العلمنة" في العالم العربي، في سردية استقوائهما بالخارج، وما جرّه عليهما- وعلى مصير العلمنة - من أثمان سسيولوجية يدفعانها وهما محشوران بتهمة العمالة، كما تصور الأمر: كلموجيا يسارية بكائية، وخطاب إسلامي طاهِرا الذيل... ففي هذا إغماض عين عن طبيعة الحوامل الاجتماعية التي تلقفتهما، ووضعتهما في الاستخدام الأيديولوجي والسياسي. ودور هذه الحوامل في صياغة "معانٍ راهنة" لكليهما "الماركسية والليبرالية" في العالم العربي. فالواقع، كما يقول عزيز العظمة "هو من يفرض المعاني على النص"..
إذا أحلنا ضعفهما السسيولوجي إلى تعاملهما مع الخارج، وتعاملهما مع الخارج إلى ضعفهما السسيولوجي، ألا ندور في حلقه مفرغة على طريقة من خرج من الآخر البيضة أم الدجاجة؟.(1).
أفضِّل موضعة مأزق العلمنة في العالم العربي، داخل السياق الكوني للتحول الرأسمالي الجاري تحت محددين:
- التأخر كبنية: اقتصادية- اجتماعية من جهة. وكخلل في توازن علاقات التبادل، يفرض علاقة استتباع للخارج المتقدم من جهة ثانية.
- تضخّمْ الإحساس بالتأخر، وصلة ذلك بالسياق الجانبي الذي ذهب إليه التحول الرأسمالي "سياق رأسمالية الدولة".. للتوسع في هذه النقطة ينصح بمراجعة عبدالله العروي. وأكتفي بالإشارة إلى أنه: من جذع الأيديولوجيا الألمانية تفرعت ماركسيات أيديولوجية.
لتقديم سردية مختلفة، أفضّل الانطلاق من التشابه- في الخطوط العريضة– بين سيناريوهات التحول الرأسمالي: الروسية، الصينية، العربية.. إلخ...- التي رفعت على نحو صريح أو مبطن: رايات الماركسية الأيديولوجية. وأضْفت على التحول الرأسمالي عبر بوابة رأسمالية الدولة في هذه البلدان وهْم التحول إلى نمط الإنتاج الاشتراكي. فتصارعت- ولا زالت تتصارع- على خلفية هذا الوهم الماركسية الأيديولوجية مع الليبرالية. هذا لا يعني أن الأزمة أزمة وعي محض.. فللأزمة جذور في الشروط الموضوعية: المحلية /الدولية. المتحكمة بعملية التحول المتأخر إلى الرأسمالية.. أو بتعبير آخر للأزمة شقان:
- الشق الأول: يتصل بطبيعة الحوامل الاجتماعية – السياسية التي وفرتها البنية الطبقية المحلية لعملية التحول إلى الرأسمالية، تحت هذه الراية الأيديولوجية أو تلك.
- والشق الثاني: في نوعية الوعي الذي قاد عملية التحول إياها. فأن تقود التحول، أيديولوجية دينية في إيران الآن، أو ليبرالية، وقومية –اشتراكية على التوالي: في مصر وسورية والعراق قبل وبعد منتصف القرن الماضي، يضغط لفتح ملف الأزمة في الطابق العلوي للبنية، لمعرفة مستوى مطابقة الوعي الذي يقود التحولات الرأسمالية لحاجات التحول، بالمعنى الذي ذهب إليه ياسين الحافظ في توصيفه للوعي المطابق.
