إضراب الجماهير العربية في ذكرى انتفاضة الأقصى
إضراب الجماهير العربية في ذكرى انتفاضة الأقصى
انجاح الإضراب هام، وفشله سينعكس سلباً على مستقبل نضالنا
بقلم : نبيل عودة
الإضراب العام الذي دعت الية لجنة المتابعة العربية العليا، بمناسبة ذكرى انتقاضة القدس والأقصى، جاء مفاجئا لمعظم متابعي السياسة العربية في إسرائيل.
صحيح أن الإضراب هو أداة نضالية هامة، ويشكل قرار الإضراب خطوة استراتيجية حاسمة في نضال شعبنا.
أولاً، ما أريد توضيحه ان مجرد اتخاذ قرار الإضراب، وبغض النظر عن صواب أو خطأ هذا القرار، يلزمنا جميعاً بأن نتجند لإنجاحه.
ان فشل الإضراب سينعكس سلباً على مجمل نضالنا المستقبلي بمواجهة نظام الحكم العنصري في إسرائيل.
والآن لعمق الموضوع...
كما قلت لست ضد فكر الإضراب، كأداة نضالية لتحقيق المطالب الوطنية والاجتماعية ومطلب المساواة بشكل عام، وكأداة نضالية احتجاجية نوجّه بها صفعة مدوية للسياسة المعادية لمجرد وجودنا ولغتنا وهويتنا وحقنا في الحياة الحرة الكريمة فوق أرض وطننا.
لا يمكن اتخاذ قرار الإضراب لأن زعيماً ما، يريد ان ينفرد بهذا القرار ويسجل نقاطاً ايجابية لنفسه. ويبدو واضحاً ان هذا ما كان وراء قرار الإضراب.
قرار الإضراب هو موضوع بالغ الأهمية ويحتاج الى دراسة شاملة للواقع العربي في إسرائيل، الذي يظن زعماء الأحزاب انهم باتوا خبراء به، وأكاد أجزم انهم لا يعرفون ما يجري من تطورات سلبية داخل مجتمعاتهم، ولا يتابعون المعارك التي تفتتح، لدرجة ان إعلان شخصي للإضراب تحول الى قرار جماعي بدون ان تُفحّص الجاهزية الجماهيرية للإضراب والاستعداد لمواصلة المعركة بعد الإضراب. هل نحن في موسم المزايدات؟
بمثل هذا المستوى الفكري والنضالي، أشعر بالخوف من الفشل، وسيكون النجاح النسبي إنجازاً كبيرا.
ما هو الواقع الذي نعيشه؟
تبين لي من فحص الجاهزية للإضراب في شارع رئيسي، مليء بالمحلات التجارية، حيث أسكن أيضاً، ان نصف أصحاب المحلات لم يسمعوا عن الإضراب، وأن النصف سمعوا ولا يعرفون ما هي دوافع الإضراب، او يربطونه بالأحداث الأخيرة من الاعتداء على الأقصى.. وتفاجأت ان أحداً منهم لا يعرف الدافع الحقيقي للإضراب؟؟
حتى لو التزم أصحاب المحلات المذكورين بالإضراب.. نتيجة الجو العام السائد، والخجل من فتح الحانوت حين يقفل الجار، لأن هذا هو الجو السائد مع الأسف الشديد. هل يظن قادتنا انهم بذلك الجو الشعبي السلبي، أنجزوا مكسباً سياسياً حقيقياً، ام مكسباً هلامياً لا تغطية جماهيرية حقيقية له؟!
اذا كان هدف الإضراب مجرد تعطيل مصالح التجار والعمال.. فهو قرار فوقي. عندما أضرب يجب ان أكون معبئاً سياسياً ووطنياً. يجب ان أكون على قناعة اني مستعد لدفع أي ثمن يفرضه على إنجاح الإضراب. وهذا بعيد تماماً عن قناعات المواطنين اليوم.
لو قارنا الأجواء السائدة عشية هذا الإضراب بما كان سائدا عشية إضراب يوم الأرض الأول مثلا، او يوم إضراب الاحتجاج على جريمة السفاح غولدشتاين في الحرم الابراهيمي في الخليل او غيرها من أيامنا النضالية، لتبين ان القيادات السياسية لم تفعل شيئاً لإيصال الجماهير الى الاقتناع بأن الإضراب صار حداً فاصلاً يفرض نفسه، وان اتخاذ قرار الإضراب هو بمثابة تلبية للوضع الثوري في الشارع.
لا أقول ان واقعنا مع هذه الحكومة الأكثر عنصرية في تاريخ إسرائيل وسابقاتها كانت عسلاً، بل علقماً مراً. هناك أدوات نضالية متنوعة، والإضراب هو أكثرها حدة، ويمكن وصفه انه بمثابة السلاح "النووي" الذي لا نستعمله الا في الحالات القصوى.
هل هذا هو الحال اليوم؟
ألَم تسبب إضراباتنا العشوائية السابقة، ضربة لمجتمعاتنا ولاقتصادنا؟ الم نتعلم ان لا نقرر الإضراب الا في حالة الجاهزية الجماهيرية الكاملة؟
هل نريد ان نحطم كل محاولاتنا خلال العقد الأخير، لإعادة اليهود الى التعامل مع بلداتنا، الى حالته الطبيعية؟ هل لنا مصادر دخل بديلة؟ ربما يعوضنا قادتنا عن هروب المتسوق اليهودي؟ لا أعرف هل أعدُّوا خططا بديلة، مثلا استيراد متسوقين من اوروبا؟!
نعم قرار الإضراب يحمل حساسية ويفرض التفكير العقلاني بكل النتائج، وليس فقط بنجاح إغلاق المحلات.. انما بنتائج الإضراب وانعكاسها على واقعنا السياسي والاجتماعي والاقتصادي.
آلاف الشباب العرب تائهون في مقاهي الأرجيلة.. ونحن في جيلهم كنا ننتقل من ندوة الى محاضرة، من نادي الى نشاط سياسي، من مهرجان شعري الى دورة تعليمية تشمل الفلسفة والاقتصاد والفكر السياسي والثقافة العربية والفلسطينية.
ماذا أعددتم للشباب غير الشعارات التي مللناها؟ كيف ستنقذونهم من الضياع، وتطرحون أمامهم بدائل أخرى؟ لماذا تفكرون في الإضراب مع كل أهميته ولا تخططون لتغيير واقع الضياع لآلاف الشباب؟!
رؤيتي متشائمة بأننا نتهاوى.. والجاهزية النضالية التي كانت تملأنا للمعارك اختفت.. وأجزم ان قرار الإضراب اتخذ في إطار المنافسة الشخصانية بين قيادات لم تعد تملك رصيداً بين المواطنين.
لا أشعر بجو شعبي حماسي. لا أشعر بمستوى وعي سياسي يجعل الشارع يشتعل شوقاً وإصراراً ليوم الإضراب.
ان عواقب فشل الإضراب ستكون بالغة الخطورة على مستقبلنا. صحيح ان عدسات الإعلام لن تصور الواقع الفكري، انما صور الشارع، ومدى إغلاق المحلات. وهذا يجب ضمانه كأضعف الإيمان.
وهو من حسن حظكم أيضا..!!
نبيل عودة – كاتب وناقد واعلامي – الناصرة
nabiloudeh@gmail.com