وخشية الانزلاق من التبويب إلى فصل المكونات عن بعضها، أفضِّل مقاربة المشهد في تشابكاته من جهة وفي حركيته من جهة أخرى. لمتابعة عمليات التوالد وتبادل الأدوار بين الأسباب والنتائج. وسأضع على السطر نقطة إفتراضية، لتكن بين اختتام التحول الأعمى "بمعنى فقدان المثال –القدوة" إلى الرأسمالية في كل من إنكلترا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية حوالي نهاية القرن الثامن عشر الميلادي. وبين انطلاق التحول المتأخر بعد هذا التاريخ، من ألمانيا تحت راية الفلاسفة(2) لا راية رجال الأعمال والمحامين. بدءاً من هذه النقطة، احتكر "الوعي بالتأخر" قيادة القاطرة التي ستنقل المجتمعات بطريقة "الدوكما" إلى نمط الإنتاج الأرقى.. وعلى هذه الأرضية تخطّت الماركسية نفسها كفلسفة نقدية باتجاه التحول إلى آيديولوجية تبسط عملية التحول إلى المستوى الذي يسمح بزيادة سرعة القاطرة على الورق، لا على سكة الحديد..
1. من وعي التأخر إلى الإرادوية:
- التحول في ظل الوعي بالتأخر ضخّم دور الأنتلجنسيا إلى مستويات غير مسبوقة.
- من الوعي بالتأخر ولدت النزعة الرسالية. مدشنةً بذلك قرناً من أنبياء التاريخ الحديث:
لينين، ماوتسي تونغ، عبد الناصر..إلخ.."
- تضخم دور الوعي قاد إلى تضخمِ دور الإرادة. أنظر في هذا الإطار الظهور الكثيف للمثقف الثوري. ولاحقاً للحزب الثوري الذي يرفع النظرية إلى ما يشبه عقيدة النجاة الدينية..
- تحول الإحساس بالتأخر إلى شرط لازم وكافٍ للتغيير. فاستبدل التأخر بالإحساس به. مما قصر التغذية لآليات التغيير على التغذية الراجعة. وأغلق الأفق الديمقراطي. وبتعبير آخر تم استبدال المجتمع بالمثقف الذي يعي التأخر. فتوفرت بذلك المقدمات النظرية للإستبداد.
2. ترييف الحامل الاجتماعي للتحول الرأسمالي
إن تصفية العلاقات الإقطاعية أو الخراجية في الريف، هي العقدة التي على تعثر حلها تحدد مصير الليبرالية "كأيديولوجية للتحول الرأسمالي" بدءاً من روسيا مطلع القرن العشرين ووصولاً إلى العالم العربي في منتصفه.
فالليبرالية في كل هذه الأصقاع حاولت أن تلحم ثقافياً حاملاً اجتماعياً ضعيف التجانس من البرجوازية والنبلاء الثوريين.(3)
أما الماركسية التي نشأت في كنف الليبرالية كحركة نقدية، فقد تابعت معاركها مع الأخيرة- بعيد انتقال كليهما إلى العالم الثالث بدءاً من روسيا- تحت شروط مختلفة. هي شروط الانتقال المتأخر إلى الرأسمالية تحت راية المثقفين. وسرعان ما آل هذا الوضع إلى انشقاق حول برنامج التحولات بين بليخانوف الذي أصرَّ على أن "روسيا حيال ثورة برجوازية ديمقراطية وليس ثورة اشتراكية.... وانتقص من دور الطبقة الفلاحية في النضال الثوري بصفتها حليفة للبروليتاريا، كما استفاض في تقييم دور البرجوازية في حركة التحرر"(4)، وبين لينين الذي نحت مفهوم المهام المركبة للبروليتاريا "كتوسيع ورقيٍّ" لبرنامج التحول خارج تخوم الرأسمالية كنمط إنتاج.. وسرعان ما اكتشف ضعف مطابقته "أي البرنامج "لإحتياجات عملية التحول الواقعية.. رغم ذلك فقد تمكن ورثته من تكريس هذا الانشقاق وتحويله لعقيدة منحت اسماً: "الماركسية- اللينينية" وفاتيكاناً. وقد صبغ الانشقاق اللينيني الماركسية في العالم العربي. ووضعها والليبرالية في موضع ضرّتين أوسع خلافهما المكان لثالثة "الإسلام السياسي" وأوصل العلمنة إلى عنق الزجاجة.
نلاحظ أن تعثر مدّ العلاقات الرأسمالية إلى الريف الروسي كان منصة وثوب اللينينية إلى ما عنونته "بالمهام المركبة للبروليتاريا".. أي نهوض البروليتاريا تحت راية الماركسية-اللينينية بالمهام التي عجزت عن تنفيذها البرجوازية تحت راية الليبرالية. ويخطئ كثيراً من يحبس الماركسية -اللينينية في العالم العربي داخل الأطر الرسمية للأحزاب الشيوعية العربية المرتبطة بموسكو. فبصماتها "أي الماركسية- اللينينية" ملء العين في أدبيات الأحزاب القومية–الاشتراكية" البعث وحركة القوميين العرب".. كما أن التنقيحات الستالينية للماركسية- اللينينية، هي التي سيطرت على الفضاء الآيديولوجي للأحزاب الشيوعية الرسمية.
ولعل ذلك يفسر فشل الأحزاب الشيوعية العربية في الوصول إلى السلطة لاستخدامها في حلّ عقدة المسألة الزراعية كمخنق وصلت إليه عملية التحول الرأسمالي. ودوّت صفاراته- طيلة الربع الثالث من القرن العشرين- في معظم العالم العربي. كانت حيوية هذه الآيديولوجية "العلمانية" أو تلك تتحدد في الحقل السياسي. بمعنى قدرتها على وضع رايتها في يد الحامل الاجتماعي المناسب..
احتلت أحزاب الفلاحين المزودة بآيديولوجيا "قومية– اشتراكية" مركز الصدارة في كل السباقات إلى السلطة، وخرجت من السباق أحزاب "البروليتاريا الإفتراضية" المزودة بجرعات من لينينية منقحة ستالينياً. وأفلتت الليبرالية كأس السلطة وتراجعت إلى صفوف المتفرجين جراء تلغيم حاملها الاجتماعي "البرجوازية"، بلغم باشوات الأرض.
لم يخسر حزب الوفد المصري الليبرالي شعبيته جَرّاء مدِّه اليد - في لحظة صراع مع القصر الملكي- إلى الإنكليز، لأن عبد الناصر الذي كسبها مد يده تباعاً للأمريكان ولاحقاً للسوفييت دون أن تتأثر شعبيته كثيراً.. بل خسرها "أي الوفد" لأنه، وهو حزب الأغلبية، عجز عن استصدار قوانين للإصلاح الزراعي تستجيب لضغط الفلاحين من جهة، وتفتح الطريق من جهة ثانية لعلاقات الإنتاج الرأسمالية المتشرنقة داخل المدن للوصول إلى الريف الرازح تحت السخرة واقتصاد الكفاف.
وكذلك الحال في حزبي الليبرالية في سورية "الشعب، والوطني". فقد خرج كلاهما من اللعبة وخرجت معهما الليبرالية لنفس الأسباب(5). وأفضى خروجهما أيضا إلى ذات النتائج:
• فمن الدولة الرأسمالية إلى رأسمالية الدولة
• ومن الديمقراطية السياسية إلى الديمقراطية الإجتماعية
• ومن الليبرالية إلى الاشتراكية القومية أو الوطنية
تلك هي المآلات التي أفضت إليها إشكالية التحول المتأخر إلى الرأسمالية في العالم العربي. ولم تكن العوامل الخارجية، التي احتل فيها الصراع الأمريكي/ السوفييتي صدارة المشهد الكوني معظم النصف الثاني من القرن المنصرم أكثر من حالة تناغم خارجي مع الديالكتيك الاجتماعي– الاقتصادي المحلي الذي حكم سيرورة التحول الرأسمالي في العالم العربي.
كان خروج أوروبا العجوز منهكة من الحرب العظمى الثانية، مقدمة لخروج حلفائها "الليبراليين" في العالم العربي من السلطة. واستتبع ذلك انقطاع ضخ الثقافة الليبرالية بتراجع علاقات التبادل الثقافي مع أوربا الغربية، وعزوف الأمريكان عن إحراج شركائهم المحليين: زعماء العشائر البدوية بليبرالية مربكة لكليهما. وهكذا بقي من قنوات التثاقف المفتوحة مع الخارج القناة السوفيتية، مما طعّم الآيديولوجية النضالية- التي سيطرت على المشهد العربي في العقود الخمسة الأخيرة بفرعيها الشيوعي/ القومي–الاشتراكي، بنكهة سوفيتية لاذعة.
لم يتخلق المشهد الراهن "الآيديولوجي، والسياسي" وفقاً لإرادة العوامل الخارجية لوحدها، وبنفس الوقت لم تنفرد العوامل الداخلية بتوليده. كما أن حصة الطرفين في هذه الخلطة لم تظل ثابتةً طيلة الوقت. بل أميل إلى القول بأن الميزان قد بدأ يرجح تحت ضغط العوامل الداخلية رغم ما يطفو على السطح من مظاهر "تواجد عسكري أمريكي كثيف في المنطقة".
يعكس الميل الراهن للمصالحة، بين الماركسية والليبرالية تبلوراً طبقياً أوضح لحواملهما الاجتماعية في العالم العربي من جهة، وامتلاكاً معرفياً أفضل لكل منهما من قبل الإنتلجنسيا العاملة تحت هاتين الرايتين الآيديولوجيتين. وبغضّ النظر عن الحالات الخاصة لانتقال ناشطين شيوعيين أو قوميين-اشتراكيين إلى مواقع ليبرالية أو إسلامية، فإن الطابع العام لهذه التحولات الفكرية- الآيديولوجية يجري تحت إملاءات شرط موضوعي "اقتصادي –اجتماعي" تخلّق في مجرى التحول إلى الرأسمالية عبر بوابة رأسمالية الدولة. وهي السمة الغالبة على التحول المتأخر إلى الرأسمالية.
بقيت نقطة أخيرة من هذا الحديث قد لا تحتمل هذه المقالة التوسع فيها. وهي التبدلات التي طرأت على العوامل الخارجية. وأوجز فأقول إن زبدة هذه التبدلات هي العولمة، كتحول نوعي في حركة توسع نمط الإنتاج الرأسمالي، تمثل في خروج حركة التوسع من دائرة التبادل إلى دائرة الإنتاج داخل المركز الرأسمالي، مما رتّب ويرتّب تحولا كيفياً في برجوازيات الأطراف... وعلى هذا المسار الكوني يمكن الانتباه إلى الظواهر التالية: نمور آسيا في ثمانينات القرن الماضي.. والتحولات السياسية والاقتصادية في روسيا والصين وأميرِكا اللاتينية.. والبواكير التي يمكن تلمّسها في العالم العربي.. فتحت الزوابع التي تثيرها بقايا الماركسية الأيديولوجية والإسلام السياسي في المشهد العربي يتابع مجرى التحولات الاجتماعية– الاقتصادية شق طريقه واضعاً أمام الماركسيين والليبراليين العرب الكثير من المهام المشتركة....
هامش:
1- محمد سيد الرصاص نص منشور في صحيفة السفير العدد /9807/ تاريخ 2/5/2004 تحت عنوان:الحبل السري: من الماركسية إلى الليبرالية.
2- للتوسع أنظر عبدالله العروي: العرب والفكر التاريخي، والأيديولوجيا العربية المعاصرة
3- انظر تاريخ اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية- ص/308-309/
4- نفس المصدر –ص-/334-335/
5- فشلت الجمعية الوطنية السورية عام 1949 في اتخاذ قرار بتوزيع أملاك الدولة على الفلاحين.
sameabbas@hotmail.com